عربي
يتزايد إنفاق شركات التكنولوجيا الكبرى على منتجات الذكاء الاصطناعي بمعدل يومي، الأمر الذي يعزز الإقبال المتزايد على شراء "رقائق الذاكرة" لمشاريعها الكبرى ويدفع بأسعارها إلى مستويات أصبحت مهددة للشركات الصغيرة وأسعار ما تنتجه من أجهزة إلكترونية للمستهلكين الأفراد، وما بات يعرف بـ"تضخم الرقائق".
وحذّر محللو بنك "مورغان ستانلي" من أن الارتفاع الحاد في أسعار رقائق الذاكرة، المدفوع بالطلب الهائل على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، قد يؤدي إلى موجة من "تضخم الرقائق"، إذ تجد الشركات المصنعة للأجهزة، من الهواتف الذكية إلى الحواسيب الشخصية، نفسها مضطرة للاختيار بين رفع الأسعار أو القبول بهوامش ربح أقل.
وقالت شركة الوساطة المالية، أمس الثلاثاء، إن أسعار رقائق الذاكرة قفزت ستة أضعاف خلال العام الماضي، في وقت يكافح فيه المصنعون لمواكبة الإنفاق الضخم لشركات التكنولوجيا الكبرى على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع إعطاء الأولوية للرقائق المخصصة لمراكز البيانات ذات الهوامش الربحية الأعلى على حساب الرقائق المستخدمة في الأجهزة الاستهلاكية اليومية.
ونقل تقرير لوكالة رويترز، الأربعاء، عن مذكرة أعدها محللو "مورغان ستانلي" في 66 صفحة: "ما بدأ كاختناق في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يمتد الآن إلى هوامش أرباح الأجهزة، وقدرة المستهلكين على تحمل التكاليف، وتكاليف الحوسبة السحابية، والتضخم والسياسات الاقتصادية"، مشيراً إلى أن أزمة الإمدادات "أصبحت مصدر قلق اقتصادي كلي".
ورغم أن بعض شركات تصنيع الرقائق تعمل على توسيع طاقتها الإنتاجية، فإن المحللين قالوا إن ظهور نتائج ملموسة سيستغرق سنوات، نظراً للكلفة المرتفعة والتعقيدات التي تواجه إنشاء مصانع جديدة.
وأوضح البنك أن الموجة الحالية تختلف عن دورات الازدهار والانكماش السابقة، إذ قد تمثل "إعادة ضبط دائمة للعلاقة بين العرض والطلب"، مع قيام شركات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي الكبرى بحجز الطاقات الإنتاجية عبر اتفاقيات طويلة الأجل والتزامات أخرى، ما يترك المشترين التقليديين يتنافسون على إمدادات أقل حجماً وأكثر تشدداً وتقلباً.
ورغم أن التأثير المباشر على تضخم أسعار المستهلكين قد يكون محدوداً، فإن الضغوط باتت واضحة في أسعار المنتجين وهوامش أرباح الشركات وتكاليف الخدمات السحابية والإنفاق الرأسمالي وتأخير طرح التقنيات الجديدة، بحسب المذكرة.
ورفعت بالفعل شركات الإلكترونيات الاستهلاكية، من "سوني" المصنعة لجهاز "بلاي ستيشن" إلى عملاق الحواسيب "لينوفو"، أسعار منتجاتها، في حين حذّرت شركات التكنولوجيا الكبرى من أعباء إضافية بمليارات الدولارات نتيجة ارتفاع أسعار رقائق الذاكرة.
فعلى سبيل المثال، قالت "مايكروسوفت" في إبريل/نيسان الماضي إن نحو 25 مليار دولار من إجمالي إنفاقها البالغ 190 مليار دولار هذا العام سيُعزى إلى ارتفاع أسعار الرقائق. وقدّرت شركة الأبحاث "آي دي سي" أن يشهد كل من سوق الحواسيب الشخصية والهواتف الذكية انكماشاً حاداً في عام 2026، مع إحجام المشترين المحتملين عن الشراء بسبب ارتفاع الأسعار، ولا سيما في الفئات الأقل سعراً.
