الدنمارك: فريدركسن تتشبث بالسلطة بعد 69 يوماً من المفاوضات
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بعد 69 يوماً من المفاوضات التي دخلت التاريخ باعتبارها الأطول منذ إقرار النظام البرلماني الحديث في الدنمارك، نجحت رئيسة الوزراء الاجتماعية الديمقراطية ميتا فريدركسن في الاحتفاظ بالسلطة وتشكيل حكومة ائتلافية جديدة تجمع أحزاب اليسار ويسار الوسط، في خطوة تعكس إعادة رسم للخريطة السياسية الدنماركية وسط تحديات اقتصادية وأمنية متزايدة، وفقاً لما قالت فريدركسن في مؤتمر صحافي عصر الثلاثاء. وتضم الحكومة الجديدة الحزب الاجتماعي الديمقراطي، وحزب الشعب الاشتراكي، وحزب اليسار الراديكالي، وحزب المعتدلين بزعامة وزير الخارجية ورئيس الحكومة السابق لارس لوكا راسموسن. وبعد لقاء مع الملك فريدريك العاشر على متن السفينة الملكية "دانبروغ" في أودنسه، حصلت فريدركسن رسمياً على تكليف تشكيل الحكومة، لتبدأ ولاية ثالثة على رأس السلطة التنفيذية. ورغم أن أحزاب الحكومة لا تملك سوى 82 مقعداً من أصل 179 في البرلمان، فإنها ستعتمد على دعم أحزاب يسارية خارج الائتلاف، وعلى رأسها حزب اللائحة الموحدة وحزب البديل الأخضر، لتأمين عتبة التسعين نائباً اللازمة لتمرير الثقة والتشريعات الأساسية. ائتلاف للاستقرار أم زواج ضرورة؟ جاءت ولادة الحكومة، التي أعلنت عنها فريدركسن في مؤتمر صحافي عصر اليوم الثلاثاء، بعد مفاوضات شاقة كشفت حجم الانقسامات داخل المعسكرَين الأحمر والأزرق. فبينما فشلت محاولات اليمين ويمين الوسط في تشكيل حكومة بديلة، تمكنت فريدركسن من جمع أحزاب تختلف في ملفات عديدة تحت مظلة برنامج يركز على تخفيف الأعباء المعيشية وتعزيز دولة الرفاه. وتصف وسائل إعلام دنماركية الاتفاق بأنه محاولة لتوفير الاستقرار السياسي في وقت تواجه فيه أوروبا تباطؤاً اقتصادياً وتحديات أمنية متزايدة بسبب الحرب في أوكرانيا والتوترات الدولية. لكن المعارضة اليمينية تعتبر الاتفاق مقامرة مالية قد تضع ضغوطاً كبيرة على المالية العامة خلال السنوات المقبلة. وعود اجتماعية كبيرة... ومعارضة تسأل: مَن سيدفع الثمن؟ أبرز ما طرحته فريدركسن في البرنامج الحكومي الجديد يتمثل في سلسلة إصلاحات اجتماعية واقتصادية تستهدف تخفيف تكاليف المعيشة. ومن بين أهم التعهدات خفض ضريبة القيمة المضافة (25%) على المواد الغذائية إلى النصف، وإلغاؤها بالكامل على الفواكه والخضروات، إضافة إلى خطة طويلة الأمد لجعل علاج الأسنان مجانياً تدريجياً خلال السنوات العشر المقبلة. وتُظهر تقديرات وزارة الضرائب أن خفض الضريبة على الأغذية قد يكلف الخزينة نحو 16.8 مليار كرونة (2.2 مليار يورو) سنوياً، فيما تشير بيانات وزارة الصحة إلى أن تمويل علاج الأسنان بالكامل قد يضيف أكثر من ثمانية مليارات كرونة سنوياً إلى الإنفاق العام. وهنا تتركز هجمات المعارضة، إذ سخرت زعيمة حزب المحافظين مونا يول من الوعود الحكومية بقولها: "أهنئ الدنمارك، كل شيء سيصبح مجانياً"، متسائلة عن مصادر التمويل، كما يرى قادة اليمين أن الحكومة تعتمد على أجندة اليسار التي دفعت نحو مشروع مجانية علاج الأسنان، وهو مطلب يحظى بتأييد شعبي بسبب ارتفاع تكاليف العلاج. أما زعيم التحالف الليبرالي أليكس فانوبسلاغ فيحذر من أن الحكومة تعد المواطنين بخدمات واسعة دون توضيح آليات التمويل، معتبراً أن ذلك قد يقود إلى زيادة الضرائب أو الاقتراض العام. تخفيضات ضريبية وتعديلات على الإرث إلى جانب تعزيز دولة الرفاه، تتضمن الخطة الحكومية إصلاحاً ضريبياً يشمل إلغاء بعض الشرائح الضريبية المفروضة على أصحاب الدخل المتوسط والمرتفع. وفي المقابل، تتجه الحكومة إلى تشديد الضرائب على الميراث الكبير، بحيث ترتفع الأعباء الضريبية على الورثة الذين يحصلون على أكثر من عشرة ملايين كرونة. ويرى مراقبون أن هذه الصيغة تمثل محاولة للتوفيق بين أجندة اليسار الاجتماعية ورغبة حزب المعتدلين والقوى الوسطية في تقديم حوافز اقتصادية وتشجيع الاستثمار. أوكرانيا والدفاع... استمرارية بلا مفاجآت في السياسة الخارجية، لا تشير المعطيات الأولية إلى تغييرات جوهرية في توجهات كوبنهاغن. فالحكومة الجديدة تواصل دعمها العسكري والاقتصادي لأوكرانيا، وتعتبر الحرب الروسية الأوكرانية التحدي الأمني الأكبر الذي تواجهه أوروبا حالياً، كما تتعهد بمواصلة رفع الإنفاق الدفاعي وتعزيز التعاون مع حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ضمن السياسة التي انتهجتها الحكومات الدنماركية المتعاقبة منذ اندلاع الحرب عام 2022. غرينلاند... الجرح المفتوح في العلاقة مع واشنطن إحدى القضايا الأكثر حساسية في البرنامج الحكومي الجديد تتعلق بغرينلاند، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى محور تنافس جيوسياسي متزايد بين القوى الكبرى. وتشير أرضية الاتفاق بين الأحزاب إلى خطط لاستثمارات إضافية في البنية التحتية للجزيرة وتعزيز الحوار حول قضايا السيادة والسياسة الخارجية داخل كومنولث المملكة الدنماركية. ويأتي ذلك في وقت شهدت فيه العلاقات بين كوبنهاغن وواشنطن توترات متكررة بسبب الطموحات الأميركية المتزايدة تجاه غرينلاند، وما أثارته من نقاشات حول مستقبل الجزيرة وموقعها الاستراتيجي في القطب الشمالي. وترى الحكومة أن تعزيز الروابط السياسية والاقتصادية مع غرينلاند يمثل ضرورة للحفاظ على وحدة المملكة الدنماركية في مواجهة الضغوط الخارجية. فريدركسن تنجو... لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن نجحت ميتا فريدركسن في تحقيق هدفها الأول: البقاء في السلطة وتجنب سيناريو حكومة يمينية بديلة. لكن النجاح في تشكيل الحكومة لا يعني انتهاء التحديات. فالحكومة الجديدة ستواجه معارضة يمينية قوية تتعهد بمراقبة كل بند مالي في برنامجها، كما ستضطر إلى إقناع الناخبين بأن وعودها الاجتماعية الطموحة قابلة للتنفيذ دون الإضرار بالاقتصاد أو زيادة العبء الضريبي. وبينما تحتفل أحزاب اليسار ويسار الوسط بإنهاء أطول مفاوضات حكومية في تاريخ البلاد، يبقى السؤال المركزي في كوبنهاغن: هل تستطيع حكومة فريدركسن الجمع بين توسيع دولة الرفاه، وخفض الضرائب، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز الاستثمارات في غرينلاند في الوقت نفسه؟. الإجابة عن هذا السؤال ستحدّد ليس فقط مستقبل الحكومة الجديدة، بل أيضاً شكل السياسة الدنماركية خلال السنوات المقبلة، وخصوصاً مع حصول اليسار على فرصة أوسع للتأثير عليها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية