عربي
يأتي كتاب "الأسطورة" (La Légende) أحدث إصدارات الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال (غراسيه، يونيو 2026) ليضع تجربة الاعتقال في قلب نقاشٍ ثقافيٍ وسياسي فرنسي متجدد حول حدود الكتابة وحدود التوظيف العام للسيرة الشخصية، في وقت لم يهدأ فيه الجدل الذي رافق انتقال الكاتب إلى دار "غراسيه" وصدور عمله الجديد اليوم الأربعاء.
الكتاب يستعيد فترة احتجاز امتدت 361 يوماً في سجن الحراش بالجزائر، على خلفية تصريحاتٍ مرتبطة بالحدود الجزائرية المغربية، قبل أن يُدان الكاتب بالسجن خمس سنوات ثم يفرج عنه في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بعفو رئاسي عقب وساطةٍ دبلوماسيةٍ ألمانية. غير أن النص لا يقدَّم بوصفه سرداً خطياً لتجربة السجن، وإنما بما هو إعادة تفكيك لمسار تحوّل فيه الحدث الفردي إلى مادةٍ عامة أعادت صياغتها المؤسسات القضائية والإعلامية والسياسية.
يقوم الكتاب، الواقع في مئتين وأربعين صفحة، على فكرة أن القضية تستند في روايتها إلى تعدد الأصوات التي تدخلت في تشكيلها، بدءاً من القضاء مروراً بالسجن وصولاً إلى التغطية الإعلامية الدولية، متخطية رواية صاحبها الفردية. هذا الانتقال، بحسب النص، جعل التجربة تنفصل تدريجياً عن صاحبها لتتحول إلى سردية عامة تتراكم حولها التأويلات.
يقوم على فكرة أن القضية لم تعد تقدم وتحكى من زاوية صاحبها فقط
يشتغل "الأسطورة" أيضاً على ثنائية الحقيقة والسرد، عبر إبراز المسافة بين ما جرى فعلياً وما أعيد بناؤه في المجال العام، حيث تتحول الوقائع إلى مادة قابلة للتأويل السياسي والإعلامي. ويطرح الكتاب، في خلفيته الفكرية، سؤالاً حول العدالة في تقاطعها مع السلطة، وحول اللغة حين تتحول إلى أداةٍ لإنتاج المعنى أو ضبطه داخل سياقاتٍ مشحونة.
يتّخذ الكتاب، وفق المعطيات التي أوردتها الصحف الفرنسية ودار النشر، طابعاً هجيناً يجمع بين السيرة الذاتية والكتابة التأملية ذات النفس السياسي، إذ لا يكتفي بإعادة سرد وقائع الاعتقال، وإنما يعيد تركيبها داخل بنية سردية تتعامل مع التجربة بما هي حدث أعيد إنتاجه أكثر من مرة داخل مؤسسات متداخلة. وفي هذا الإطار، يقدّم النص تصوراً مفاده أن الحكاية تستمر في التشكل عبر مسارات متقاطعة، قبل أن تعود إلى الكاتب في صيغة كتابة تحاول استعادة زمامها الرمزي. كما يتوقف عند فكرة العدالة حين تتحول إلى خطاب عام يتجاوز الملف القضائي ليصير جزءاً من المجال العمومي.
ويأتي صدور العمل في سياق نشر غير منفصل عن الجدل الذي رافق انتقال صنصال من دار "غاليمار" إلى دار "غراسيه" التابعة لمجموعة هاشيت، وهو انتقال أثار نقاشاً في الوسط الأدبي الفرنسي حول توازنات صناعة النشر وحدود تأثير المجموعات الإعلامية الكبرى. كما رافق ذلك جدل إعلامي واسع حول موقع الكاتب في المشهد الثقافي الفرنسي بعد خروجه من السجن.
في هذا السياق، جاء الكتاب متداخلاً مع نقاش عام في الصحافة الفرنسية حول طبيعة الخطاب الذي يحمله، وحول حدود الفصل بين التجربة الشخصية والتموقعات الفكرية في الفضاء العام. وقد أشارت قراءات نقدية فرنسية إلى أن النص، رغم طابعه الشهاداتي، يتجه إلى تفكيك بنية السرد أكثر من تقديم رواية متماسكة بالمعنى التقليدي، مع حضور توترٍ في الانتقال بين التجربة الفردية والقراءة العامة لها.
كما يضم الكتاب في خاتمته عنصراً لافتاً يتمثل في إيراد قائمة بأسماء شخصيات يعتبرها الكاتب داعمة له خلال فترة اعتقاله، إلى جانب إحالة إلى آخرين يصفهم بأنهم ابتعدوا عنه أو خذلوه، من دون تسمية مباشرة لهم. وقد أثار هذا الجزء اهتماماً نقدياً داخل الصحافة الفرنسية باعتباره يعكس استمرار حضور التجربة في بعدها الشخصي والسياسي معاً داخل هذا النص السيري.
وفي موازاة ذلك، يواصل صنصال في تصريحاته العامة التأكيد على "رفضه حصر تجربته داخل تصنيفات أيديولوجية"، في وقت تتعدد فيه قراءات مواقفه داخل الفضاء الإعلامي الفرنسي، بين من يربطها بنقده للسلطة ومن يضع بعض خطاباته في سياقات سياسية يمينية. ويأتي ذلك ضمن جدل أوسع يرافق صدور الكتاب حول موقع الكاتب داخل المشهد الثقافي الفرنسي الراهن.

أخبار ذات صلة.
اقتصادات دول الخليج تواجه عاصفة التضخم العالمي بمرونة مالية
العربي الجديد
10 دقائق من الآن