وقال "مورغان ستانلي": "يستفيد منتجو رقائق الذاكرة من ارتفاع الأسعار وتحسن الهوامش الربحية ووضوح الرؤية المستقبلية، بينما تضطر شركات تصنيع الأجهزة في المراحل اللاحقة من سلسلة التوريد إلى استيعاب التكاليف أو تمريرها إلى المستهلكين أو إعادة تصميم المنتجات أو مواجهة خطر تراجع الطلب".
وأشار التقرير إلى أرباح شركات تصنيع رقائق الذاكرة الديناميكية مثل "سامسونغ إلكترونيكس" و"إس كيه هاينكس" و"مايكرون"، التي تسيطر مجتمعة على نحو 90% من الإنتاج العالمي، والتي ارتفعت أسهمها إلى أكثر من ثلاثة أضعاف خلال العام الجاري.
وأضافت شركة الوساطة أن التوترات بين الولايات المتحدة والصين بشأن الرقائق والقيود المفروضة على الصادرات تؤدي إلى تفتيت سلاسل الإمداد وتشديد المعروض، في حين أن الدعم الحكومي لا يوفر حلاً سريعاً لأن إضافة طاقات إنتاجية جديدة تحتاج إلى وقت طويل.
عمالقة الرقائق
وكانت شركة "سامسونغ" الكورية الجنوبية قد أصبحت الشهر الماضي ثاني شركة آسيوية تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار، وهو تطور يحمل رسالتين واضحتين: الأولى أن حمى الذكاء الاصطناعي عادت بقوة، والثانية أن "تضخم الرقائق" قد يتحول إلى صدمة أسعار جديدة شبيهة بتلك المرتبطة بمضيق هرمز.
ورغم أن كثيرين يعرفون "سامسونغ" باعتبارها عملاقاً في مجال الإلكترونيات الاستهلاكية، فإن الشركة تؤدي أيضاً دور "البديل الفعلي" لأكبر شركة مسابك رقائق في العالم، هي "تي إس إم سي"، بفضل قدرتها على إنتاج رقائق بتقنيات تصنيع متقدمة تصل إلى 2 نانومتر.
وقد شهد هذا النشاط نمواً هائلاً. فبحسب أحدث نتائجها المالية، قفزت أرباح قطاع الرقائق في "سامسونغ" بنسبة 4800% خلال الربع الماضي. كما أن الشائعات حول شراكة محتملة مع "أبل" ساهمت في دفع الشركة إلى نادي التريليون دولار.
ويقف إنفاق شركات التكنولوجيا الكبرى في صلب هذه الطفرة. إذ يُتوقع أن تنفق أكبر خمس شركات أميركية في مجال الذكاء الاصطناعي نحو 700 مليار دولار هذا العام، معظمها على مراكز البيانات. وللمقارنة، فإن هذا الرقم يعادل تقريباً ضعف ما أنفقته تلك الشركات في العام الماضي.
وفي المقابل، تجد شركات تصنيع الرقائق صعوبة في مواكبة هذا الإنفاق المتسارع. وبينما يعود ذلك بالفائدة على هوامش أرباحها، فإنه يخلق اختناقات في الإمدادات تؤثر في شركات تصنيع الأجهزة الإلكترونية وحتى في مشاريع البناء.
ويبدو أن "تضخم الرقائق" بدأ بالفعل ينعكس على أسعار الإلكترونيات الاستهلاكية. فقد ذكرت "أبل" في نتائجها المالية للربع الأول من العام الجاري أنها تواجه صعوبة في تأمين الرقائق اللازمة لهواتف "آيفون" وحواسيب "ماك". وقال الرئيس التنفيذي تيم كوك: "نعتقد أن تكاليف الذاكرة سيكون لها تأثير متزايد على أعمالنا".
وقال تقرير لمجلة "فوربس" إن ارتفاع أسعار الإلكترونيات يُعد الأثر الأكثر وضوحاً، لكن مشاريع مراكز البيانات تستنزف أيضاً، بصورة أقل ظهوراً، أعداداً كبيرة من العمالة المتخصصة. ونقلت المجلة عن توماس كارول من شركة "ستيفل" قوله إنه للمرة الأولى منذ 65 عاماً ترتفع أسعار السلع التكنولوجية بوتيرة أسرع من نمو الأجور.
