الفيل في الغرفة العراقية
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
يقترب المشهد في العراق من حدود السخرية السوداء. فمع إعلانات نزع السلاح وتسليمه وتسلّمه، يخرج بيان من كتائب حزب الله عن استعدادها لشراء هذا السلاح، ومساعدة "الدولة" في عملية النزع والتسليم، في إشارة تهكّمية واضحة، لا إلى أنّها ليست معنية بملفّ نزع السلاح فحسب، بل بعيدة منه بمراحل ضوئية، فهي كيان قائم بذاته، يعيش في مجرّة مستقلّة، خارج النقاشات الدائرة كلّها. سيُنزع السلاح أو لن ينزع، بعيداً من تلك التي تسمّي نفسها "مقاومة". والمفارقة أنّها، رغم ابتعادها عن هذا المشروع، تعتاش، في الوقت نفسه، على الدولة التي تريد نزع السلاح. فالدولة هنا، إن كانت جادّةً في مشروعها، تمرّ بجوار الفيل في الغرفة وتتغاضى عنه، وتحاول إقناع الناس بأنّها لا تراه، أو أنّه غير موجود أصلاً، وربّما تتمنّى من الطرف الأميركي والمجتمع الدولي أن يسايرا هذا الادّعاء وألا يحرجاها أكثر. تفتقر مسرحية نزع السلاح إلى عناصر أساسية، فمَن هي الجهة المحايدة القادرة على الرصد والإحصاء وتقدير حجم الترسانة التي تمتلكها الفصائل المسلّحة الراغبة في تسليم السلاح؟ وما السلاح الذي سيُسلَّم، وما السلاح غير القابل للتسليم أصلاً؟ وما الموقف من أعضاء هذه التنظيمات وقياداتها الذين يعيشون أوضاعاً اعتباريةً وماديةً مميّزةً؟ وإذا كانت الفكرة تقوم على دمج الأفراد في القوات المسلّحة الرسمية، فهل سيُدمجون كياناتٍ داخل جهاز الدولة، كما حصل لمؤسّسة الحشد الشعبي، أم تفكِّك هذه الكيانات نفسها؟ أسئلة كثيرة بلا إجابات، ولا يبدو أنّ لدى المسؤول العراقي الرسمي شهية للإفصاح عنها. ثمّ ماذا عن أولئك الذين أُدمجوا سابقاً في موجات حماسة مشابهة لما يجري اليوم؟ هل اندمجوا فعلاً في مؤسّسات الدولة أم ظلّوا موالين لزعاماتهم المليشياوية؟ وماذا عن السلاح الشخصي والأسلحة الخفيفة، من الكلاشنكوف إلى "M16"، الموجودة في أيدي أفراد المليشيات وحمايات السياسيين ورجال العشائر والمدنيين؟ وماذا عن بعض أفراد الجيش والشرطة الذين يستخدمون السلاح وما يمنحه من نفوذ لخدمة أطراف سياسية ومليشياوية، ويحظون بالحماية من المساءلة بفضل الجهات التي يعملون لمصلحتها؟ هل توجد رؤية واضحة وشاملة لمسألة السلاح برمّتها، أم أنّ الأمر لا يعدو عرضاً إعلامياً يُراد تسويقه بوصفه نقطة تحوّل حقيقية؟ ثمّة من يقول إنّ هذه الخطوة، إن اكتملت، حتى من دون نزع سلاح النجباء والكتائب، تبقى أفضل من لا شيء، وربّما تتبعها خطوات أخرى في المستقبل. وهي، بهذا المعنى، نقطة تُسجَّل لصالح الدولة في مواجهة قوّة المليشيات؛ فكلّما قويت الدولة ازدادت قدرتها على اتخاذ خطوات أكثر جرأة. لكن عن أيّ دولة نتحدّث؟ إذا كان الفاعل السياسي المهيمن فيها غير مؤمن أصلاً بفكرة تفكيك المليشيات، ويمضي في هذه الإجراءات، حتى لو كانت شكلية، بدافع التكيّف مع الضغوط الأميركية لا انطلاقاً من مصلحة وطنية عراقية خالصة. ثمّ ماذا يستفيد العراق من الاستجابة لضغوط خارجية؟ إن كانت الاستجابة تجعل العراق أقرب إلى الصورة التي ترتضيها الولايات المتحدة، فيما لا تمثّل الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، سوى مصالحها الخاصّة، لا المصالح الوطنية العراقية. هي منزعجة من المليشيات لأنّها تستهدف مصالحها في العراق والمنطقة، وتستهدف حلفاءها، ولأنّها تمثّل ذراعاً إيرانية ممدودةً خارج حدود إيران. وإذا كفّت المليشيات العراقية عن أداء هذه الأدوار، فعلى الأرجح سيتراجع الضغط الأميركي عليها. لكن ماذا عن الأدوار الداخلية للمليشيات؟ ماذا عن أنّها الذراع الضاربة لمنظومة الأحزاب الإسلامية الحاكمة؟ ذراع تعمل في الداخل، وتتبادل المنافع والأدوار مع هذه الأحزاب، وتشاركها إدارة الدولة بمفاصلها الأمنية والاقتصادية والإعلامية. ماذا عن التدمير الذي يقوم به هذا التحالف لمقوّمات مشروع الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحرّية الإعلام والصحافة، وحقّ التقاضي العادل، وبناء المؤسّسات المستقلّة، وحرّية منظّمات المجتمع المدني، وحرّية النشاط الاقتصادي، وتجريم الطائفية التي تنفث سمومها يومياً عبر وسائل الإعلام الرسمية ومنصّات التواصل الاجتماعي؟ على الأرجح أنّ هذا لا يشغل الولايات المتحدة، ولا يُعدّ من أولوياتها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية