جون لوك ومعضلة الدبابير
عربي
منذ 6 أيام
مشاركة
في صيف عام 2009 كان عُرس أخي، وكان ما يزال بإمكاني وقتها السفر إلى سورية قبل أن أُحرم من زيارتها حتى اليوم.  كان الصيف إذن، وسحر الصيف في الشرق يتفوّق حتى على قيظه. مع بداية المساء تخرج العائلات السوريّة من مخابئها التي لجأت إليها في النهار لتبدأ حياتها في الليل. كالكثير من السوريين، كانت عائلتي تخرج أوّل المساء إلى "أرض الدار" الريفية المصبوبة من البيتون لنبدأ بشطفها برشّ الماء على الأرض المُلتهبة لتبريدها، ثمّ نمضي الأمسية عليها. وشطف أرض "الديار" يترك نقعاً مُتفرّقة من الماء هنا وهناك، تهرع إليها الدبابير العطشى التي أنهكتها شمس الشرق القائظة.  في تلك الأيّام، كان موسم العنب وكانت عريشة بيتنا في الجنوب السوريّ تنوء بثقل العناقيد الشهيّة التي تلمع تحت أشعة الشمس كثريّات قصر مسحور. لم يكن ما يجذب الدبابير إلينا إذن نقع الماء التي يخلّفها شطف الأرض فقط، وإنّما العنب أيضاً، الذي بسببه تحوّلت "عريشتنا" إلى محمية طبيعية للدبابير والزراقط.   لم نكن وحدنا إذن في المكان، بل في مواجهة عشرات الدبابير المقاتلة العطشى والجائعة. كلّ مساء تقريباً كان علينا أن نخوض معارك شرسة مع تلك الحشرات السّامة لإبعادها عن أرض الدار وعن عناقيد العنب التي حاولت منعنا من الاقتراب منها كلّما أردنا قطف عنقود.  إنّ عملك واجتهادك فيما كان مشاعاً هو ما يعطيك الحقّ فيه كنا نخوض معركة مع الدبابير بوصفها حرباً دفاعية ضدّ الغزاة الطامعين بأرضنا ورزقنا. في لاوعيي كانت تلك الحرب عادلة، بل واجبة، فالأرض لنا، والعنب لنا، بينما الدبابير هم المتطفلون الغزاة. كنت أراها إذن معركة على "الحق" الذي يعطينا كلّ الشرعية لمواجهة الغزاة. في إحدى الأمسيات وأمام استبسال الدبابير واستماتتها في القتال، التفتُّ إلى أبي وقلت له مازحاً كما لو كنت قائداً عسكرياً على الجبهة: "إنهم يحتلون عريشتنا، فلنحرّر أرضنا وعنبنا!"، لكن جواب أبي العفوي جعلني أتجمّد أرضاً، لأنّه أثار في عقلي إشكاليةً فلسفيةً مُربكة. لقد كان جواب أبي (وهو ما جعلني ألقي بسلاحي؛ مضرب التنس، وأنسحب من معركة الدبابير لأنخرط في معركة التفكير) هو التالي: "الدبابير، من جهتها، ترى فينا غزاة لما هو ملك لهم. فهم يظنون أننا نهاجم عريشتهم وعنبهم، وهم بشكلٍ ما يدافعون عن رزقهم وموطنهم!" في خضم التفكير في صاحب الحقّ في العنب والماء والمكان واستعراض أفكار الفلاسفة في نظريات الحقّ الطبيعي المُتمركزة على حقّ الإنسان فقط من دون اعتبار حقوق الحيوان، تذكرتُ فجأة حُجّة الفيلسوف الإنكليزي، جون لوك، حول الحقّ في التفاحة. فقد تساءل لوك يوماً: لو كنتَ أنت وصديقك تمشيان في الغابة، ومررتما تحت شجرة تُفّاح، ثم قطفتَ أنتَ تُفاحة من الشجرة، فهل هذه التُّفاحة من حقّك أم من حقّ صديقك؟ كان جواب لوك حاسماً: إنها لكَ أنتَ، لأنك خلطتها بعملك حين مددت يدك وقطفتها. إنه إذن الحقّ الناجم عن العمل. إنّ عملك واجتهادك فيما كان مُشاعاً هو ما يعطيك الحقّ فيه. قلتُ لوالدي بعد تأمّل: ألسنا نحنُ من زرع عرائش العنب، وهي تبعاً لذلك لم تنبت وحدها؟ قال لي بلى، وهو يتساءل إلى أين أُريد أن أصل. قلتُ له: ونحنُ من نعتني بها من تشحيل وتعشيب وعناية.. إلخ؟ قال لي: بلى، ولكن ماذا يعني هذا؟ قلتُ له: إن العنب من حقّنا إذن لأنّنا من عمل على إنباته وإثماره وسقيه ورعايته.. إلخ، بينما الدبابير لم تفعل شيئاً من ذلك للعنب، اللهم إلا إفساده. إنّ الدبابير هي الغازية التي تهاجم حقّنا، لذلك هي الدخيلة ونحن أصحاب الحقّ. قال لي والدي: طيب كفاك فلسفة الآن، وساعدنا على التخلّص ممن يستغل عملنا...

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية