نازحو ولاجئو السودان... جوعٌ وقهرٌ في الأضحى بلا مساعدات
عربي
منذ ساعة
مشاركة
استقبل السودانيون عيد الأضحى الرابع لهم في خيام النزوح وبلدان اللجوء، وسط مرارة وألم وحزن بعدما تلاشت آمال إحلال السلام في بلدهم مع فشل الجهود التي سعت إلى إخماد الحرب المشتعلة منذ منتصف إبريل 2023، التي قتلت الآلاف وشرّدت الملايين. لا فرحة تذكر بحلول عيد الأضحى في الخيام المهترئة والأكواخ البائسة بالمخيّمات النائية في سهول إقليمَي دارفور وكردفان غربي السودان، ولا مخيّمات النيل الأبيض (وسط) أو النيل الأزرق على الحدود الإثيوبية، والأوضاع نفسها في مخيّمات اللجوء في شرق تشاد وأوغندا وجنوب السودان. ويصارع النازحون واللاجئون السودانيون الذين تتجاوز أعدادهم 14 مليون نسمة تحت وطأة ظروف إنسانية خانقة، وأوضاع مُتردّية بإمكانيات شحيحة، بينما تلاشت بهجة العيد التي عرفوها طوال حياتهم، واختفت طقوسه، وتبدل طعمه المعتاد، إذ انعدمت رائحة الشواء، واختفت الحلويات والمخبوزات التي كانت تبرع النساء في تجهيزها قبل حلول العيد، واستعيض عنها بأنواع رخيصة من البسكويت والحلويات الجاهزة التي جرى شراؤها بما توفر، بينما تخلى الجميع عن شراء الملابس الجديدة أو الأحذية، ولا مجال لشراء العطور، أو ألعاب الأطفال البلاستيكية المعتادة. تقيم النازحة السودانية فاطمة جبر الله (43 سنة) في أحد مخيّمات مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، مع أطفالها الأربعة، وأصغرهم عمره ثلاثة سنوات، وتقول لـ"العربي الجديد": "جعلت الحرب طقوس العيد المتوارثة تبدو كذكرى من الماضي. نعيش واقعاً مختلفاً تماماً لا يمكن أن تكون فيه مساحة لأي من تجهيزات العيد التي كان الناس يهتمون بتفاصيلها اهتماماً شديد الدقة قبل اندلاع هذه الحرب التي جعلتنا نهجر منازلنا، ونعيش في خيام النزوح المتهالكة في مناطق تفتقر لأبسط مقومات الحياة، إذ نفترش الأرض، ونلتحف السماء مجرّدين من إنسانيتنا وكرامتنا". تتابع جبر الله النازحة من قرية في ريف مدينة بارا القريبة من مدينة الأبيض، والواقعة حالياً تحت سيطرة قوات الدعم السريع: "لم نفكر في شراء أي من احتياجات العيد لأنها أصبحت ترفاً بالنسبة لمن يعيشون في الخيام. حاجاتنا الضرورية تتمثل في الحصول على الطعام ومياه الشرب، وعندما ندخر بعض النقود ننفقها على شراء الأدوية وحليب الأطفال. لا أحد يفكر في شراء الحلويات، ولا الملابس الجديدة، أما شراء خراف الأضحية فأصبح فكرة لا تخطر على بال أحد من سكان مخيّمات النزوح. سعر الخروف اليوم 1.2 مليون جنيه (نحو 400 دولار)، وهذا مبلغ لا يملكه أي من النازحين". بدورها، نزحت التومة أحمد (57 سنة) من مدينة كادوقلي بولاية جنوب كردفان، وتعيش حالياً في أحد مخيّمات ولاية النيل الأبيض، وتقول لـ"العربي الجديد": "تخلى النازحون عن فكرة الاستعداد للعيد. في السابق، كانت الاستعدادات تشمل شراء الأضحية، والملابس الجديدة، وتغيير المفروشات، وتزيين المنازل، فضلاً عن صناعة أصناف متعدّدة من المخبوزات، مثل الكعك وحلويات أخرى. الأوضاع التي نعيشها حالياً غير مواتية لشراء أي من هذه الأشياء، فأوضاعنا المالية متدهورة للغاية، ومعظم النازحين وصلوا إلى المخيّمات من دون ممتلكاتهم وأغراضهم الشخصية، التي تركوها خلفهم أثناء الهروب من قراهم ومدنهم التي تحوّلت إلى جبهات قتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع". وتضيف الأم لثلاثة أطفال: "قبل الحرب، كانت تجهيزات العيد تبدأ بصناعة الكعك والحلويات، ثم شراء الملابس، وطلاء جدران المنازل، لكن منذ الدخول في دوامة النزوح التي لا يعرف أحد متى تنتهي، تخلى الجميع عن تلك التجهيزات المتوارثة، وتخلى البعض عن الاحتفال بالعيد، وأصبح الأمر يقتصر على صلاة العيد التي يذهب إليها الناس بالثياب البالية والممزقة تلفهم الأحزان والأوجاع. اختفت زيارات العيد التي كانت تمتد لأكثر من جار، وبات الناس يفضلون تهنئة بعضهم في مكان الصلاة. لا حركة بالأسواق والساحات، ولا رائحة شواء، ولا حتى ابتسامة على الوجوه". وتتشابه أحوال السودانيين منذ اندلاع الحرب من حيث نقص المستلزمات الأساسية والخدمات، وشعورهم بالمعاناة، فضلاً عن تشتت أفراد العائلة الواحدة بين أكثر من مخيّم أو منطقة داخل وخارج السودان على مدار أكثر من ثلاثة أعوام متواصلة. يقول محمد سيف الدين (67 سنة)، وهو نازح من الفاشر إلى مخيّم طويلة بجبل مرة، إنّ "العيد أصبح يوماً لاجترار الأحزان والآلام التي خلفتها الحرب، والتي جعلت غالبية الأُسر تتفرق بين الولايات والأقطار، ما بين مخيّمات النزوح ومراكز اللجوء". ويضيف الأب لسبعة أبناء لـ"العربي الجديد": "لم تعد الأسر السودانية تفكر في طقوس العيد، مثل شراء الأضحية أو الثياب الجديدة، وزيارة الأهل والجيران، إذ صار الهم الأساسي هو كيفية تدبير الاحتياجات اليومية بالحد الأدنى الذي يبقي أفراد الأسرة على قيد الحياة، أما اللقاءات والاحتفالات فلا أحد يتطرق إليها، فالكثير من الأقارب والجيران إما قتلوا في الحرب، أو نزحوا أو اضطروا إلى اللجوء، وتفكّكت الأسر وتشتّت أفرادها بين مناطق متعدّدة، وبعضهم لم يلتقوا منذ أكثر من ثلاثة أعوام". يتابع سيف الدين: "في السابق، كانت الأسر تتبادل الزيارات، ويجتمعون خلال ذبح الأضاحي، ويطوف الأطفال على منازل الجيران في الحي، ويقضون أيام العيد في اللعب واللهو. اليوم، تأثر الكبار والصغار بالحرب، وباتت الأولويات تنحصر في الدعاء بوقف الحرب وعودة الناس إلى منازلها، وأن يتمكّنوا من عيش حياة كريمة بعد سنوات من الموت والتشرد والانتهاكات الفظيعة. شخصياً، لم ألتقِ ببعض أفراد أسرتي منذ ثلاثة أعوام بعد نزوحي إلى طويلة مع زوجتي وأطفالي، إذ سافرت والدتي وشقيقي إلى مصر، وثلاث من شقيقاتي لجأن إلى جنوب السودان، بينما كنّا نجتمع قبل الحرب في منزل الأسرة، ولا نتفرق سوى في اليوم الثالث من العيد". في مخيّم كرياندقو في أوغندا، استقبل اللاجئون السودانيون العيد بأوضاع معيشية وإنسانية مزرية، إذ نفدت مدّخراتهم بالتزامن مع شح المساعدات الإنسانية، وعدم وجود فرص عمل في المخيّم أو محيطه، ما يجعلهم يعتمدون على المساعدات القليلة غير المنتظمة. غادرت السودانية سامية مدينة نيالا في ولاية جنوب دارفور إلى مخيّم كرياندقو للاجئين الذي تعيش فيه منذ عامين، وتصف استعدادات العيد هذا العام بأنها انحصرت في تنظيف الخيام، وانتظار وصول المساعدات من فاعلي الخير. وتقول الأم لخمسة أبناء أصغرهم فتاة في التاسعة من عمرها لـ"العربي الجديد": "لا يملك اللاجئ ترف التحضير لاستقبال العيد لأنه في وضع إنساني بالغ الصعوبة، والحاجة في الوقت الحالي تقتصر على الحصول على الغذاء، وبعض الأغطية التي نتدثر بها من البرد، ومشمعات تحجب عنّا الأمطار التي لا تتوقف طول العام في أوغندا". وتضيف: "كنت أبدأ الاستعداد للعيد قبل مدة طويلة من حلوله، فأجهز المخبوزات والحلويات، ثم أذهب إلى السوق لشراء ملابس جديدة لجميع أفراد الأسرة، وشراء الألعاب أيضاً للأطفال، ثم نقوم بتغيير فرش المنزل، وتجديد الطلاء، وجلب الزهور، إذ كان لا بدّ من وجود زهور على المناضد. يجري هذا كله قبل شراء الأضحية التي ندعو لذبحها الأهل والجيران. اليوم في خيمة النزوح، سعينا الأساسي هو كيفية الحصول على وجبة طعام في هذه الظروف البائسة، ونتمنى أن تتوقف الحرب لكي نعود إلى منازلنا". أما كوثر إسحاق اللاجئة في مخيّم علاشا بشرق تشاد، وهي أم لطفلين، فتصف أوضاع اللاجئين في العيد بأنها حزينة، وتقول لـ"العربي الجديد": "لو سألت أي لاجئ في أي من المخيّمات الكثيرة المنتشرة هنا، ستجدهم جميعاً لم يفكروا في العيد لأنهم يواجهون ظروفاً قاسية بسبب عدم توفر المال أو مصادر الدخل. الناس يبحثون عن لقمة الطعام، وهذا هو المهم بالنسبة لهم". وتضيف إسحاق: "كنّا نحتفل بالعيد بطريقة مميزة، فنعد الحلويات والأطعمة والمشروبات الخاصة، ونذبح الأضحية، ونستقبل الكثير من الأهل والجيران. لكن منذ اندلاع الحرب، ومغادرة منازلنا، تركنا طقوس العيد وتجهيزاته المختلفة؛ لأنها تحتاج إلى توفر المال، والمنزل. لا يمكن أن تحتفل بالعيد في خيمة أو كوخ بائس، إذ لا توجد غرف استقبال، ولا مقاعد يجلس عليها الضيوف. ننام في الخيمة على الأرض من دون أغطية، ومن كانت هذه حياته فلن يكون مستعداً للاحتفال بالعيد".    

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية