عربي
عند الحديث عن الأغنية السورية يحضُر إلى أذهاننا على الفور المُلحّن عبد الفتاح سكر، الذي حمل لقب "أبو الأغنية الشعبية"، وقدّم أفضل نموذجٍ عن الأغنية السورية المعاصرة.
وُلد في دمشق في عام 1930، وظهر عشقه الموسيقى منذ طفولته، فبدأ تعلّم العزف على عود والده، وكان يحضر السهرات الفنية التي تُقام في بيت عائلته، قبل أن تبرز موهبته الغنائية خلال غنائه في الحفلات المدرسية. وكانت انطلاقته الفنية الحقيقية في عام 1946، عندما سافر إلى الأردن للعمل في التجارة، حيث التقى مصادفةً المطرب مصطفى المُحتسب، الذي كان يعمل مغنياً في إذاعة القدس، فنصحه بالتقدم إلى الإذاعة. وبعدما نجح في اختبار لجنة تقييم الأصوات، تم تعيينه مغنياً فيها، ليستمر لمدة عامين قبل أن يعود إلى دمشق مع وقوع النكبة عام 1948، ليبدأ العمل مغنياً، ومن ثم رئيساً لفرقة الكورس في إذاعة دمشق.
بدايته في التلحين كانت مع أغنية "غنّيلي يا بُلبل" للمطربة كروان، حيث لحّنها خلال عمله في الإذاعة بطلب من رئيس دائرة الموسيقى شفيق شبيب، وقد شكّلت الأغنية منعطفاً فنياً هاماً في مسيرته بعدما حققت انتشاراً جيداً. ثم لحّن في 1952 موسيقى وأغاني المسلسل الإذاعي "السندباد البحري"، وهو من بطولة الفنان حكمت محسن.
تفرّغ في منتصف الخمسينيات للتلحين، ليقدّم، طوال نصف قرن، مئات الألحان الخالدة التي خلقت مدرسة تجديدية متفرّدة بأسلوبيتها الموسيقية، جمعت الطرب والحيوية والفرح، وزاوجت بين الروح الشعبية والصنعة الموسيقية المبتكرة، وأضافت الكثير من الأنماط اللحنية التي امتازت بتراكيبها الأصيلة والمكثفة، وبتنوعها المقامي والإيقاعي، الذي دمج بين ثقافات موسيقية متعددة من مختلف البيئات السورية، ليصنع بذلك أغنية سورية رائدة أبهرت الجمهور العادي والمتخصص بالموسيقى على حد سواء، في وقتٍ كان فيه كثير من الملحنين السوريين يصنعون الأغنية الأقرب إلى النمط المصري أو اللبناني.
بداية الثمانينيات، شكّل تعاون سكر مع المغنّي فؤاد غازي ولادة أغنية سورية جديدة تركت أثراً جماهيرياً كبيراً في تلك المرحلة
تعاون سكر، في مسيرته الفنية، مع معظم مطربي سورية، وساهم في اكتشاف كثيرين منهم وصناعة نجومية بعضهم، وكان يعطي لكل صوت لوناً غنائياً خاصاً، ويُهندس اللحن على مقاسه، ليصنع معه تجربة غنائية متفرّدة. وخير مثالٍ على ذلك اكتشافه للمطرب فهد بلان، الذي شكّل معه واحدة من أهم الثنائيات التي تركت بصمتها في الفن العربي، وأسست مدرسة غنائية نهضت بواقع الأغنية الشعبية السورية، وذاع صداها في مختلف أنحاء الوطن العربي.
اكتشافه لبلان كان في مطلع الستينيات، عندما سمعه يغني في كورس الإذاعة، وكانت أولى الأغنيات التي لحنها له: "لركب حدك يالموتور"، ثم تبعتها مجموعة من الأغاني الخالدة التي وضعت اسم بلان بين كبار مطربي العالم العربي، وما زالت محفورة في الذاكرة الجمعية السورية والعربية حتى يومنا هذا، ومن بينها: "جسّ الطبيب"، "واشرح لها"، "يا ساحر العينين"، "تحت التفاحة"، "يا سالمة"، "ألفين سلام"، "يا عين لا تدمعي"، "مهما تعلي يا بلح"، "يا بنات المكلا"، "الرمش المكحول"، "ألفين سلام"، "من قليبي وعينيا"، والأغنية الوطنية "ويلك يلي تعادينا"، التي لُحّنت عقب نكسة حزيران/ يونيو.
وفي بدايات السبعينيات لحّن سكر للمطرب موفق بهجت مجموعة من الأغاني التي حققت له شهرة كبيرة، وكانت بمثابة بوابة عبورٍ له إلى مصر، ومن أشهرها: "يا صبحة هاتي الصينية"، "بابوري رايح رايح" و"تاع جاي حبيبي". كما ساهم سكر، في المرحلة ذاتها، في صناعة شهرة المطرب الشعبي ذياب مشهور من خلال تلحين عدد من الأغاني التي قدّمته للناس بطريقة فنية محببة ومميزة، ومنها الأغنيتان الشهيرتان "عالمايا عالمايا" و"يا بوردين"، اللتان أصبحتا من أبرز الأغاني الشعبية في سورية، ويعتقد كثيرون أنهما من التراث الفراتي.
وفي بداية الثمانينيات، شكّل تعاون سكر مع المغنّي فؤاد غازي ولادة أغنية سورية جديدة تركت أثراً جماهيرياً كبيراً في تلك المرحلة، وشكّلت مرجعية فنية لكثير من الملحنين والمطربين، ومن أشهرها: "لزرعلك بستان ورود"، "ما ودعوني"، "لا بالله يا أهل الدار"، "جدولاتك مجنونة"، "بعدك يا هوانا" و"يا معاملنا دوري".
ولم يقتصر إبداع سكر على اكتشاف المواهب وصناعة النجوم، بل لحّن لعدد كبير من مطربي سورية خلال مراحل مختلفة من حياته الفنية، ومن أبرزهم: مها الجابري، مصطفى نصري، مروان حسام الدين، معن دندشي، فتاة الفيحاء، ياسين محمود، سمير سمرة وغيرهم، كما لحّن لعددٍ من مطربي لبنان، ومن أبرز ما لحّنه: "يا ريتني طير" لنور الهدى، "يا حبيبي ألف مرة قلتلك"، "شدو البلابل عالغصون" لطروب، "يا يمامة روحي للمحبوب" وأغنية "يا نخيلة آه يا نخيلة" لهيام يونس، وقد حقق لحن تلك الأغنية شهرة عالمية، بعدما أخذته فرقة "Boney M" الألمانية، وغنته تحت عنوان "Ma Baker"، كما غنّى المطرب صابر الرباعي على اللحن ذاته أغنيته الشهيرة "الله الله يا بابا".
ترك سكّر لنا مئات الألحان الخالدة التي ما زالت تعيش في ذاكرتنا وقلوبنا، بعدما تحولت إلى تراث غني فريد
إلى جانب هذا، لحّن سكر أغنية "الهوى الأول يا شمالية" للمغني الجزائري رابح درياسة، كما لحّن لعدد من مطربي مصر، ومن أبرز ما لحّنه: "حبيبي زمانه عاد" لهدى سلطان، "يا ليلة بيضا" لمحمد رشدي، "هذا هو اليوم المشهود" لهيام عبد العزيز (لحنها خلال الوحدة بين سورية ومصر)، وأغنية "بتاخذني الأيام" للمطرب محمد عبد المطلب، والتي يعتقد كثيرون أن ملحنها مصري، وتُعتبر من أجمل الأغاني الخالدة التي تحكي عن دمشق، وقد استخدمها الموسيقار طارق الناصر ضمن شارة مسلسل "على طول الأيام" للراحل حاتم علي.
بالإضافة إلى إرثه من الألحان الغنائية، ترك سكر بصمة فنية رائدة في الدراما السورية، وكان من أوائل مؤلفي الموسيقى التصويرية للأعمال التلفزيونية الخالدة التي حفرت في ذاكرتنا. ومن أبرز ما قدّمه: تأليف الموسيقى التصويرية للمسلسل الشهير "صح النوم" (عام 1972)، تأليف موسيقى مسلسل "ملح وسكر" (1973)، وتلحين عدد من أغانيه التي تحولت إلى أغان شعبية، ومنها: "يامو يا ست الحبايب" غناء دريد لحام، "عالمايا" و"يا بوردين" غناء ذياب مشهور، "طيرت العصفور" و"تك تك تك" غناء طروب، وتأليف الموسيقى التصويرية لمسلسل "وين الغلط" (1979)، وتأليف موسيقى مسلسل "وادي المسك" (1982)، وتلحين أغانيه. هذا بالإضافة إلى تأليف موسيقى وأغاني المسرحية الشهيرة "ضيعة تشرين" (1974)، وغير ذلك من الأعمال المسرحية والإذاعية والتلفزيونية.
توفي سكر في 20 ديسمبر/ كانون الأول عام 2008 عن 78 عاماً، تاركاً لنا مئات الألحان الخالدة التي تعيش في ذاكرتنا وقلوبنا، بعدما تحولت إلى تراث غني فريد، ننهل من جماله ونتغنى به جيلاً بعد جيل.

أخبار ذات صلة.
توجيه الاتهام لرجل شن هجوماً بسكين في بلفاست
الشرق الأوسط
منذ 12 دقيقة