عربي
وسط تصاعد المخاوف العالمية من عسكرة الذكاء الاصطناعي واستعماله في الحروب، خرج الرئيس التنفيذي لشركة ميسترال إيه آي الفرنسية آرثر مينش ليردّ على الانتقادات التي وجهها البابا لاوون الرابع للاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، لافتاً الأنظار إلى شركته التي قدّمت نفسها في البداية بديلاً أوروبياً في مواجهة المنافسة الأميركية والصينية، وتحوّلت تدريجياً للتركيز على العقود العسكرية والحكومية.
وقال آرثر مينش في تصريح للصحافيين، الخميس الماضي، إن أوروبا لا يمكنها تجاهل تطوير خصومها للذكاء الاصطناعي. وأضاف: "نحن جميعاً مع السلام، لكن إذا نظرنا إلى منافسينا وخصومنا في العالم، فسنجد أنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي... طالما أن لدينا خصوماً يهددوننا، وهم يهددوننا بالفعل، فنحن بحاجة إلى امتلاك قدراتنا الخاصة".
كان البابا لاوون الرابع عشر قد أطلق، الاثنين الماضي، في أوّل رسالة عامة له، نداء قويّاً لـ"تجريد الذكاء الاصطناعي من السلاح"، مندّداً بأشكال جديدة من العبودية وراء ازدهار التكنولوجيا، وداعياً إلى تجاوز نظرية "الحرب العادلة" التي تروّج لها الإدارة الأميركية. امتدت هذه الرسالة التي تحمل اسم "الإنسانية الرائعة" على نحو 130 صفحة، وشملت مواضيع متعدّدة مثل البيئة وأزمة النهج القائم على تعدّد الأطراف والاحتكارات الاقتصادية. وتطرّق فيها بابا الفاتيكان إلى مسائل عدّة ذات طابع اجتماعي لمواجهة تحدّيات عصرنا من خلال الدفاع عن كرامة الإنسان في عصر الثورة الرقمية.
وجاء دفاع مؤسس "ميسترال إيه آي" عن استخدام هذه التكنولوجيا في الجوانب العسكرية في وقتٍ تواصل فيه شركته التوسّع في المجالين العسكري والأمني.
نحو تعزيز السيادة الرقمية
مع ظهور برنامج تشات جي بي تي في أواخر العام 2022، بدا أن سباق الذكاء الاصطناعي سيكون حكراً على شركات أميركية مثل "أوبن إيه آي" و"غوغل" و"أنثروبيك". لكن، وفي قلب باريس كانت مجموعة صغيرة من الباحثين الفرنسيين تعمل على بناء نموذج ذكاء اصطناعي أوروبي بهدف منافسة الهيمنة الأميركية، مع التركيز على الشفافية وتعزيز الديمقراطية وبناء النماذج المفتوحة.
في إبريل/ نيسان 2023، تأسّست "ميسترال إيه آي" رسمياً على يد ثلاثة باحثين سابقين في "ميتا" و"غوغل"، هم آرثر مينش وغيوم لامبل وتيموثي لاكروا، واختاروا "ميسترال" التي تشير إلى رياح قوية وباردة تهب في جنوب فرنسا اسماً لشركتهم. خلال أشهر قليلة فقط، استطاعت الشركة جذب استثمارات بمليارات اليوروهات، لتصل قيمتها السوقية في نهاية العام الماضي إلى 11.7 مليار يورو (نحو 14 مليار دولار أميركي)، بحسب صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية. كان توقيع اتفاقية مع "مايكروسوفت"، في فبراير/ شباط 2024، نقطة تحوّل أساسية نقلت "ميسترال إيه آي" من شركة ناشئة إلى إحدى الشركات الأساسية، إذ صارت ثاني شركة تتاح نماذجها التجارية على منصة "آزور إيه آي" بعد "أوبن إيه آي"، كما صار بإمكانها الوصول إلى بنية الحوسبة الضخمة للشركة الأميركية.
