حزب جماهير الصراصير: النكات لفهم عالم يزداد غرابة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
من الصعب في البداية معرفة ما إذا كان موقع حزب جماهير الصراصير (Cockroach Janta Party) مشروعاً سياسياً حقيقياً، أو مزحة على الإنترنت، أم حملة ترويج لعملة رقمية ساخرة. والأرجح أنه يحاول أن يكون كل هذا معاً. فالموقع، الذي يحمل اسماً يبدو كأنه خرج من اجتماع سري بين صانعي محتوى ساخر وطلاب علوم سياسية سئموا الحياة، يقدّم نفسه بوصفه حزباً سياسياً للهامشيين والعاطلين ومدمني الإنترنت، تحت شعار غير رسمي يمكن تلخيصه بعبارة: إذا كنتم تعتبروننا صراصير، فلنرَ من سيبقى حيّاً في النهاية. وراء هذا المشهد العبثي يقف الشاب أبهيجيت ديبكي (Abhijeet Dipke)، وهو اختصاصي في الاتصال السياسي يبلغ من العمر 30 عاماً، ويتابع دراسته العليا في العلاقات العامة في جامعة بوسطن الأميركية. جاء إطلاق ديبكي لهذه الحركة ردة فعل على تصريحات أدلى بها رئيس المحكمة العليا الهندية، القاضي سوريا كانت، حين شبّه الشباب العاطلين من العمل والناشطين الرقميين بـ"الصراصير" و"الطفيليات" التي تهاجم النظام والمؤسسات لعدم عثورها على فرص مهنية أو مكانة اجتماعية. هذا الوصف المهين فجّر موجة عارمة من الاستياء، ما دفع ديبكي إلى التقاط اللفظة وتحويلها إلى هوية نضالية ساخرة، معلناً عن تأسيس حزب يمثّل "كل صراصير المجتمع" في مواجهة النخبة الحاكمة المنفصلة عن الواقع الاقتصادي المتردي وأزمة البطالة الخانقة التي يعاني منها الخريجون. يتضح لمن يتصفح الموقع أن المشروع يفهم الإنترنت جيداً. لا وجود للغة البيانات الحزبية الثقيلة، ولا لمحاولات الظهور بمظهر الوقار السياسي. بدلاً من ذلك، هناك سخرية مستمرة من كل شيء تقريباً: السياسيين، والإعلام، وثقافة ريادة الأعمال، وحتى المستخدمين أنفسهم. الحزب يطلب منا، عملياً، أن نكون عاطلين من العمل، غاضبين، متصلين بالإنترنت لمدة 11 ساعة يومياً، وقادرين على التذمر باحتراف. إنها صيغة عضوية تبدو أقرب إلى توصيف مستخدم عادي لمنصة إكس بعد منتصف الليل. رمز الحزب هو الصرصور، الكائن الذي نجا من الكوارث البيئية والأحذية والمبيدات، وربما من معظم الأنظمة السياسية أيضاً. الموقع يتعامل مع الصرصور بوصفه كائناً سياسياً مثالياً: مكروه من الجميع، لكنه لا يختفي أبداً. ومن هنا يبني خطابه بالكامل. الشباب العاطلون، العاملون في اقتصاد التطبيقات، الغارقون في ثقافة الميمات، ليسوا عبئاً اجتماعياً بحسب الموقع، بل "سرباً جديداً من الناجين الرقميين". لكن المزحة تصبح أكثر جدية كلما تقدّمنا في التصفح. فبين النكات والتصميم الفوضوي المقصود، تظهر قائمة مطالب سياسية حقيقية نسبياً: منع تعيين القضاة في المناصب السياسية بعد التقاعد، والتحقيق مع إعلاميين موالين للحكومة، وتفكيك الاحتكارات الإعلامية المرتبطة برجال الأعمال الكبار في الهند. فجأة، يتضح أن المشروع يستخدم السخرية وسيلةً للحديث عن السياسة بحرية. الموقع يتحرك أيضاً داخل عالم العملات المشفّرة. هناك عملة رقمية تحمل اسم الحزب، موصوفة بأنها "ميم للمستحيل سحقه". والمثير أن المشروع لا يحاول إقناع الزائر بالاستثمار بقدر ما يحاول تحويل العملة نفسها إلى نكتة جماعية قابلة للتداول. كأن الفكرة كلها تقول: إذا كانت السياسة تتحول إلى عرض رقمي، فلماذا لا تتحول الميمات أيضاً إلى أحزاب؟ الأكثر طرافة أن الموقع يتعامل مع الإحباط الجماعي بوصفه هوية ثقافية كاملة. لا أحد هنا يحاول إنقاذ العالم، أو بناء يوتوبيا جديدة، أو حتى الادعاء بامتلاك حلول. كل ما يفعله حزب الصراصير هو تحويل الخيبة إلى محتوى، والقلق الاقتصادي إلى شعار، والإفراط في استخدام الإنترنت إلى شكل من أشكال الانتماء السياسي. في هذا السياق، تقول صحيفة ذا غارديان إن الصعود المتفجر لحزب جماهير الصراصير يعكس الغضب العارم الذي يجتاح جيل الشباب في الهند، الذين يعانون من تفاقم أزمة البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتكرار فضائح تسريب امتحانات الوظائف الحكومية التي عطّلت مسارات التوظيف. وأضافت الصحيفة أن هذه الحركة الساخرة لم تعد حبيسة الشاشات، بل بدأت تتدفق تدريجياً نحو الشوارع، إذ شوهد متطوعون شبان يرتدون مجسمات الصراصير في احتجاجات ميدانية ومبادرات مجتمعية، ما يبرهن على أن الكوميديا السوداء والميمز باتت أداة للمقاومة السلمية القادرة على تغيير المشهد السياسي التقليدي والتعبير عن الاغتراب السياسي المعاصر. ووضحت "بي بي سي" أن ديبكي استعان بأدوات الذكاء الاصطناعي لتصميم موقع الحزب وصياغة بيانه "الهزلي الجاد"، محولاً الهجوم القضائي ضدهم إلى قوة دفع مكنت الحسابات الرسمية للحركة من حصد ملايين المتابعين في أيام معدودة، متفوقة على الأحزاب التقليدية الكبرى.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية