عربي
فاض النهر. هذا أمر يحصل أحياناً، وهذه عادة الأنهار منذ الأزل، تجفّ وتفيض، تختفي وتعود، فللنهر ذاكرته، وحين يمرّ في أرض يترك علامته عليها إلى الأبد، وله أن يعود للمرور فيها متى شاء، المشكلة ليست فيه، وحتى ليست في تركيا (خطايا تركية النهرية ليست هذه بل أفدح منها وهي مستمرّة منذ عقود) ولا في أهل دير الزور الذين بنوا بيوتاً في سرير النهر.
ليس النهر (أي نهر) قناة صمّاء تنقل الماء من مكان إلى مكان، النهر أعقد من هذا بكثير، هو بيئة طبيعية كاملة، تلخّص دورات الكوكب، ولو استمرّ المطر بمعدلات عالية سنتين إضافيتين، فستفعل أنهار قديمة كثيرة ما فعله الفرات. سيقطع نهر عائشة طريق دمشق درعا، وسيقطع نهر العقرباني طريق المطار، ونهر النبك سيقطع الأوتوستراد الدولي. المسافر على أي طريق في سورية، سيرى علاماتٍ على الصخور تخبره أن نهراً كبيراً مرّ من هنا. توضع الحصى والتراب سيحذّر أي عين خبيرة من أن النهر قد يعود إلى هنا يوماً.
وادي الربوة بكامله كان نهراً، سوق الصالحية في وسط دمشق كان يعبره نهر، وحتى مطلع القرن العشرين كان فيه جسر يعوم تحته البط، وينتقل الناس عليه من ضفةٍ إلى ضفة، جسر فيكتوريا والمنشآت المجاورة له بنيت فوق أرض ردمت مجرى نهر.
معظم المدن والقرى، باستثناء الجبلية منها، بنيت وتوسّعت على فرضية أن الخير لن يعود لها، وأن الطبيعة وضعت نقطة على الشكل الحالي للمناخ. ولكن ذاكرة الأغاني والعادات والطقوس، وحتى الأسماء تحتفظ بذاكرة العلاقة "التوكسيك" مع الأنهار العظيمة. ولو استعرضنا القرى والأراضي في الرقّة ودير الزور، لوجدنا أن عشراتٍ منها تحمل أسماءً تعترف بأنها ضيفة على حرم النهر.
الزور هي أراضي الفيض، وفي المحافظتين 22 منطقة تحمل اسمها، أكبرها دير الزور، ومنها زور شمر والسوسة والعشارة والحصان والتبني والبوخاطر والعبا وغيرها. والغويران حيث يغور الماء، والمسحلب حيث يستوي المجرى وينساب الماء، والجرف حيث تنكسر اليابسة تحته، والدحل حيث تكثر التجاويف في القاع والضفتين، والحويجة بقعة اليابسة المحاطة بالماء، وفيها أيضاً 15 حويجة أشهرها حويجة صكر، وكاطع وحطلة وكشيش، والبوسرايا وكديران والشعيطات و...
وبالقياس نفسه، كم فيضة؟ وكم سبخة؟ وكم غدير؟ وكم غمر ومغمورة؟ كم كسرة (حيث ينحرف النهر) ومسلوب (حيث ينخفض القاع فيسلب الماء ويجعل انحداره سريعاً)؟ مناطق الخمّار والخشّام والزل سميت على أسماء نباتات لا تنبت إلا على ضفة النهر، وهي من أنواع البردي والقصب.
إذاً، ما فعله أهل الدير اليوم فعلوه كثيراً من قبل، مثل كل الناس الذين يسكنون بجوار الأنهار، يقتربون من الماء بأقصى ما يسمح به هذا الماء. وفي سنوات الخير، يدفعون ثمنه بيوتاً وأرواحاً ومحاصيل.
محنة أهل الفرات اليوم متعلقة بالإدارة، فالهندسة تعرّف نفسها بأنها علم تطويع الطبيعة. ما يجري في حوض الفرات شأن من شؤون الطبيعة، وسورية تملك آلافاً تعلّموا تطويع الطبيعة في جامعاتها ومؤسّساتها وفي جامعات العالم ومؤسّساته، والمشكلة اليوم أن من يديرونها لا يكترثون إن كان هذا المهندس مختصاً بالهيدروليك أو الجيوتكنيك أو الهيدرولوجيا، يهمهم أكثر إن كان درزياً أو علوياً أو سنياً أو قسدياً أو بعثياً. وبالطبع، ومهما كانت درجة إيمانه، فلا يستطيع مسلم أو مسيحي أن يطوّع نهراً.
