عربي
حملت خطب عيد الأضحى في العراق رسائل سياسية لافتة تمحورت حول دعم حكومة علي الزيدي والدفع باتجاه ترسيخ مفهوم الدولة القوية، بوصفها أولوية المرحلة المقبلة، في مؤشرات تعكس تحولاً تدريجياً داخل القوى السياسية والفصائلية نحو خطاب أكثر قرباً من مشروع الاستقرار الداخلي وتقليص حضور السلاح خارج مؤسسات الدولة. وزار رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مرقدي الإمامين الكاظم وأبو حنيفة النعمان في منطقتي الكاظمية والأعظمية ببغداد، وأدى الصلاة هناك برفقة عدد من المسؤولين، في تقليد دأب عليه مسؤولون عراقيون خلال العقدين الأخيرين، ويحمل دلالات سياسية واجتماعية لدى الشارع العراقي.
وشهدت خطب العيد المركزية في الفلوجة والنجف والبصرة وتكريت والموصل دعوات لتعزيز الاستقرار الداخلي، ودعم الحكومة الجديدة للمضي بمشاريع خدمية واقتصادية، وتجنيب البلاد أي تصعيد آخر في المنطقة، مع تأكيد تعزيز سلطة الدولة والقانون، في إشارة واضحة إلى ملف سلاح الفصائل المتصاعد في البلاد منذ أسابيع. وفي بغداد، جدد زعيم تيار الحكمة "ضمن الإطار التنسيقي" عمار الحكيم، في خطبة صلاة العيد، تأكيده أن "المنطقة والعالم يشهدان تحولات سياسية واقتصادية وأمنية متسارعة، وأن العراق اليوم أمام مسؤوليات كبيرة وفرص مهمة، والبلاد بحاجة إلى تضافر الجهود وتوحيد الطاقات وترسيخ الاستقرار السياسي والاقتصادي والسلم المجتمعي لبناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً"، مشدداً على أنه "بعد منح الثقة لحكومة الزيدي وما نتطلع له من استكمال الكابينة الحكومية في الأيام القليلة المقبلة، والتصويت على شخصيات مقبولة وكفؤة، نؤكد الدعم الكامل لكل عوامل النجاح التي تساعد الحكومة على تحقيق أهدافها".
وأضاف أن حكومة الزيدي "مسؤولة منذ اليوم الأول عن ترسيخ الإيجابية في أهم ملفاتها، وهو الملف الاقتصادي الذي أكدنا مراراً وتكراراً أن تكون له الأولوية القصوى في الحكومة"، مبيناً أن "التحديات الاقتصادية تفرض علينا التفكير في منهج مختلف أكثر جرأة وواقعية".
في الوقت ذاته، حملت خطبة زعيم جماعة "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي رسائل بدت أكثر ارتباطاً بملف السلاح ودور الفصائل في المرحلة المقبلة، إذ أكد في خطبة العيد أن "المقاومة لم تعد تقتصر على العمل العسكري وحسب، بل تمتد لبناء دولة قوية قادرة على اتخاذ قرارها السيادي". وقال إن "العمل العسكري للمقاومة كان أولوية قصوى عندما كانت الدولة العراقية مهددة"، مشدداً على أن "الفكر الصحيح للمقاومة يتجسد في بناء دولة قوية تمتلك قرارها وسيادتها ومؤسساتها، وأن أي مقاومة ليس لها مشروع بناء متكامل ستتحول مع الوقت إلى عبء على المجتمع".
وتمثل هذه التصريحات واحدة من أكثر الإشارات وضوحاً خلال الأشهر الأخيرة بشأن إعادة تعريف دور الفصائل المسلحة داخل المشهد العراقي، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية المرتبطة بملف حصر السلاح بيد الدولة. وتأتي المواقف في وقت تسعى حكومة الزيدي إلى تحقيق تقدم تدريجي في ملف تنظيم السلاح والعلاقة مع الفصائل، عبر مقاربة تعتمد على التفاوض والاحتواء أكثر من الصدام المباشر، وسط إدراك حكومي لحساسية الملف وتعقيداته السياسية والأمنية.
وخلال الأسابيع الماضية، تصاعد الحديث داخل الأوساط السياسية العراقية عن وجود تفاهمات غير معلنة تهدف إلى تقليل المظاهر المسلحة للفصائل وإعادة دمج بعض تشكيلاتها ضمن أطر الدولة الرسمية، بالتزامن مع نقاشات حول إعادة هيكلة المنظومة الأمنية وتوسيع التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية. ورغم استمرار الشكوك بشأن مدى التزام بعض الفصائل بإمكانية التخلي عن السلاح على المدى البعيد، فإن المؤشرات الحالية تعكس للمرة الأولى وجود تقاطع بين رغبة حكومية مدعومة سياسياً واستعداد لدى جماعات مسلحة للبحث عن تسوية تضمن بقاءها داخل المعادلة العراقية، ولكن بأدوات مختلفة.
