من النضال الوطني إلى بناء المؤسسات.. قراءة في إرث الراحل “أنيس حسن يحيى”
أهلي
منذ 40 دقيقة
مشاركة

قراءة خاصة أعدها لـ”يمن ديلي نيوز” خليل الزكري: مع رحيل أنيس حسن يحيى في العاصمة المصرية القاهرة مساء 31 مايو/أيار 2026، طويت صفحة من جيل سياسي ارتبط بأهم التحولات التي شهدها اليمن خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

تتجاوز أهمية أنيس حسن يحيى المناصب التي تقلدها، فالرجل ترك وراءه نموذجاً سياسياً وفكرياً نادراً في التجربة اليمنية الحديثة.

ينتمي أنيس إلى جيل حمل مشروعاً كاملاً لبناء الدولة الحديثة في اليمن. وكان واحداً من قادة الحركة الوطنية الذين انتقلوا من ساحات النضال ضد الاستعمار البريطاني إلى مواقع القرار، ومن النقاشات الفكرية داخل الأحزاب إلى إدارة مؤسسات الدولة.

في هذا الانتقال الطويل تشكلت شخصيته السياسية والفكرية، حتى أصبح اسمه مرتبطا بفكرة المؤسسة أكثر من ارتباطه بأي موقع رسمي شغله.

وفي بلد كثيراً ما طغت فيه الولاءات الضيقة والعلاقات الشخصية على قواعد الإدارة الحديثة، بدا أنيس حسن يحيى أقرب إلى رجل دولة بالمعنى المؤسسي للكلمة.

تعامل مع السياسة باعتبارها شأنا عاما تحكمه القواعد، وتعامل مع الدولة باعتبارها إطاراً جامعاً للمجتمع ومصالحه المتنوعة. وصاحبت هذه السمة مسيرته منذ سنواتها الأولى.

ولادته ونشأته

ولد أنيس حسن يحيى في مدينة عدن يوم 20 ديسمبر/كانون الأول 1934، في بيئة شعبية بسيطة كان والده يعمل فيها بصيد الأسماك.

وكانت عدن آنذاك مدينة مفتوحة على تيارات ثقافية وتعليمية متعددة، الأمر الذي ترك أثره المبكر في وعي جيل كامل من أبنائها.

تلقى تعليمه الأولي في كتاتيب المدينة، ثم انتقل إلى المدارس النظامية التي شهدت حضور معلمين من خلفيات ثقافية مختلفة.

وخلال تلك السنوات تشكلت لديه علاقة مبكرة بالمعرفة والقراءة، واتسعت اهتماماته لتشمل النشاط الرياضي والثقافي إلى جانب الدراسة.

حفظ رفاقه من تلك المرحلة صورة شاب شديد الانضباط، واسع الاطلاع، يميل إلى النقاش أكثر من الخطابة، ويولي المعرفة أهمية خاصة في تكوين المواقف السياسية.

لذلك جاءت تجربته اللاحقة امتداداً طبيعياً لمسار بدأ مبكراً مع الكتاب قبل أن يمر بالحزب والدولة.

حين غادر إلى مصر عام 1959 للدراسة في كلية التجارة بجامعة القاهرة، كانت المنطقة العربية تعيش مخاضاً سياسياً وفكرياً واسعاً.

وهناك انفتح على تيارات فكرية متعددة، وتعمقت معرفته بالاقتصاد والعلوم الاجتماعية، وكرس جانباً كبيراً من وقته للقراءة والبحث.

كانت القاهرة بالنسبة إليه محطة أكاديمية، وفضاء لتشكيل رؤية أوسع للعالم.

وفي أروقة الجامعة والمنتديات الفكرية انخرط في نقاشات القومية العربية والاشتراكية وقضايا التحرر الوطني، وهي موضوعات سترافقه طوال حياته السياسية.

وعندما عاد إلى عدن مطلع الستينيات، عاد حاملاً رؤية سياسية أخذت تتبلور حول سؤال ظل ملازماً له حتى سنواته الأخيرة: كيف يمكن تحويل فكرة الدولة من شعار سياسي إلى مؤسسة قادرة على تنظيم حياة المجتمع؟

من هذا السؤال بدأت رحلته الطويلة في العمل الوطني. وانخرط في صفوف الحركة الوطنية اليمنية خلال مرحلة اشتدت فيها المواجهة مع الاستعمار البريطاني، وشارك في النشاط النقابي والسياسي الذي شهدته عدن آنذاك.

ومع مرور الوقت أصبح من الأسماء المعروفة داخل أوساط الحركة القومية واليسارية في جنوب اليمن.

سمة خاصة

غير أن حضوره اكتسب سمة خاصة، وكان من القلائل الذين جمعوا بين الاهتمام بالفكر والانشغال بالإدارة العامة.

ولهذا ارتبط اسمه لاحقا بمشروعات بناء المؤسسات الاقتصادية والإدارية أكثر من ارتباطه بالصراعات الحزبية اليومية.

وعندما تولى مسؤوليات حكومية متعاقبة في مجالات الاقتصاد والصناعة والمواصلات والثروة السمكية، تعامل مع تلك المواقع من زاوية مختلفة.

كان يرى أن نجاح التجربة الوطنية يرتبط بقدرة الدولة على بناء أجهزة فعالة وإدارة الموارد العامة بكفاءة.

لذلك انشغل بقضايا التخطيط والتنمية والإدارة، وترك بصمات واضحة في عدد من الوحدات التي شارك في تأسيسها أو تطويرها.

ومع تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني عام 1978، كان أنيس حسن يحيى من الشخصيات التي أسهمت في تأسيس الحزب، ولعبت دوراً مهماً في تقريب التيارات اليسارية المختلفة داخل إطار سياسي يمني موحد في زمن التشطير.

