استياء سياسي في الجزائر من باريس: إخفاق مساعي التسوية؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تطور المزاج السياسي والإعلامي في الجزائر تجاه باريس سريعاً نحو التأزم مجدداً، بعد أقل من أسبوعين على زيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، الذي أعلن خلالها عودة التنسيق القضائي بين البلدين، وخصوصاً في ما يتعلق بقبول الجزائر ترحيل المهاجرين الصادرة بحقهم أوامر طرد من الأراضي الفرنسية. غير أن الإعلام الحكومي والمقرب من السلطة في الجزائر عاد إلى مهاجمة مواقف الحكومة الفرنسية، متهماً إياها بانتهاج سياسة "مقايضة إقصائية". وشنت وسائل إعلام حكومية وأخرى مقربة من الرئاسة الجزائرية حملة على المواقف والتصريحات المستجدة الصادرة عن وزراء في الحكومة الفرنسية. وبث التلفزيون الجزائري الرسمي، في نشرته الإخبارية الرئيسة الليلة الماضية، تقريراً اتهم فيه باريس بالعودة إلى استخدام ورقة ترحيل المهاجرين ضمن "مقاربة المقايضة السياسية الإقصائية التي دأبت عليها السلطات الفرنسية"، وذلك على خلفية تصريحات لوزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان عقب عودته من الجزائر، والنقاشات السياسية الدائرة في فرنسا بشأن هذا الملف. وأكد التقرير أن "المؤشرات الميدانية والبيانات الحقيقية تظهر أن التناول الفرنسي للملف يحمل في طياته كثيراً من التسييس مقارنة بالواقع العملي على الأرض"، متسائلاً: "من يدير هذا الملف؟ ومن الجهة التي حولته إلى أداة توظيف سياسي مفضوح، بعد أيام من إعادة تفعيل قنوات الاتصال والتعاون الأمني والقضائي بين الجزائر وفرنسا؟"، معتبراً أن ذلك يشكل "اختباراً لجدية السلطات الفرنسية ومصداقيتها، وسط تساؤلات متزايدة". وتأتي هذه التطورات عقب تصريحات أثارت حساسية لافتة في الجزائر لوزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، الذي كان قد زار الجزائر في 18 مايو/ أيار الجاري وأعلن التوصل إلى اتفاقات لاستئناف التعاون القضائي وقضايا الهجرة. وقال دارمانان، الأحد الماضي، لصحيفة "لوجورنال دو ديمانش"، إنه "يأمل الحصول على المزيد من عمليات تسليم رخص القبول" من قبل الجزائر، مؤكداً أنه "ليس ساذجاً"، وأنه يدعم "حواراً صارماً ومتطلباً مع الجزائر". وفي السياق، نشرت صحيفة "الخبر"، كبرى الصحف الجزائرية المقربة من دوائر الرئاسة، الثلاثاء، تقريراً اعتبرت فيه أن قضية قرارات الترحيل "تحولت في الآونة الأخيرة إلى ما يشبه السجل التجاري أو الورقة الرابحة للمزايدات السياسية لدى بعض الدوائر النافذة في الإدارة الفرنسية، ولدى تيارات معادية للجزائر". ووصفت القضية بأنها "قشرة فارغة، الغرض الأساسي منها مغازلة اليمين المتطرف وتوظيفها لخدمة مآرب وأجندات انتخابية بحتة". وأضافت الصحيفة أنه "في مقابل الخطاب الفرنسي الحاد، تبرز لغة الأرقام الرسمية لتؤكد أن الجزائر تتعامل بمسؤولية وجدية تامة مع الملف، وتفند أي ادعاء بوجود تنصل أو إنكار من الجانب الجزائري". وأشارت إلى أن "من بين 179 تصريح مرور قنصلي منحتها السلطات الجزائرية لتسهيل عمليات الترحيل، لم تستغل المصالح الفرنسية المختصة سوى 90 تصريحاً فقط"، معتبرة أن "هذه الفجوة تضع السلطات الفرنسية أمام محك الصدق السياسي، وتطالبها بالاعتراف علناً بأن التعطيل لا يكمن في الموقف الجزائري، بل في آليات التنفيذ والتسيير الإداري لهذا الملف على مستواها الداخلي". أما صحيفة "الوطن"، أبرز الصحف الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية، فقد اعتبرت في تقرير نشرته الثلاثاء، أن الساسة في فرنسا يتخذون من الجزائر مادة للمزايدات السياسية تمهيداً للانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل. وكانت الصحيفة نفسها، إلى جانب "لوسوار دالجيري" و"الخبر"، قد هاجمت في تقارير متزامنة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، عقب تصريحاته الأخيرة خلال زيارته للرباط، التي جدد فيها موقف باريس الداعم للمقترح المغربي في قضية الصحراء، وهو الموقف الذي شكل أساس أزمة يوليو/ تموز 2024 بين الجزائر وباريس. واعتبرت "الخبر" أن الوزير الفرنسي "يسير، خطوة بخطوة، على النهج نفسه الذي انتهجه وزير الداخلية السابق برونو روتايو، في تحويل الجزائر إلى مادة يومية للاستهلاك السياسي الداخلي الفرنسي، ضمن سباق محموم لكسب ود اليمين المتطرف ولوبيات الجمهوريين الباحثين عن أي مظلة انتخابية تغطي أزمة الحكم المتفاقمة في باريس". من جهتها، وصفت "الوطن" الوزير بارو بأنه "وزير بلا وزن سياسي"، يمثل "تناقضات السياسة الفرنسية بين محاولات استعادة العلاقات مع الجزائر، والاستمرار في دعم الطرح المغربي في ملف تعتبره الجزائر قضية مبدئية". كذلك اعتبرت أن باريس تدير علاقتها بالجزائر "بازدواجية وعبر إشارات متناقضة"، وهو ما دفع السفير الفرنسي في الجزائر ستيفان روماتييه إلى الرد عبر إذاعة فرنسية، معتبراً أن بعض العبارات الواردة في التقرير "غير مقبولة"، ومطالباً بـ"الاحترام المتبادل". ويقرأ مراقبون لتطورات الأزمة بين الجزائر وباريس، ومساعي التسوية بينهما، هذه التقارير الإعلامية الموجهة ضد فرنسا، بالنظر إلى الخط التحريري لهذه الصحف ووسائل الإعلام الحكومية والمستقلة، باعتبارها تعبيراً عن موقف سياسي واستياء واضح لدى السلطة الجزائرية، من جراء فشل الخطوات التي أطلقتها باريس لتسوية أزمة العلاقات المتوترة منذ يوليو/ تموز 2024، والتي تفاقمت منذ إبريل/ نيسان 2025. وقال المحلل السياسي جمال خديري لـ"العربي الجديد" إن "هذه التقارير تعبر بالأساس عن تقدير سياسي لدى السلطات الجزائرية، وتوضح إلى أي حد تشعر الجزائر بعدم وجود جدية فرنسية في التوصل إلى مسارات حل سياسي للأزمة". وأضاف أن "التصريحات الأخيرة وعودة النقاشات الحكومية بشأن العلاقة مع الجزائر تظهر، من وجهة النظر الجزائرية، وجود تناحر سياسي داخلي في فرنسا بشأن الجزائر، وغياب الجدية لدى باريس في بعض الملفات التي تشكل، من منظور جزائري، اختباراً حقيقياً لمدى التزام فرنسا بمساعي تسوية الأزمة وتفاهماتها".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية