عيدا المنصور.. وحيدة تروي فاصلاً من الألم في خيام النزوح السوري
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
تجلس عيدا المنصور عند باب خيمتها في مخيم محطة المياه، غربي كفر جالس، غرب إدلب، شمال غربي سورية، كأنها تحرس ما تبقى من عالمين فقدتهما تباعا. في يدها مسبحة أمها التي لا تفارق أصابعها، وخلفها حصير مهترئ وسقف من قماش متعب، لم تعد الحجارة والخيطان قادرة على شده كما ينبغي. حتى الخيطان التي رقعت بها الخيمة تمزقت، وبقيت المرأة وحدها في منطقة جبلية صخرية وعرة، يصعب الوصول إليها كما يصعب الخروج من عزلتها. لا تعرف عيدا عمرها بدقة. تبدو في الخمسينيات، لكن ملامحها تقول أكثر من هذا الرقم. الحزن حاضر في كلماتها كلها، غير أنه يشتد كلما ذكرت أمها، فتختنق الدمعة في عينيها قبل أن تكمل الجملة. تقول لـ"العربي الجديد": "كانت حياتي مع أمي المريضة كأنها جنة. كنت أذهب للعمل مياومة كي أحضر الطعام، وأعود فأجدها بانتظاري، ثم ماتت بعد معاناة طويلة مع المرض". انتهى عالم عيدا أول مرة في مطلع عام 2018، حين نزحت من قرية الحمراء في ريف حماة الشرقي، إثر قصف قوات النظام السابق وسيطرتها على المنطقة. تركت بيتها، المدمر اليوم بالكامل، وأغنامها، وأثاثا كانت تفخر بأنها انتقته بعناية، ونجت مع أمها. تقول: "قبل الحرب كنت أعيش مع أمي في منزلي، وكانت لدي أغنام وأثاث جميل جدا. عند النزوح تركنا كل شيء خلفنا ونجونا بأرواحنا، أما اليوم فلا أملك شيئا". أما النهاية الثانية لعالمها، فكانت قبل نحو عام، حين توفيت أمها في أحد مستشفيات مدينة إدلب بعد صراع مع أمراض الشيخوخة. منذ ذلك اليوم، لم تعد الخيمة مأوى فقيرا فقط، بل صارت شاهدا على وحدة كاملة. تضيف عيدا: "تدمرت حياتي بعد وفاة أمي. أصبحت وحيدة تماما. أصابني التعب، ولم أعد قادرة على العمل. بعد موتها خارت قواي، ولم أعد أستطيع فعل أي شيء". تعيش عيدا في الخيمة نفسها التي تسلمتها من إحدى المنظمات يوم نزوحها قبل تسع سنوات. عاشت فيها مع أمها حتى وفاتها، ثم بقيت فيها وحدها. لا تبدو الخيمة قادرة على حماية نفسها، فكيف بامرأة أنهكها الفقد والفقر؟ تقول: "أخاف أن تقع خيمتي على رأسي. هي مهترئة، حارة في الصيف، باردة جدا في الشتاء، وتتسرب مياه الأمطار إليها من الشقوق، لكنها تسترني، وأنام بداخلها". داخل الخيمة لا شيء يوحي باستقرار حياة. حصيرة قديمة، وسادة منفردة، وبطارية صغيرة تشحنها عيدا بلوح شمسي بسيط لتشغيل ضوء خافت. تقول إن الإضاءة تعطلت مرة ولم تستطع شراء بديل، وإن خزان الماء يبقى فارغا أياما متواصلة. أما أسطوانة الغاز، فحين تفرغ، تتحول إلى كابوس، لأن ثمنها يصل إلى 13 دولارا أميركيا، وهو مبلغ بعيد عن يد امرأة بلا عمل ولا معيل. تعيش عيدا على ما يتيسر من الخبز وقليل من الطعام. ربطة الخبز، التي يبلغ سعرها 40 ليرة سورية، تبدو طعامها الأوضح في يوم طويل. أما اللحم، فتختصر غيابه بجملة قاسية: "لم آكل اللحم منذ سنوات". وتضيف: "وضعي تحت الصفر. لا أستطيع شراء أي شيء. أشتري ربطة الخبز، ولا أستطيع شراء الطعام". لم تكن عيدا عاجزة عن العمل دائما. قبل وفاة أمها، كانت تخرج إلى المياومة في الأعمال الزراعية وما يتاح لها، رغم أن أجرة يوم العمل بالكاد تكفي طعام يوم واحد. لكنها كانت تجد معنى لتعبها في عودة يومية إلى أم تنتظرها. بعد رحيل الأم، فقدت العمل والمعنى معا. تقول: "كأنني مقطوعة من شجرة. لدي أقارب حولي في المخيم، لكن لا أحد يأتي للاطمئنان علي. كل شخص منشغل بهمّه". لا تقول ذلك عتبا فقط، فهي تعرف أن الفقر يضغط على معظم من حولها، لكنها ترى في انهيار العلاقات وجعا آخر. تضيف: "أكثر ما يحزنني هو ما وصلنا إليه من تدهور اجتماعي. لم يعد أحد يسأل عن أحد. الظروف قاسية جدا، حتى الأخ لا يعرف شيئا عن أخته". حول خيمتها يلعب بضعة أطفال من الجيران. أكثر ما يحرجها، كما تقول، أنها لا تملك ما تقدمه لهم، ولا ما تضعه أمام ضيف قد يدخل إليها. تقول عيدا: "أكثر ما يقلقني هو تأمين الطعام لنفسي، لكن الأسوأ أنني لا أستطيع تقديم أي شيء لأطفال المخيم الذين يلعبون حول خيمتي، فأشعر بالخجل". ثم تضيف بعبارة تكشف حاجتها إلى السؤال قبل حاجتها إلى الطعام: "أتمنى أن يدخل أحد إلى خيمتي ويحضر معه ولو كيلو موز، فقط لأشعر بأن هناك من تذكرني". في مخيم محطة المياه تعيش نحو خمسين عائلة. يقول مدير المخيم لـ"العربي الجديد": "معظم أهالي المخيم فقراء، ولا مساعدات تقدم لهم حاليا، لكن عيدا المنصور من أشد الحالات حاجة"، ويوضح أن وعورة المنطقة وغياب فرص العمل وتراجع الدعم الإغاثي تجعل حياة القاطنين في المخيم أكثر قسوة، خصوصا من لا يملكون معيلا. بعد سقوط النظام السابق، لم يتحول الأمل إلى طريق عودة بالنسبة إلى عيدا. بيتها في قرية الحمراء مدمر بالكامل، وهي لا تملك القدرة الجسدية ولا المادية على الوصول إليه أو البدء من جديد. تغيرت البلاد من حولها، لكن خيمتها بقيت في مكانها، وبقي الفقر، واتسعت الوحدة بعد رحيل الأم. تستعيد عيدا آخر كلمات أمها كما لو أنها الشيء الوحيد الذي لم تستطع الحرب انتزاعه منها. تقول إن أمها دعت لها قبل موتها، وإن ذلك الدعاء لا يزال يواسيها. في يدها تبقى المسبحة، وفي ذاكرتها تبقى الأم، أما الخيمة فتبقى معلقة بالحجارة والخيطان الممزقة، تستر امرأة انتهى عالمها مرتين، ولا تزال تجلس عند بابها كمن ينتظر أن يتذكره أحد.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية