إسلام العنقاوي... تحنيط الحيوانات لفهم تاريخ طبيعة الجزائر
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يجمع الجزائري إسلام العنقاوي بين التحدي العلمي في تحنيط الحيوانات والرؤية الفنية، وقد نجح في كسر الحواجز المجتمعية من خلال المعرفة والعمل الدائب، ورسم طريقاً جديداً في العلاقة مع الحيوان والطبيعة. داخل ورشة متواضعة في منطقة العاشور بضواحي العاصمة الجزائرية، حيث لا تكاد تسمع سوى الصوت الخافت للأجهزة الطبية، يعمل الشاب إسلام العنقاوي بحرفية عالية واهتمام كبير محاطاً بأدوات التشريح ومواد التحنيط. إنه ليس طبيباً، بل باحث علمي في تحنيط الكائنات يحاول بدقة وفن أن يلتقط روح الحياة في حيوانات نافقة قد تفتقدها الحياة البرية في المستقبل.  يُخصص إسلام، المغرم بالطبيعة والاكتشاف والمشي في الغابات وتدريب الحيوانات وعلاجها، جزءاً من المنزل القديم لأسرته والذي جهّزه ليكون مختبراً لتحنيط الحيوانات، كما يُنفذ تجارب علمية في مختبر آخر ضمن حديقة حيوانات بمدينة عين تيموشنت غربي الجزائر. لكن قصته لم تبدأ في هذا الميدان تحديداً، بل من كونه متخصصاً في نزع الألغام والذخائر غير المنفجرة في الجيش الجزائري. ويروي أن دخوله الى عالم التحنيط والمجال العلمي لم يحصل بطريقة تقليدية، إذ أثار مصير الأجساد بعد الحياة فضوله العلمي والفلسفي خلال عمله في الجيش بعدما كانت له تجارب مباشرة مع الموت والتفكك الجسدي. يقول لـ"العربي الجديد": "قادني هذا الفضول إلى عالم تحنيط الحيوانات، وتعلّمت بمفردي من خلال أبحاث وتجارب عملية، باعتبار أن علم التحنيط والتشريح الباثولوجي لم يكن معروفاً في الجزائر، ما جعلني أخوض تحدياً أكبر بسبب الافتقار إلى مرجع محلي يمكن الاعتماد عليه، وتعلّمت كل شيء عبر أبحاث أكاديمية دولية، ومشاهدة فيديوهات علمية، والتواصل مع خبراء في إسبانيا وتركيا ومصر، وطبقت المعلومات على عينات صغيرة مثل الفئران والطيور لمدة سنين، وتقدّمت خطوة خطوة". تختلف ورشة إسلام عن التصورات الشعبية لمكان التحنيط، فهي تشبه معامل التشريح الطبية الحديثة، حيث التعقيم والنظام يسودان المكان. وتوجد على الرفوف مواد تحنيط، مثل "فورمالين" وكحول وأدوات تشريح دقيقة وأجهزة خاصة للحقن. ويشرح أن "التحنيط عملية معقدة تتطلب حقن مواد حافظة عبر شرايين، وإزالة أعضاء داخلية، وحقن التجاويف بمواد حافظة أخرى، ثم التجميل للحفاظ على الهيئة الطبيعية للكائن. وكل حالة تحتاج إلى خطة عمل مختلفة".  يتابع: "ليست مهمتي مجرد حفظ الجسد، إذ أنفذ عملية متكاملة تبدأ بحقن المواد الحافظة عبر الشرايين لوقف التحلل، ثم إخراج الأحشاء واستبدالها بحشوات خاصة للحفاظ على الهيئة الطبيعية، وبعدها أنفذ العمل التجميلي لإعادة مظهر الحياة بقدر الإمكان، ويختلف التعامل مع حيوان بري وحيوان أليف، أو عينة علمية لغرض تعليمي. أحياناً يأتي إلي مزارع بجثة خروف نافق ليرى إذا كان يمكن حفظها لتكون ذكرى فأرفض ذلك لأن شرطي الأساس هو أن يكون مصدر العينة قانونياً، مثل حدائق الحيوانات، وتبرعات من أصحاب حيوانات أليفة بعد نفوقها، وأن يكون الغرض علمياً أو تعليمياً أو فنياً يحترم كائنات الله". وعموماً ليست رحلة إسلام الذي ساهم في إنشاء حديقة حيوانات افتتحت حديثاً في منطقة عين تموشنت (غرب)، مفروشة بالورود، بل مليئة بالتحديات من بينها النظرة المجتمعية، فبعض الناس يعتقدون بأنه مشعوذ أو يتعامل مع الأرواح، لذا يتلقى اتصالات توبيخ أو سخرية أحياناً، كما يواجه صعوبات لوجستية في استيراد مواد كيميائية خاصة تتطلب استخراج تراخيص معقدة بتكاليف باهظة، والافتقار إلى قوانين واضحة تنظم عمل "فني تحنيط الحيوانات"، ما يضطره إلى العمل بطريقة غير مستقرة في بعض الأحيان. ويحلم إسلام بإنشاء متحف جزائري للتاريخ الطبيعي يعرض فيه تنوّع الحياة البرية في الجزائر من خلال أنواع حيوانات منقرضة مثل فهد الأطلس وكائنات بحرية وطيور ونباتات نادرة، وتعليم الأجيال القادمة عن ثراء الطبيعة الجزائرية، وأن يكون مرجعاً للباحثين والطلاب، وهو يملك مجموعة من عشرات العينات المحنطة بدقة.  ويقول: "أعمل على الحيوانات فقط، وهدفي علمي وتعليمي، فالتحنيط وسيلة لفهم الطبيعة ولا علاقة له بمعتقدات دينية خاطئة علماً أن علماء مسلمين أجازوا التشريح والتعلّم من الكائنات لفهم الخلق". يتابع: "يسألني كثيرون هل التحنيط حرام أم حلال، وقد سألت الشيوخ عن هذا الأمر، وتوصلت الى قناعة بأنه لا يوجد نص ديني صريح يحرّم حفظ الكائنات لأغراض علمية أو تعليمية، وعلم التشريح نفسه مبني على الفهم العميق للجسد. عموماً أنا لا أتعامل مع جثث بشرية، فهذا مجال مختلف تماماً ويخضع لقوانين مشددة، وعملي مع الحيوانات امتداد لفهم معرفة الخلق عبر دراسته. المشكلة ليست في الدين، بل في الثقافة البصرية. اعتاد مجتمعنا أن يرى الموتى يوارون الثرى فوراً، أما رؤية جسد محفوظ فيرهبه. مهمتي تثقيفية وليست سحراً أو تدنيساً للموت. هذا علم يساعد أطباء البيطرة وعلماء الأحياء وطلاب الطب على التعلم، ومتحف التاريخ الطبيعي في أي عاصمة عالمية يعتمد على هذا الفن".  

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية