عربي
بعض الناس لا يعيشون القلق على شكل خوف واضح، بل على شكل نقص دائم يصعب تفسيره. ليس نقص المال بالضرورة، ولا الفرص، ولا حتى العلاقات أحياناً، نقص ناتج عن الإحساس الخفي بأنّ ما لديهم يمكن أن يختفي في أيّ لحظة. كأنّ الحياة مهما أعطت لا تعطي بالكامل، بل وقد تسحب كلّ شيء.
أُفكّر أحياناً في الطريقة التي يحتفظ بها بعض الناس بالأشياء؛ كتب وصحف رثة، علب قديمة، رسائل لا تُقرأ، ملابس لم تُستخدم منذ سنوات، أشياء احتاجوها ذات يوم لكنها أصبحت عبئاً، أرقام في الحسابات البنكية تتضخّم من دون أن يهدأ القلق فعلاً. ليس الأمر دائماً حبّ امتلاك، بل خوف قديم من الفراغ، خوف من العودة إلى لحظة شعر فيها الإنسان يوماً ما أنّ العالم لا يمنحه ما يكفي من الأمان.
في علم النفس يسمّون هذا أحياناً "عقلية الندرة". لكن التسمية العلمية تبدو باردة مقارنة بما يحدث فعلاً داخل الإنسان. لأنّ المسألة لا تتعلّق بما ينقصنا فحسب، بل بما لم نشعر يوماً أنّنا نستحقه بثبات. الطفل الذي كبر وسط تقلّب عاطفي أو خوف مستمر أو حبّ مشروط لا يتعلّم الحذر فحسب، بل يتعلّم أيضاً أنّ الطمأنينة مؤقّتة، وأنّ الأشياء الجميلة قد تختفي فجأة من دون تفسير.
ليس الأمر دائماً حبّ امتلاك، بل خوف قديم من الفراغ
لهذا يكبر بعض الناس وهم يراقبون الحياة بعين لا تسترخي بالكامل؛ تربّص متواصل ممّا يمكن أن تحمله اللحظة القادمة، ومن خيبات لا تأتي لكنها دائماً حاضرة في الدماغ. حتى النجاح قد يتحوّل إلى شيء يجب حمايته باستمرار، وحتى العلاقات قد تُعاش أحياناً بعقلية الخوف من فقدانها، بدلاً من متعة الثقة بوجودها، كأنّ الإنسان لا يستمتع بما يملكه بقدر ما ينشغل بإمكانية خسارته.
أتذكّر رجلاً خمسينياً عرفته منذ سنوات، كان ناجحاً بصورة يصعب تجاهلها؛ بيت واسع، عمل مستقر، سيارات أمام المنزل لكلّ فرد في الأسرة، احترام واضح من الناس...، ومع ذلك كان يتصرّف أحياناً كما لو أنّ كلّ شيء يمكن أن ينهار غداً. لا تلتقي مشاعره ومخاوفه مع ما يعرفه منطقياً، يحتفظ بأشياء لا يحتاجها، يقلق من مصاريف صغيرة رغم قدرته الكبيرة. ويتوتّر من تغيّرات بسيطة لا تستحق كلّ ذلك القلق. في البداية بدا الأمر تناقضاً غريباً، لكنني فهمته لاحقاً حين عرفت شيئاً عن طفولته؛ سنوات طويلة عاشها في بيت لم يكن فيه الأمان مضموناً، لا مادياً ولا عاطفياً.
الأمان الحقيقي لا يأتي من جمع المزيد، بل من القدرة على العيش من دون ذلك التوتّر المستمر من الخسارة
بعض أشكال الندرة لا تبدأ من الجيب، بل من الداخل، من ذلك الإحساس القديم بأنّ ما نحبّه قد لا يبقى طويلاً. وحين يعيش الإنسان طويلاً بهذا الإحساس، يبدأ العقل في إعادة تنظيم العالم حول فكرة البقاء. يصبح الاحتفاظ أهم من الاستمتاع، والحذر أكثر حضوراً من الراحة نفسها، والتوقّع المستمرّ للخسارة جزءٌ من طريقة العيش نفسها.
لكن أكثر ما يلفتني ليس هذا كلّه، بل اللحظات النادرة التي يتراجع فيها ذلك الخوف قليلاً، كأنّه تعب أخيراً من الحراسة الطويلة.
أتذكّر مرّة أنّني كنت في زيارة لذلك الرجل نفسه بعد سنوات طويلة باعدت بيننا بسبب السفر والانشغال. كنّا نجلس في حديقة منزله في مساء صيفي هادئ. كان حفيده الصغير يركض على العشب وهو يضحك بلا تحفّظ، ثم سقط فجأة على الأرض. التفتُ نحوه تلقائياً، لكن الطفل نهض بسرعة وأكمل ضحكه كأنّ شيئاً لم يحدث. في تلك اللحظة، نظرت إلى الرجل الجالس بجانبي. وجدت شيئاً مختلفاً في وجهه، هادئاً على غير العادة. لم يهبّ مذعوراً، ولم يصرخ، ولم يحاول السيطرة على المشهد كما اعتاد دائماً. فقط ابتسم بصمت، وبقي يراقب الطفل وهو يركض. لا حركه. ابتسمت وأنا أتحرّك نحو الطفل لأحضر له دميته التي كانت قد بعدت بعض الشيء عنه. بعد دقائق، قال صاحبي بهدوء: "أعتقد أنّني بدأت أفهم أخيراً أنّ الخوف ليس هو ما يحفظ الأشياء".
ربما تبدأ الوفرة الحقيقية حين يدرك الإنسان أنّ الحياة ليست على وشك أن تَسحب يدها منه أو تأخذ منه كلّ شيء
كانت جملة بسيطة، لكنها بدت لي لحظة نادرة يرى فيها الإنسان خوفه القديم من دون أن يتركه يقود كلّ شيء.
قد لا نتحرّر بالكامل من شعور الندرة والخوف على ما نملك، خصوصاً حين يكون قد تشكّل مُبكّراً داخلنا. لكنّنا مع الوقت قد نتعلّم شيئاً آخر أكثر هدوءاً؛ أنّ الأمان الحقيقي لا يأتي من جمع المزيد، بل من القدرة على العيش من دون ذلك التوتّر المستمر من الخسارة.
ربما تبدأ الوفرة الحقيقية حين يدرك الإنسان أنّ الحياة ليست على وشك أن تَسحب يدها منه أو تأخذ منه كلّ شيء.