وقد ظل عضواً في مكتبه السياسي حتى وفاته، محتفظاً بمكانة خاصة داخل الحزب بوصفه أحد أبرز العقول الفكرية والتنظيمية والقيادات التاريخية فيه.

ومع ذلك، فإن قراءة تجربته من زاوية العمل الحزبي وحدها تبدو قراءة قاصرة.

انشغل أنيس حسن يحيى طوال مسيرته بقضية أكبر من الأحزاب جميعاً، هي قضية الدولة اليمنية ومستقبلها.

ولهذا اكتسب حضوره بعداً يتجاوز حدود التنظيم السياسي الذي انتمى إليه، ليتحول إلى أحد الأصوات المدافعة عن بناء مؤسسات وطنية قادرة على استيعاب التنوع الاجتماعي والسياسي في البلاد.

الوحدة اليمنية

واحتلت قضية الوحدة اليمنية موقعاً مركزياً في فكره، حيث نظر إليها باعتبارها مشروعاً وطنياً يحتاج إلى إدارة رشيدة وضمانات سياسية ومؤسسية تكفل استمراره واستقراره.

وكان يدرك حجم التحديات التي واجهت تجربة الوحدة، وتعامل معها من زاوية إصلاح البنية السياسية للدولة. لذلك طرح مبكراً فكرة الدولة الاتحادية بوصفها صيغة قادرة على استيعاب التنوع ومعالجة الاختلالات التي تراكمت بعد الوحدة.

وفي رؤيته للقضية الجنوبية، دعا إلى حلول تستند إلى التوافق السياسي والشراكة المتكافئة، مع منح الأقاليم صلاحيات واسعة ضمن إطار اتحادي يحقق الاستقرار ويحفظ المصالح المشتركة.

هذا التصور عكس منهجاً سياسياً يميل إلى المعالجة الواقعية للقضايا المعقدة، ويمنح الحوار والتوافق مساحة متقدمة في إدارة الخلافات الوطنية.

حافظ أنيس على قناعته بالحوار السياسي حتى في أكثر المراحل اليمنية توتراً، وتعامل مع الاختلاف بوصفه جزءً من الحياة العامة لا سبباً للإقصاء. وظل مؤمناً بالحوار وسيلة لمعالجة الأزمات، وبالتداول السلمي للسلطة أساسا للاستقرار السياسي.

وخلال العقود التي شهدت صراعات حادة واستقطابات واسعة، حافظ على لغة سياسية متزنة تجمع بين وضوح الموقف واحترام الرأي الآخر.

تمسك بفكرة الدولة المدنية باعتبارها الإطار الأقدر على حماية الحقوق وصون المواطنة المتساوية. وأكسبه هذا النهج احترام خصومه قبل حلفائه، إذ عرف بالهدوء والاتزان والقدرة على إدارة الاختلاف دون انفعال أو خصومة شخصية.

ولم تشغله السياسة وحدها، إذ ظل حاضراً في المجال الفكري، تاركاً عدداً من الاسهامات التي عكست اهتمامه بقضايا الاقتصاد والتاريخ والتنمية.

أعماله الفكرية

يأتي كتابه “تاريخ الفكر الاقتصادي قبل آدم سميث” في مقدمة أعماله الفكرية، حيث قدم فيه قراءة واسعة لتطور الأفكار الاقتصادية عبر العصور، مستنداً إلى منهج بحثي يجمع بين التحليل التاريخي والمعرفة الاقتصادية.

وله غيره العديد من الإصدارات، كما كتب عشرات المقالات والدراسات التي تناولت قضايا الدولة والديمقراطية والتنمية والوحدة الوطنية.

وقد اتسمت كتاباته بوضوح الفكرة والقدرة على الربط بين التحليل النظري ومتطلبات الواقع.

ومن السمات اللافتة في تجربته الفكرية اتساع دائرة اهتماماته الثقافية، حيث كان متابعاً للإنتاج الفكري العالمي، وحريصاً على الاستفادة من التجارب الإنسانية المختلفة، مع احتفاظه بارتباط عميق بقضايا مجتمعه ووطنه.

وكان يرى أن التحدي الأكبر يتمثل في بناء دولة قادرة على إدارة المجتمع وفق قواعد قانونية مستقرة.

وانطلقت رؤيته من قناعة بأن التنمية والديمقراطية والاستقرار ترتبط جميعها بوجود مؤسسات فاعلة، لذلك دعا إلى تحديث الإدارة العامة، وإصلاح التعليم، وتعزيز ثقافة المواطنة، ورفع كفاءة أجهزة الدولة.

كما منح التعليم مكانة خاصة في مشروعه الفكري، باعتباره المدخل الأهم لخلق وعي وطني وتوسيع قاعدة المشاركة المدنية، ودعا إلى تحديث المناهج وإشاعة الثقافة الديمقراطية، لما يمثلانه من استثمار بعيد المدى في مستقبل البلاد.

رحل أنيس حسن يحيى في زمن تتراجع فيه مكانة الدولة والأحزاب والمؤسسات، ويتقدم نفوذ الجماعات والمليشيات المسلحة والهويات الفرعية.

لذلك تبدو سيرته اليوم أكثر من مجرد ذكرى سياسية؛ إنها شهادة على تجربة جيل آمن بأن بناء الدولة مهمة تاريخية تتجاوز الأشخاص والأحزاب، وأن قيمة الأفكار تقاس بقدرتها على التحول إلى مؤسسات تخدم المجتمع وتحمي مستقبله.

ظهرت المقالة من النضال الوطني إلى بناء المؤسسات.. قراءة في إرث الراحل “أنيس حسن يحيى” أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية