الولاية في محكمة العقل - موسى المقطري
حزبي
منذ 5 ساعات
مشاركة

منذ انقلابهم المشؤوم، والذي لم تجد اليمن بعده عافية تُذكر، يحاول الحوثيون إقناع اليمنيين أن لهم حقاً إلهياً مزعوماً يجعلهم حكاماً ومتحكمين دون بقية الناس، ويحيون لأجل هذا المنحى عيداً مصطنعاً يروجون فيه لفكرة انحصار الولاية في الإمام علي وذريته، ويقدمون أنفسهم كممثلين لهذه الذرية، وأما ما وراء اهتمامهم بهذه الخرافة وإعادة إحيائها فإنهم يقولون للناس: نحن لسنا انقلابيين ولم نغتصب العاصمة ولم ننهب مؤسسات الدولة وإنما أصحاب حق! فيما الحق بريء منهم، ولو تحدثت الأرض والسماوات والأحجار والأشجار لقالت ذلك في وجوههم الكئيبة المكتئبة.

 

إن ربط الفكر الحوثي الطائفي الولاية بالجينات لجعلها حصراً في سلالة بعينها يصطدم بالكثير من البديهيات العقلية والإنسانية، وفي مقدمتها أن العقل الحديث يرفض فكرة أن يولد إنسان متفوقاً سياسياً أو دينياً على بقية البشر لمجرد جيناته الوراثية، والتفكير بهذه الطريقة يعيد إنتاج الأنظمة الطبقية الفاشية كأرستقراطيات القرون الوسطى، ونظام الحق الإلهي للملوك في أوروبا، وهو ما يرفضه الإنسان الحديث، ولا تقبله الأمم والشعوب من مختلف الأديان والأعراق والقارات.

 

أضف إلى ذلك أن الإسلام ومبادئه وأصوله وفروعه مبني على مبدأ العدالة الإلهية، ومن غير المنطقي عقلياً أن يربط المولى سبحانه وتعالى مصير أمة كاملة وصلاحها السياسي برحم امرأة أو نسب رجل، وذلك لو حصل يلغي مبادئ الكفاءة والشورى والعدالة الاجتماعية، وهي مبادئ قامت عليها الرسالات السماوية، ولأجلها أُرسلت الرسل وأُنزلت الكتب، وبها تصلح أحوال الأمم ولو كانت غير مسلمة، فما بالك بأمة الإسلام التي هي خير أمة أُخرجت للناس.

 

على الصعيد الوطني، يصطدم المفهوم الحوثي للولاية بجدار الهوية الوطنية اليمنية التي تشرّبت قيم الحرية والجمهورية، فاليمنيون الذين ثاروا في 26 سبتمبر لم يفعلوا ذلك لتغيير أشخاص بأشخاص، بل لدفن نظرية الحق الإلهي المزعوم التي أذاقتهم الويلات لقرون، ومحاولة إحياء هذا الوهم اليوم تحت لافتات دينية مصطنعة هي محاولة لفرض تغريبٍ فكريّ على اليمني، وإجباره على التنازل عن مواطنته المتساوية ليتحول إلى مجرد رعوي في إقطاعية سلالية، وما يدركه العقل اليمني الجمعي أن المساواة في الحقوق والواجبات، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة هي الضمانات الوحيدة للاستقرار، وأن أي ارتداد نحو عصبية النسب هو دعوة لاستزراع الماضي الأسود الكئيب الذي ضحى الثوار الأوائل من أجل العبور عليه والرمي به في مزبلة التاريخ.

 

المؤكد أن جهود تحويل يوم الغدير من حادثة تاريخية يُعبّر فيها النبي عن حبّه ومكانة ابن عمه وصهره، إلى أيديولوجيا سياسية سلالية هو قفزة غير منطقية وتزييف للوعي، والعقل والواقع والتاريخ يثبتون مجتمعين أن الحكم شأن مدني تدبره الشعوب عبر الشورى والديمقراطية والكفاءة، وبحسب ما تراه من أنظمة تصلح حالها، أما حصر السلطة والثروة وتمثيل الدين في سلالة معينة تحت مسمى الولاية فليس سوى خرافة سياسية تُستخدم لاستعباد الشعوب وسلب إرادتها، وهو ما يرفضه اليمنيون كغيرهم من شعوب الأرض، ولا مجال أبداً للقبول أو التعايش مع مثل هذه الخرافات والأفكار الضالة المضلة.

 

أخيراً ف إن محاكمة فكرة الولاية للسلالة أو الطائفة أمام محكمة العقل والواقع تكشف زيفها بوضوح، إذ لا تستند إلى منطق عقلي أو ديني سوي، ولا إلى وازع إنساني حديث، بل هي مجرد أداة أيديولوجية لفرض الاستبداد، ستظل مرفوضة من كل عقل حر يسعى للمساواة والمواطنة والعدالة.

 

دمتم سالمين.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية