عربي
رغم ضيق الحال، يصرّ اليمنيون على التمسك بعاداتهم وتقاليدهم المتوارثة، ويحرصون على انتزاع بعض الفرح كي تبقى روح عيد الأضحى حية في النفوس، مع الاهتمام بتعزيز قيم التكافل والتراحم، فتراهم يتقاسمون القليل، ويسندون المحتاج، ويتفننون في إسعاد الأطفال.
يكتسب عيد الأضحى أهمية استثنائية في وجدان اليمنيين، فهو ليس مجرد مناسبة دينية، بل موعد لاجتماع الشمل ولمّ الشتات، وتتدفق فيه قوافل المسافرين نحو مسقط الرأس في القرى والأرياف بمختلف المحافظات، تاركةً وراءها عناء الأعمال. تلتقي الأسر في "العيد الكبير"، وتتكامل الفرحة، ليتحول إلى منصة اجتماعية، وموسم لعقد المناسبات المؤجلة، كالزواج، والخطوبة. ويتميز المجتمع اليمني عن غيره بأن طقوس "العيد الكبير" لا تنحصر في يوم النحر، بل تتسع لأسبوع كامل من البهجة والتقاليد، بداية من صلة الأرحام، وتبادل العيديات التي تبهج قلوب الصغار، وصولاً إلى اللمّات العائلية، من دون أن ينسوا زيارة قبور الراحلين، في مشهد يمزج بين الوفاء والشجن.
يستعيد المحاسب عمر شمسان (38 سنة)، شريط ذكرياته، ويقارن بين الأمس واليوم، قائلاً لـ"العربي الجديد": "سابقاً، كان لعيد الأضحى طعم مختلف، فالقلوب كانت متقاربة، والجيران كأنهم أهل بيت واحد. أذكر العادات التي ارتبطت بالعيد قديماً، فبسبب ضيق البيوت في القرية، كنا نذبح الأضاحي في الساحات، وكان البعض يذبحونها على أطراف المقابر بعد زيارة الراحلين في صباح أول أيام العيد. اليوم، تبدو ملامح العيد أكثر ثقلاً تحت وطأة الواقع الجديد، فالظروف غيرت كل شيء، حتى طقس تشارك الأسر في شراء ثور العيد (المغارمة)، بات شبه معدوم بسبب الغلاء، ورغم كل هذه العوائق، يصر الناس على اقتناص بعض الفرحة، ويقاومون للحفاظ على روح العيد، ولو بأقل القليل". يضيف شمسان: "الملاذ الأخير لبهجة العيد يتجسد في اللمات التقليدية في المجلس الكبير الذي يجمع الأصحاب والأحباب والأقارب من أهل القرية، وفيه تتجلى أجمل مظاهر العيد، ولعل أجمل ما في هذا المجلس رؤية الشباب والأطفال يلتفون حول كبار السن، الذين ينقلون للأجيال الأصغر قصص الماضي، وقيم الترابط الديني والاجتماعي".
تضفي سعاد عبد العزيز (48 سنة)، لمسة دافئة مفعمة بالروحانية على الأجواء، وتقول لـ"العربي الجديد" إن لعيد الأضحى أهمية خاصة تفوق غيره من المناسبات الدينية، ولهذا تحرص نساء الأسرة على الاجتماع في ليلة العيد، ويقمن معاً بإعداد أنواع متنوعة من الكعك والحلويات التقليدية. وتضيف: "تجتمع العائلة الكبيرة في يوم العيد؛ ويتوزع الحضور على مقيل (مجلس) خاص بالرجال وآخر للنساء. هذه الاجتماعات الموسعة غالباً ما تكون فرصة لترتيب المناسبات الاجتماعية داخل الأسرة، مثل إعلان الخطوبة، أو الترتيب للزواج".
وتتابع: "نستعد حالياً لاستقبال والدي زوجي اللذين ذهبا لأداء مناسك الحج، واتفقنا في العائلة على مراسم الاحتفال الذي سيمتاز بالزينة المبهجة، واستعنّا بخبرة كبار السن كي يعيدوا تذكيرنا بالأناشيد الشعبية القديمة التي كانت تُقال في استقبال الحجاج عند عودتهم، وذلك من أجل ترديدها، كذلك ننوي إقامة وليمة غداء كبيرة ندعو إليها الفقراء والمساكين، في نوع من الشكر والتكافل".
وتوضح عبد العزيز قائلة: "نحاول خلال أيام العيد بكل ما أوتينا من قوة أن نصنع البهجة، كي يفرح الأطفال تحديداً، رغم كل الظروف القاسية التي تعيشها البلاد، والتي ألقت بظلالها على معيشة جميع اليمنيين من دون استثناء، وكل ما نتمناه في هذه الأيام المباركة أن تتحسن الأوضاع، وأن تنتهي الحرب كي يتعافى اليمن".
بدوره، يسرد عدنان الحبيشي (54 سنة)، لـ"العربي الجديد"، تفاصيل المعاناة التي يواجهها أرباب البيوت لتأمين مستلزمات العيد، ويقول: "استطعنا هذا العام الموازنة بين الالتزامات والمسؤوليات من خلال وضع خطة تقشفية، إذ اضطررنا إلى تقليص بعض الضروريات الأخرى أو تأجيلها، حتى نتمكن من توفير كسوة العيد للأطفال، وشراء الأضحية، وتأمين حلوى العيد. ما اشتريناه لم يكن بالقدر المطلوب الذي كنا نتمناه لإدخال الفرحة على قلوب الصغار". ويوضح الحبيشي أن "الطقس الأساسي الذي نتمسك به في العيد هو زيارة الأرحام في القرى المجاورة، وتقديم الهدايا المتاحة، إضافة إلى دعوتهم مع أولادهم إلى تناول وجبة الغداء في ثاني أو ثالث أيام العيد، في لمّة عائلية كبيرة. فرض التمسك بالصلات الاجتماعية حلولاً بديلة لتعويض تراجع القدرة المادية، وفي ظل الارتفاع الكبير لأسعار الأضاحي، لم نعد قادرين على توزيع حصص منها على الأقارب، واستعضنا عن ذلك في السنوات الأخيرة بدعوتهم إلى تناول الغداء".
وللأطفال النصيب الأكبر من بهجة العيد، ويعبّر الطفل خطاب الصبري (12 سنة)، عن مفهوم الفرح، قائلاً لـ"العربي الجديد": "أكثر شيء يسعدني في العيد التقاء الأصدقاء، والعيديات التي أحصل عليها من أقاربي". وبفخر، يستعرض تفاصيل كسوة العيد الجديدة، مبرزاً هويتها التقليدية بقوله: "كسوتي في العيد تتكون من ثوب، وكوت، وشال، وجنبية، وقد اختارها لي أبي. تبدأ طقوس العيد بالتجمع باكراً مع الأصدقاء، والذهاب لأداء صلاة العيد، ثم العودة إلى الحارة لمشاهدة أجواء ذبح الأضاحي التي ننتظرها كل عام". أما عن طموحاته من "العيدية"، فيقول: "أتوقع أن أجمع نحو 50 ألف ريال (الدولار يساوي 1560 ريالاً) من الأهل والأقارب، وسأشتري بنصفها ألعاباً وأدخر النصف الآخر لتلبية احتياجاتي الشخصية في الأيام المقبلة. نقضي إجازة العيد بالخروج للتنزه في الساحات، ولعبتنا المفضلة في هذه المناسبة هي الحرب بمسدسات الماء التي تضفي علينا شعوراً بالمرح".
وتقول طالبة الثانوية سلوى المرادي (16 سنة)، لـ"العربي الجديد": "تحول العيد في السنوات الأخيرة من موسم للفرح الخالص إلى حمل ثقيل يرهق كاهل معظم الأسر اليمنية بفعل الأوضاع المعيشية الصعبة، وباتت غالبية الناس تردد بعجز مقولة العيد عيد العافية، في تعبير بليغ عن عدم قدرتهم على مجاراة الغلاء أو شراء الأضحية، أو حتى توفير كسوة العيد لأطفالهم". وتستدرك: "رغم هذا الضيق، يتشبث اليمنيون بحقهم في البهجة، ويتمسكون بالطقوس في حدود المتاح، بدءاً من أداء صلاة العيد في الساحات والمصليات، التي تعزز في النفوس حميمية المناسبة، وصولاً إلى تبادل زيارات الأرحام والأقارب، والمشاركة في اللمّات الاجتماعية، كي نثبت لأنفسنا وللعالم أن روح العيد الحقيقية تسكن القلوب".
بدوره، يؤكد الطالب الجامعي موسى مختار (23 سنة)، لـ"العربي الجديد"، أن "ليلة العيد بالنسبة إلى الشباب تكون مليئة بالحماسة، إذ يتجمعون في المجالس لتبادل التهاني، وفي صباح يوم العيد، يحرص الجميع على أداء الصلاة، ثم تبادل التبريكات، قبل الانطلاق مباشرة لأداء شعيرة ذبح الأضاحي. يشارك الشباب بشكل مؤثر في تجهيز الأضحية، بداية من شراء المستلزمات، وترتيب مكان النحر، وصولاً إلى المساعدة في الذبح والتقطيع والتوزيع، وفي كثير من الأحيان، نجتمع على تناول وجبة (الصبوح) في أثناء الذبح، ونتبادل العزائم، ما يعزز روح التكافل الاجتماعي، ويجعلنا نشعر بمعاني العيد الإنسانية العميقة".
من جهتها، تنقل المهندسة فاطمة حسن (25 سنة)، وجهة نظر أخرى تحاول هندسة الفرح، وتقول لـ"العربي الجديد": "نحاول في ظل الظروف الحالية أن نستغل الفرص المتاحة كي نشعر بالسعادة، وبتنا ننتظر المناسبات الدينية والأعياد بشغف كبير، لأنها تكاد تكون الشيء الوحيد الذي يجدد حيويتنا، وينفض عنا غبار التعب، وروتين الحياة المنهك". وحول طقوسها الخاصة في إحياء بهجة عيد الأضحى داخل البيت، تضيف: "نعمل في ليلة العيد على تغيير شكل البيت من الداخل، ونهتم بدقة بكل التفاصيل التي من شأنها أن تبعث الطاقة الإيجابية والسعادة في النفوس، من خلال إعادة ترتيب الأثاث، وتبخير المنزل وتعطيره، وإطلاق تهليلات العيد وتكبيراته عبر مكبرات الصوت، ما يضفي جواً روحانياً مليئاً بالبهجة والألفة. كذلك تتفق نساء العائلة على موعد محدد نجتمع فيه، ونصنع كعك العيد وحلوياته التقليدية، ونعلق الزينة التي تضفي حيوية على المكان".

أخبار ذات صلة.
«الناتو» يتعهد الدفاع عن «كل شبر»
الشرق الأوسط
منذ 15 دقيقة
كلوب والاتحاد... «مجرد شائعات»
الشرق الأوسط
منذ 22 دقيقة