يمن ديلي نيوز: نشر عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبدالله العليمي، مدير مكتب الرئيس اليمني الراحل عبدربه منصور هادي شهادة استعرض فيها جانبا مما عرفه عن الرئيس هادي على مدى سبع سنوات من العمل والمعايشة اليومية إلى جانبه.
العليمي تحدث عن أبرز المواقف والقرارات والتحديات التي واجهتها الدولة اليمنية خلال واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ البلاد الحديث.
وقال في مقال نشره على حسابه بمنصة إكس تابعه “يمن ديلي نيوز” إنه رافق الرئيس هادي لنحو 2750 يومًا، وشهد عن قرب الكثير من الأحداث والتحولات السياسية التي مرت بها اليمن، مشيرا إلى أسلوب إدارة الرئيس الراحل للأزمات، ومواقفه من الحرب، والقضية الجنوبية، والعلاقة مع المملكة العربية السعودية، ومخاطر المشروع الحوثي على اليمن والمنطقة.
وتضمنت الشهادة، التي جاءت عقب تشييع ودفن الرئيس هادي، تقييمًا لتجربته السياسية خلال فترة حكمه، مع تأكيد الكاتب أن الحكم على تلك المرحلة ينبغي أن يتم في سياق الظروف الاستثنائية التي أحاطت بها، بعيدًا عن المواقف والانفعالات السياسية.
كما تناولت الشهادة جوانب إنسانية من شخصية الرئيس الراحل، ورؤيته لقضايا الدولة والجمهورية والوحدة الوطنية، إلى جانب إشارات إلى وقائع وأحداث قال العليمي إن جزءًا كبيرًا من تفاصيلها لا يزال غير معروف للرأي العام حتى اليوم.
“يمن ديلي نيوز” ينشر النص الكامل للشهادة:
في وداعة الله… والدي فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي.
بألم بالغ وحزن عميق، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ووري يوم امس الثرى الجثمان الطاهر لفخامة الرئيس عبدربه منصور هادي، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
في هذه اللحظة الفاجعة، تتزاحم الذكريات والمواقف والصور في خاطري على نحو يصعب وصفه. فعلى مدى سبع سنوات كاملة، وما يقارب 2750 يوماً من المعايشة اليومية المباشرة والقريبة، عرفت الرئيس هادي في أدق تفاصيل اللحظات السياسية والإنسانية؛ في ساعات القرارات الصعبة، وفي لحظات القلق والخوف على اليمن والدولة والجمهورية ، وعرفت فيه أيضاً القائد الإنسان ، الهادئ، الصبور، الحكيم، الذي كان يحمل أعباءً أثقل بكثير مما كان يُظهره للناس.
برحيل الرئيس عبدربه منصور هادي، أشعر اليوم أن جزءاً عزيزاً من الذاكرة الوطنية اليمنية قد غادرنا، وأن مرحلة كاملة بكل ما حملته من آلام وتحديات ومنعطفات مصيرية تُطوى برحيل رجل وجد نفسه في قلب واحدة من أعقد الفترات وأكثرها قسوة في تاريخ اليمن الحديث.
لكل قائد وزعيم أنصار وخصوم، ولا تخلو سيرة أي إنسان من مواطن صائبة وأخرى يراها الناس موضع اختلاف أو اجتهاد او اخفاق ، ولم يكن الرئيس المشير عبدربه منصور هادي استثناءً من ذلك ، غير أن الإنصاف يقتضي أن تُقرأ تجربته بإنصاف وتجرد وفي سياقها التاريخي الحقيقي، وفي ضوء الظروف الاستثنائية التي أحاطت بها. فأنت اليوم بين يدي الله، ولم تعد طرفاً في خلاف أو موضع منافسة مع أحد.
لقد عشت قريباً منه قرب الابن من أبيه، والجندي من قائده، والتلميذ من معلمه، وربما أكثر من ذلك. ورأيت فيه من الولاء والصدق الوطني، وصفاء السريرة، وشجاعة الموقف، والبساطة، وتحمل المسؤولية، والحرص على اليمن ووحدته واستقراره، ما لا تتسع الكلمات للإحاطة به في لحظة وداع موجعة كهذه.
ولا أبالغ إذا قلت إن فترة حكمه كاملة وبالأخص منها السنوات الممتدة من 2015 وحتى أبريل 2022، كانت من أصعب وأعقد وأخطر المراحل التي عرفها اليمن في تاريخه الحديث، وهي ذاتها المرحلة التي كنت فيها إلى جواره، شاهداً على كثير من تفاصيلها وأحداثها وقراراتها.
كان كثيرون يرون صمته، لكن قليلين فقط أدركوا ما كان يخفيه ذلك الصمت من ألم وقلق وإحساس عميق بالمسؤولية. لم يكن رجلاً عاشقاً للسلطة ، ولا مولعاً بالصراعات أو الأحقاد أو الانتقام أو صناعة الخصومات، بل كان بطبيعته كارهاً للعنف، مؤمناً بالحوار، حريصاً على الدولة ومؤسساتها، خائفاً على اليمن من الانزلاق إلى الفوضى والحروب والانقسامات – التي خبرها بنفسه وعاش مرارتها في مراحل مختلفة من تاريخ اليمن – ومن أجل ذلك حاور، وصبر، وقدم التنازلات، وضرب بسيف السلم حتى آخر لحظة.
شهدت عن قرب كيف كان يحمل همّ الجمهورية، ويتمسك بالثوابت الوطنية والشرعية الدستورية، ويرى أن الحفاظ على الدولة ومؤسساتها أكبر من أي حسابات شخصية أو سياسية ضيقة. وكان يؤمن أن اليمن لا يمكن أن يستقر بالغلبة أو الإقصاء أو احتكار السلطة والثروة والقوة، بل بالتوافق وبناء دولة يشعر جميع أبنائها أنهم شركاء فيها لا تابعون ولا مهمشون.
وعايشت – أيضاً – وضوح موقفه المبكر من خطر المشروع الحوثي الإيراني على اليمن والمنطقة، وإدراكه العميق أن سقوط صنعاء لم يكن مجرد انقلاب عابر، بل بداية لاختطاف اليمن من محيطه العربي، وما يمثله ذلك من تحول استراتيجي خطير يهدد هوية اليمن العربية والجمهورية وأمن المنطقة بأسرها ، وسيذكر التاريخ أن الرئيس هادي لم يكن يبالغ في تحذيراته المبكرة ، بل كان يقرأ مبكراً ما وصلت إليه المنطقة لاحقاً من خطورة تحويل اليمن إلى منصة تهدد الأمن الإقليمي والممرات الدولية.
كما شهدت قناعته الراسخة بأن القضية الجنوبية قضية عادلة تستحق الإنصاف والمعالجات الجذرية، لا الشعارات والخطابات والمهدئات ، لم يتعامل معها يوماً كملف سياسي فقط، بل كقضية وطنية مفصلية عاش تفاصيلها وأدرك أبعادها ومآلاتها واستحقاقاتها ، ولذلك جعلها اهم القضايا الوطنية ، وشرع في اتخاذ خطوات عملية لمعالجة المظالم والإنصاف ، وآمن بمشروع الدولة الاتحادية والشراكة الوطنية والعدالة، وبالحوار الوطني الشامل باعتباره الطريق الآمن لبناء يمن جديد يتسع لجميع أبنائه.
وفي أحلك اللحظات، ظل مؤمناً بعمق العلاقة التاريخية والاستراتيجية بين اليمن والمملكة العربية السعودية، وكان يرى أن ما يجمع البلدين أكبر من ظرف طارئ أو تحالف مؤقت، بل علاقة مصير وأمن دائم واستقرار مشترك ، و شراكة استراتيجية كاملة لحماية اليمن والمنطقة ومنع انهيار الدولة والحفاظ على الهوية العربية لليمن والمنطقة ، مقدراً مواقفها الأخوية الصادقة مع اليمن وشعبه وشرعيته الدستورية، وهو ما سيسجله التاريخ بأن الرئيس هادي ظل يرى بأن وقوف المملكة العربية السعودية إلى جانب اليمن في واحدة من أصعب محطاته، كان دفاعاً أخوياً صادقاً وقومياً حاسماً عن اليمن والجمهورية والهوية العربية، وليس مجرد دعم سياسي عابر .
