عربي
يفيض الفضاء الرقمي السوري بظاهرة مقلقة تتجاوز في خطورتها مجرّد اختلاف في الرأي السياسي، لتستقر في زاوية مظلمة عنوانها "النزعة العنصرية" والخطاب الإقصائي المعمم، وهو خطابٌ يجد ضالته اليوم في تعليقات (ومنشورات) جيل من الشباب السوري الذي تشكّل وعيه في أتون العقد ونصف العقد الأخير، في بيئة مليئة بالصدوع والانقطاعات العنيفة. نشهد اليوم، على نحو غير مسبوق، حالة من "التخوين الممنهج" وعدم قبول الآخر، وصلت إلى حد إطلاق أحكام قيمية تطاول مجموعات بشرية كاملة، بقضها وقضيضها، من دون تمييز أو مساءلة، ولعل الحملة التي استهدفت أخيراً الفلسطينيين السوريين، بدعوى تأييدهم النظام، ليست إلا تعبيراً فجّاً عن حالة التيه التي يعيشها هذا الجيل واضطرابه القيمي.
لفهم جذور هذه الظاهرة، لا بدّ من تشريح نفسي واجتماعي عميقين لهؤلاء الشباب الذين تتراوح أعمارهم اليوم بين العشرين والثلاثين عاماً، فمن كان طفلاً في الخامسة عند اندلاع الثورة السورية عام 2011 هو اليوم شاب في العشرين، ومن كان يافعاً في الخامسة عشرة صار اليوم في الثلاثين، أي أننا أمام جيل تشكّل وعيه بالكامل داخل الأزمة لا خارجها، وشرب ظروفها الاستثنائية مع الحليب.
تعرّض السوري في تلك البلدان لحملات تنمر وإذلال يومية في الشوارع وفي وسائل الإعلام الرسمية والبديلة، حيث جرى تصويره عبئاً دائماً
لم ينشأ هذا الجيل في سورية التي نعرفها بتركيبتها الفسيفسائية وتعددها الطبيعي، بل نشأ وترعرع في بيئات معزولة قسراً، إما في المخيمات التي تفتقر إلى أبسط مقومات الاندماج والاستقرار، أو في المنافي ودول اللجوء التي مارست بحقهم ضغوطاً وجودية هائلة أعادت تشكيل علاقتهم بالهوية والانتماء، أو في بيئات وأحياء تتلقى سيلاً مستمرّاً من الضخ الإعلامي المزيف.
يتطلّب فهم سيكولوجية هذا الجيل الإقرار بأنهم ضحايا عملية "قولبة اجتماعية" كبرى، اضطرّتهم إليها ظروف موضوعية، فهم لم يتعرّفوا على "السوري الآخر" إلا من شاشات الهواتف أو في سياقات الصراع المحتدم، حيث تسود الصور النمطية والانطباعات الحادة، ما أوجد لديهم حالة من الانغلاق الذهني أنتجت ثنائية "نحن وهم". في المخيمات والمجتمعات المغلقة المهدّدة بالترحيل، تضخّمت "الأنا الوطنية" نوعاً من التعويض المعنوي عن واقع مرير، حيث يجري تصوير الجماعة التي ينتمي إليها الشاب بأنها وحدها حاملة لواء المظلومية والحقيقة، بينما الآخرون هم أعداء أو متخاذلون في سردية مبسطة للغاية.
ويزداد الأمر فداحة، حين ندرك أن هذا الجيل تعرّض في بعض دول الجوار السوري لأشكال قاسية وممنهجة من الاضطهاد والعنصرية التي لم تكتفِ بالتمييز القانوني أو الاقتصادي، بل وصلت إلى حد الملاحقة على "الهوية السورية" بحد ذاتها وتحويلها إلى وصمة جاهزة.
في تلك البلاد، طُلب من السوري ألّا يبتسم في الأماكن العامة، لأن ابتسامة اللاجئ عند مواطني ذلك البلد سوف تعني أنه سعيد، وهذا يكسر الصورة النمطية للاجئ في وعي ذلك المواطن المشبع بخطاب عنصري ليل نهار، في مؤشّر على مدى التحكّم حتى بأبسط تعبيرات الإنسان. وكان مطلوباً من السوري أن يتنصل من سوريّته أو يمثل أنه مواطن من ذلك البلد ليتجنب الإهانة في وسائل المواصلات العامة، في صراع يومي مع ذاته.
تعرّض السوري في تلك البلدان لحملات تنمر وإذلال يومية في الشوارع وفي وسائل الإعلام الرسمية والبديلة، حيث جرى تصويره عبئاً دائماً. وكان مجرد حمل جهاز جوال حديث سبباً في حملة إعلامية تصل أصداؤها إلى آخر قرية في بلد مترامي الأطراف، وقد تظهر فتاة وهي تبكي وتقول: هذا السوري معه موبايل من العلامة كذا وأنا ابنة هذا البلد لا أستطيع أن أحمل مثله، ليتضح أن حامل الموبايل الحديث من إحدى دول الخليج العربية، في مثال صارخ على صناعة الغضب عبر التضليل.
ولّدت أمثلة من هذا الاضطهاد الذي مورس ضد السوريين لدى الشباب منهم حالة من الغليان الداخلي وردّة الفعل العنيفة التي تبحث عن "مصب" لتفريغ هذه الشحنات العدائية، بوصفها طاقة مكبوتة. وبدلاً من فهم آليات حملاتٍ كانت تطاولهم، ووضعها في ظرفها السياسي الذي أخضع قضيتهم الإنسانية لمنطق المنافسة السياسية بين هذا الحزب وذاك، تجد أنهم قد تحولوا إلى "الداخل السوري" المتعدد ليمارسوا نوعاً من "عنصرية عكسية" أو ما يمكن تسميته "انتقام الضحية".
لا يُنجز بناء سورية بعد الخلاص من نظام الأسدين المجرم بخطاب الكراهية، أو باحتكار الوطنية، والوطنية ليست "صك غفران" يُمنح لمن عانى
الأنا المتضخمة، أو المتعالية التي نراها في منصات التواصل هذه الأيام هي في الحقيقة "أنا جريحة" تسعى إلى استعادة اعتبارها المهدور عبر سحق الآخرين معنوياً. الشاب الذي شُتم في دول اللجوء لمجرّد أنه سوري يذهب اليوم ليخوّن الفلسطيني السوري الذي يعيش معه في الخندق نفسه منذ عقود، متجاهلاً أن هذا الفلسطيني هو ابن هذه الأرض بذاكرته وهويته ودمائه التي اختلطت بترابها منذ 80 عاماً.
ليس السبب هنا عنصرية متأصلة، بل إن هذا الجيل يفتقر إلى الذاكرة الجمعية التي عاشها السوري قبل 2011، وكانت ترى الفلسطيني السوري سوريّاً بالممارسة والولاء والوجود، وليس مجرّد لاجئ عابر أو تابع لسلطة سياسية بعيدة في رام الله، وهو ما يعكس انقطاعاً في نقل الخبرة التاريخية.
سوء الفهم المشوه الذي يختزل الفلسطيني في مواقف سياسية لبعض التجمعات أو الفصائل الفلسطينية خارج سورية، أو يسقط عليه تهمة الولاء للنظام بشكل جماعي، هو نتاج مباشر لغياب التعليم والاندماج والمعايشة اليومية، ولتغوّل المعرفة السطحية السريعة.
وبالعنفوان نفسه، يندفع هذا الجيل كـ"ثور هائج" لمهاجمة المكونات السورية الأخرى، فتارة يُتهم الدمشقيون بالخذلان، وتارة يُهاجم الحلبيون بدعوى عدم الانخراط بالثورة، وتصبح المنطقة معياراً وحيداً للوطنية في اختزال خطير. هذا التفتيت للمجتمع هو الكارثة الحقيقية، لأنها تحول الثورة التي اندلعت في آذار عام 2011 من مشروع لبناء دولة المواطنة إلى صراع هويات ضيق. وللأسف الشديد، هذا ما تقوم به بعض المنصات الرقمية، ويعدّ جريمة كاملة الأوصاف، لأنها تستثمر في "خزّان الكراهية" لدى شباب لم يختبروا معنى التعددية بسبب همجية ووحشية النظام المخلوع، وتحول الغضب إلى مادة تفاعل. هؤلاء الشباب الذين عاشوا سنوات تكوينهم في ظل "المحن" لم يتعلموا كيف يتقبلون الاختلاف، بل تعلموا أن البقاء للأقوى أو للأكثر صراخاً وتخويناً. فالحالة النفسية التي تسيطر على هؤلاء تعبر عن رغبة في الانتقام من كل شيء ومن أي أحد، كتعويض عن سنوات الحرمان والمهانة في بلاد اللجوء.
هذه الظاهرة ينبغي ألا تُترك للمصادفة أو التجاهل. ينبغي أن تُدرس بعمق بوصفها ظاهرة اجتماعية ونفسية ناتجة عن صدمة جماعية، تراكمت عبر سنوات، ومعالجتها لا تبدأ بالهجوم المضاد، بل بمحاولة إعادة بناء الجسور المعرفية. فعلينا أن نشرح لهذا الجيل أن سورية التي يسعون لاستعادتها لا يمكن أن تقوم على أنقاض مكوناتها، وأن "الفلسطيني السوري" جزء أصيل من تاريخ هذا البلد، والده وجده وُلدا فيها، وتكوّنت ذاكرتهما في حاراتها.
الدمشقي والحلبي والعلوي والمسيحي والدرزي والإسماعيلي والكردي مكوّنات أصيلة في هذا البلد، وإن تجاهل هذه الحقائق والإصرار على لغة "التخوين المعمّم" لن يؤدّي إلا إلى إيجاد مجتمع من "المنبوذين" الذين يحاربون بعضهم بعضاً في فضاء افتراضي، بينما يزداد الواقع قتامة واتّساعاً للفجوة بينهم.
لا يُنجز بناء سورية بعد الخلاص من نظام الأسدين المجرم بخطاب الكراهية، أو باحتكار الوطنية، والوطنية ليست "صك غفران" يُمنح لمن عانى، خصوصاً إذا جرى تعريف المعاناة وفق شروط ومعايير محدّدة تقصي الآخرين. ولا شك في أن معظم السوريين الذين اضطرّوا للجوء في بعض الدول عانوا من الاضطهاد القاسي والبشع، وبدلاً من أن يتحوّل هذا الاضطهاد إلى عقدة تنذر بتفجير سورية، ينبغي أن يكون درساً في قيمة الكرامة الإنسانية ومعنى العدالة.
سورية تعيش اليوم حالة من "انفلات أخلاقي ورقمي" يهدّد النسيج الاجتماعي السوري في مقتل، وما لم يتم الالتفات إلى الجذور النفسية لهذه "الأنا المتضخمة" ومعالجتها عبر خطاب عقلاني يعيد الاعتبار لتاريخ السوريين المشترك، ويعيد ترميم الثقة بينهم، فإننا سنكون أمام غابة رقمية لا مكان فيها إلا للأحقاد.

أخبار ذات صلة.
انقسام إسرائيلي حول اتفاق ترمب مع طهران
الشرق الأوسط
منذ 9 دقائق