لكن صعود "ميسترال إيه آي" لم يكن تقنياً فقط، إذ حظيت أيضاً بدعم من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي رأى فيها مساهماً في مشروع تعزيز السيادة الرقمية الفرنسية والأوروبية، وتطوير بنية تكنولوجية مستقلة تقلّل اعتماد أوروبا على الشركات الأميركية العملاقة وتبعدها في الوقت نفسه عن الهيمنة الصينية. وامتدح ماكرون سابقاً آرثر مينش، ووصفه بأنه "رائد جسّد نموذج النجاح الفرنسي في قطاع الذكاء الاصطناعي"، كما أشاد خلال مؤتمر فيفا تك في يونيو/ حزيران 2025 بتوقيع اتفاقية بين "ميسترال إيه آي" وشركة إنفيديا الأميركية، معتبراً أنّها علامة فارقة في "نضالنا من أجل السيادة والاستقلال الاستراتيجي"، مؤكداً أن بلاده تسعى إلى "امتلاك سحابتها الخاصة، ومراكز بياناتها الخاصة، وقدراتها الحاسوبية الخاصة"، إضافةً إلى "جميع الخدمات والبنية التحتية اللازمة للحفاظ عليها".
"ميسترال إيه آي" تدخل السوق العسكري
بينما كانت "ميسترال إيه آي" تُقدّم نفسها بوصفها مشروعاً أوروبياً هدفه كسر احتكار الشركات الأميركية الكبرى، كانت تتحوّل تدريجياً نحو سوق أكثر حساسية وربحية في آن: الحكومات والمؤسسات السيادية. فبدلاً من الدخول في منافسة مباشرة مع "أوبن إيه آي" على المستخدمين العاديين والتطبيقات الاستهلاكية، ركّزت الشركة الفرنسية على سوق الحكومات والشركات، حيث عملت على تطوير نماذج يمكن تشغيلها داخل البنى التحتية المحلية للدول والشركات الكبرى، مستفيدة من تنامي القلق الأوروبي حيال الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية، سواء في ما يتعلق بحماية البيانات أو السيطرة على البنية الرقمية.
وجاء التحوّل الأبرز للشركة بعدما بدأت التعاون مع المؤسسات العسكرية والأمنية الفرنسية. ففي مارس/ آذار 2025 وقعت اتفاقية مع وزارة القوات المسلحة الفرنسية، تبعتها اتفاقية أخرى في مطلع عام 2026 تسمح باستخدام نماذجها داخل الجيش والمؤسسات الدفاعية الفرنسية. وبحسب الاتفاق، ستُستخدم أنظمة الشركة على بنية تحتية فرنسية محلية، مع تدريب النماذج على بيانات دفاعية حساسة لتطوير قدرات تحليل واتخاذ قرار متقدمة.
وعلى امتداد العام الماضي، عزّزت "ميسترال إيه آي" حضورها في قطاع الصناعات العسكرية الأوروبي. ففي فبراير/ شباط 2025، دخلت في شراكة وصفتها بـ"الاستراتيجية" مع شركة هلسبنغ الألمانية المتخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بهدف تطوير أنظمة عسكرية مرتبطة بالحرب الإلكترونية والطائرات المسيرة، كما باتت نماذجها مستخدمة في شركة إيرباص بقطاعاتها التجارية والعسكرية والفضائية. ولم يقتصر توسّع "ميسترال إيه آي" على أوروبا. ففي مارس 2025، أعلنت وزارة الدفاع السنغافورية ووكالات تكنولوجية وأمنية مرتبطة بها شراكة مع الشركة الفرنسية لتطوير تطبيقات ذكاء اصطناعي مخصصة للاستخدامات الدفاعية والأمنية.
أثارت هذه التحوّلات انتقادات متزايدة للشركة التي انطلقت أساساً بخطاب يدعو إلى "إتاحة الذكاء الاصطناعي للجميع" ومواجهة احتكار شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى. وبحسب المنتقدين، فإن "ميسترال إيه آي" تتحول تدريجياً إلى جزء من البنية التكنولوجية الأمنية والعسكرية الجديدة في أوروبا.
من جهته، يرى مينش أن أوروبا لا تستطيع البقاء خارج سباق الذكاء الاصطناعي العسكري بينما تستثمر الولايات المتحدة والصين بكثافة في هذا القطاع. وبحسبه، فإن امتلاك أوروبا قدرات مستقلة في الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد هدف اقتصادي، بل قضية تتعلق بالأمن القومي والسيادة الاستراتيجية.

أخبار ذات صلة.
قلة النوم تزيد خطر السرطان قبل سن الخمسين
الشرق الأوسط
منذ 31 دقيقة