لقد عايشنا خلال تلك السنوات أحداثاً وتفاصيل وقرارات ومنعطفات لا يزال كثير منها مجهولاً للرأي العام حتى اليوم. وكانت هناك تحديات ومسؤوليات هائلة وضغوط غير مسبوقة وتفاصيل كثيرة ، وسيأتي الوقت الذي تُروى فيه الوقائع كما حدثت، بعيداً عن الانفعالات والأحكام المتعجلة، ليدرك الناس حجم ما أحاط باليمن من أخطار، وحجم ما تحمله الرجل من أعباء في ظروف استثنائية بالغة التعقيد.
وأقولها بصدق وإنصاف:
قد يختلف الناس في السياسة، وقد تتباين التقييمات والمواقف، لكن التاريخ سيتوقف طويلاً أمام رجل بذل كل ما يستطيع ـ في ظرف استثنائي بالغ القسوة ـ ليمنع سقوط اليمن الكامل ، وليحافظ على الدولة والجمهورية ووحدة المجتمع، وأن يجنب اليمنيين أكبر قدر ممكن من الدماء والانهيار.
لقد تنازل برضاً وتجرد عن السلطة ولم يندم على ذلك ، ولم يتشبث بها او يخطر بباله العودة اليها .
إلى الله أيها الوالد الجليل والقائد الكبير فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي …
غادرتنا اليوم ثابتاً صابراً صادق الولاء، لم تبدل ولم تساوم على قناعاتك الوطنية ، متخففاً من اطماع الدنيا وزينتها، تحفك دعوات صادقة ، وتشاء الأقدار أن يختارك الله إلى جواره في رياض العروبة ونجد المروءات التي ناديتها يوم ان ضاقت الدنيا على اليمن وأهلها ، فكانت خير من لبى نداء اليمن الجريح الذي كنت انت قائده ولسانه.
لقد كان الفقد كبيراً، والارتباك سيد اللحظة ، وبرحيل فخامة الرئيس هادي، فإنني – شخصياً – لا أفقد رئيساً عملت معه فحسب، بل أفقد قائداً وإنساناً ومعلماً وأباً تعلمت منه الصبر والحكمة وتحمل المسؤولية في أصعب الظروف ، وحظيت بثقته ودعمه ورعايته وإرشاده ، وشهدت معه عن قرب لحظات الأمل والانكسار، والتعب والصمود، والنجاح والإخفاق ، والإيمان العميق بأن اليمن، مهما اشتدت عليه المحن، سيظل قادراً على النهوض من جديد.
رحم الله فخامة الرئيس عبدربه منصور هادي رحمة واسعة، وغفر له وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن اليمن واليمنيين خير الجزاء.
وأتقدم بخالص التعازي وعظيم المواساة إلى الوالد العزيز الفريق ناصر منصور هادي ، وإلى إخواني الأعزاء جلال وناصر وياسر أبناء الرئيس ، وإلى كافة أفراد أسرته الكريمة وذويه جميعاً، كما أتقدم بخالص العزاء إلى فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي واخواني اعضاء المجلس، وإلى رفاق وزملاء ومحبي الرئيس الراحل، وإلى أبناء الشعب اليمني كافة في هذا المصاب الجلل ..
كما لا يسعني في هذا المقام إلا أن أعبر عن بالغ الشكر والتقدير والعرفان لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ال سعود ، ولولي عهده رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ، ولصاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز وزير الدفاع ، لما أحاطوا به الرئيس الراحل من رعاية واهتمام واحتضان كريم طوال السنوات الماضية ، في موقف أخوي وإنساني نبيل سيظل محل تقدير وعرفان ووفاء في ذاكرة اليمنيين جميعاً.
وإني لأرجو الله أن يهيئ الفرصة في وقت لاحق لأقول ما يجب أن يُقال عنه وفيه، وأن يسهم كل المنصفين وذوي الوفاء في قراءة تجربته بما تستحقه من عدل وإنصاف .
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
ظهرت المقالة عبدالله العليمي يستعرض جانباً من تجربة الرئيس هادي خلال سبع سنوات قضاها مديراً لمكتبه أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.