تقرير أعده لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: لقرون ظلت مكة والمشاعر المقدسة معتمدة في سقيا الحجاج على مشروع “عين زبيدة” حيث استمر الحال حتى ستينيات القرن الماضي، ليبدأ بالتراجع تدريجياً، لينتهي تماما مع حلول ثمانينات القرن نفسه.
في عهد الدولة السعودية بدأ الانتقال للاعتماد على تحلية ماء البحر، وتعود أولى تلك المحاولات إلى عام 1907، باستخدام آلة تقطير في مدينة جدة عُرفت باسم “الكنداسة”.
لكن الانتقال الحقيقي كان في أواخر ستينيات القرن الماضي، حيث أُنشئت الإدارة العامة لتحلية المياه عام 1965، كمشروع حكومي منظم لتطوير هذا القطاع، ثم تأسست المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة رسمياً عام 1974، بمرسوم ملكي، وهي الخطوة التي قادت التوسع الكبير في مشاريع التحلية.
مع هذه القفزة النوعية في توفير المياه للعاصمة المقدسة، شهدت هذه الخدمة تحولاً جذرياً نحو “المنظومة التشغيلية الذكية” لضمان سقيا الحجاج وإدارة الخدمات بكفاءة استثنائية، وبنية تحتية متطورة عرفت حديثا بـ “الهندسة المستحيلة”.
تهدف هذه الجهود الشاملة إلى الحد من الإجهاد الحراري، وتعزيز السلامة، وضمان تدفق الخدمات لأكثر من مليوني حاج في آن واحد دون انقطاع.
آلية “الهندسة المستحيلة”
تُعد رحلة نقل المياه من البحر الأحمر وصولاً إلى ضيوف الرحمن في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة عملية معقدة وتمر عبر مراحل، تبدأ بمرحلة الإنتاج والتحلية.
وتبدأ الدورة من البحر الأحمر، حيث يتم سحب المياه وتحليتها في محطات ضخمة (مثل مجمع الشعيبية ورابغ) لتتحول إلى مياه عذبة صالحة للشرب.
مرحلة الضخ والنقل
بعد التحلية تبدأ عملية ضخ المياه عبر أنابيب عملاقة تخترق تضاريس مكة الجبلية الصعبة، حيث تمر عبر أنفاق مخصصة لإمدادات المياه يصل طول بعضها إلى 12 كم في أعماق الجبال.
ولتأمين هذه الشبكة الضخمة تُستخدم مضخات وأنظمة توازن خاصة لحماية الأنابيب من الانكسار أو الانفجار بسبب ضغط المياه العالي جداً، ولضمان عدم ارتداد المياه في حال توقف الضخ.
الخزن الاستراتيجي والتحكم
تصل المياه إلى خزانات تشغيلية وطرفية ضخمة (مثل خزانات الجعرانة) شمال شرق مكة المكرمة، ويتم مراقبة التدفق والضغط والوقوف على البلاغات لحظياً عبر مركز تحكم ذكي ونظام “سكادا” وهو نظام حديث، يتيح المتابعة اللحظية والتحكم الفوري بجميع الأصول والمرافق (كهرباء، تبريد، مياه) داخل المشاعر.
تم اختيار موقع “الجعرانة” في مكة نظراً لارتفاعه المناسب ولأنه يمثل نقطة التقاء محورية تسهل عملية ربط وتوزيع المياه المحلاة القادمة من محطات التحلية إلى شبكات التوزيع الرئيسية داخل مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
وهذا الخزان أحد أضخم مشاريع الأمن المائي في المملكة؛ حيث تبلغ سعته التخزينية الإجمالية مليوني متر مكعب.
شبكة التوزيع الميدانية
تتدفق المياه من الخزان عبر شبكات تزيد طولها عن 5 آلاف كيلومتر طولي لتصل إلى كافة نقاط الاحتياج في المشاعر المقدسة (مِنى، عرفات، ومزدلفة).
ومن خلال مركز التحكم والمراقبة، يتم مراقبة تدفق المياه، قياس الضغط، ورصد البلاغات عبر شاشات متطورة تضمن وصول المياه بيسر وسهولة.
وفي الرصد المناخي والبيئي تستخدم السلطات الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار (الدرونز) لرصد التحديات البيئية، بالإضافة إلى 92 وحدة تقنية تابعة للمركز الوطني للأرصاد تغطي المشاعر والمنافذ.
نقاط الاستخدام النهائي
مياه الشرب.. تتوفر عبر أكثر من 2400 مشرب مياه ذكي ومبرد موزعة على طرق المشاة.
وأما الخدمات العامة فتغذي الشبكة آلاف مجمعات دورات المياه (أكثر من 3600 مجمع موزعة بين المشاعر الثلاثة) لتمكين ملايين الحجاج من الوضوء والاستخدام في وقت واحد دون انقطاع.
تلطيف الأجواء
نفذت شركة “كدانة” (الذراع التنفيذي للهيئة الملكية لمدينة مكة والمشاعر) سلسلة مشاريع نوعية لخدمة الحجاج، منها منظومة التبريد وتلطيف الأجواء.
حيث شغلت الشركة أكثر من 6000 عمود رذاذ و500 مروحة رذاذ كبيرة بقدرة تشغيلية تصل إلى 1500 متر مكعب في الساعة، مما يسهم في خفض درجات الحرارة والحد من الإجهاد الحراري.
كما نفذت الشركة مشروع مشابه في مسار المشاعر، حيث تم تركيب 322 عموداً لمراوح الرذاذ في مناطق الكثافة العالية.
من مشاريع التبريد أيضا تطوير 32 ألف متر طولي من شبكات الحريق والتبريد داخل الخيام غير المطورة بمشعر منى (المرحلة الرابعة).
تحول نظام السقيا في المملكة من الطرق التقليدية إلى أضخم منظومة تحلية على مستوى العالم، بهدف خدمة ضيوف الرحمن وتسهيل أداء ركن فريضة الحج بسهولة ويسر.
وتعكس هذه الجهود المتكاملة والاعتمادات المالية والتقنية الضخمة التزام المملة الراسخ برفع كفاءة التشغيل في المشاعر المقدسة لخدمة الحجاج والتخفيف عنهم من الاجهاد الحراري خاصة في مواسم الحج التي تتزامن مع فصلي الربيع والصيف الذي تشهد فيه المناطق المقدسة درجات حرارة عالية.
إن الجمع بين “الهندسة المستحيلة” في نقل المياه وبين “المنظومات الذكية” في الإدارة والتحكم، يضع المملكة في موقع الريادة العالمية في إدارة الحشود وتشغيل أضخم منظومة حج مستدامة وآمنة.
ظهرت المقالة من “عين زبيدة” إلى “الهندسة المستحيلة”: رحلة القرن لترويض العطش في المشاعر المقدسة أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.