"دُعا" لبْليرتا باشولي: لقطات مُقرّبة تكشف انفعالات مُراهِقة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
  تُعيد المخرجة الكوسوفية بْليرتا باشولي، في "دُعا (Dua)"، استكشاف تاريخ بلدها، وتستعيد مرحلة مراهقتها في فترة مصيرية، عبر شخصية فتاة (13 عاماً) ترتطم آمالها بواقع الحرب في كوسوفو، تسعينيات القرن الـ20. يرتكز الفيلم، الفائز بجائزة جمعية مؤلّفي الدراما ومُلحّنيها (SACD) لكاتبتيه باشولي ونيكول بورجا بـ"أسبوع النقاد" بالدورة الـ79 (12 ـ 23 مايو/أيار 2026) لمهرجان "كان"، على يوميات المُراهقة دُعا (أو دعاء)، راسماً عبر نظرتها التغييرات المؤثرة الطارئة على مدينتها بريشْتِنا. المشهد الافتتاحي يهيئ الأجواء التي ستحيط بشخصيته الرئيسية، وترافقها حتى النهاية. مع لقطات لمُراهقات، بينهن دُعا، يتحضرن بمرح وحبور لحضور حفلة روك صاخبة لن تطول، لأن الشرطة الصربية تقتحم المكان، وتفرّقهم بقسوة. مشهد يُلخص الكثير: علاقات الشباب والشابات في بريشتينا بين الحرية والقيود، دور الموسيقى في حياتهم، وهذا الطارئ الجديد المتمثل بعنف صربي تجاههم. تكثر الطوارئ، كالجار الذي لم يعد يرد على تحية دُعا، وباب الحديد الذي يدعم مدخل البيت، وعمليات القتل والإهانة التي تشهدها الشوارع. كلّ ذلك أظهرته باشولي من دون مناقشته أو التركيز عليه، إذ تركته خلفية لمعظم ما يلحق بدُعا من تطوّرات وتبدّلات، بمعالجة سينمائية تَدَع المشاهد أحياناً في حيرة أمام ما يجري، لا سيما إن لم يكن مُطّلعاً تماماً على السياق السياسي المُعقّد. هذا الخيار ساهم في اقترابٍ أكثر من مشاعر الشخصية الرئيسية التي، بدورها، تلحظ ما يجري حولها من دون إدراك معمّق لمسبّباته، أو إيجاد تفسير له. فهي كالمشاهد تشعر بصدمة مما تشهده من عنف. لا تطرح أسئلة، بل تكتفي بالمراقبة. الأشياء ضبابية برأسها كما صوّر الفيلم. فحين تصوِّر باشولي دُعا، تركّز الكاميرا عليها بالكامل: وجهها وحركاتها وانفعالاتها، وطريقة سيرها وجريها. بينما يبدو ما حولها نائياً، تصل أطيافه، وتُسمع أصواته من ضرب وإهانة وصراخ وانفجار، من دون تفسير. ولعلّ في مشهد مرورها على الحواجز الصربية، التي تلقي القبض على ألبانيين أو تهينهم، كما فعلت مع أبيها، أبلغ مثال على أسلوب التصوير هذا، إذْ بقيت العدسة مركّزة على انفعالات دُعا إزاء ما تسمع وتتخيل حدوثه، ولا تجد سبباً له. أسلوب تصوير مُعتَمد معظم الوقت على لقطات مُقرّبة، جاعلة دُعا في كلّ المشاهد. فالفيلم فيلمها حقاً. والتصوير يتبع إبداء انفعال الوجه أمام حدث ما، ليُظهر المشهد لاحقاً سبب الدهشة أو الخوف، كما حصل مع جثة رجل في الشارع، ما يساهم في خلق توتر وتشويق. لدُعا (بينيا ماتوشي) حضور قوي، ونظرة غاضبة معظم الأحيان. مُراهقة مستعدة دائماً للانقضاض على من يقف بطريقها. مع تطوّر شخصيتها، تصير النظرة أكثر تعبيراً عن التمرّد. فالفيلم يروي الانتقال من الطفولة إلى المراهقة، الذي ربما يكون عادياً في أمكنة أخرى، لكنه شيء آخر في بريشتينا تلك الفترة، التي شهدت إحدى أبشع المجازر المرتكبة بحق سكان كوسوفو.     مع اقتراب الحرب، وتصاعد التوترات العرقية، تكافح دُعا لإيجاد مكانها في مجتمعها، وتقبل جسدها الذي يشهد تغيرات متسارعة. التحولات الحاصلة تظهر لها تدريجياً: حواجز مُقامة في الحيّ، واعتداءات على المسلمين. هذا التوتر اليومي جعلها في حالة غضب متصاعد، بقي في البدء دفيناً، وجُبنها عن المواجهة زاد منه. كان الصرب يوقظون وحشاً فيها، وعليها مقاومته كي لا ينفلت، ويسبّب مشاكل إضافية. فيلمٌ (إنّه الثاني لباشولي بعد "خلية النحل" Hive، إنتاج 2021، الفائز بثلاث جوائز بالدورة الـ37 (28 يناير/كانون الثاني ـ 3 فبراير/شباط 2021) لمهرجان ساندانس: الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، وجائزتا الإخراج والجمهور) جعلته مُخرجته عن بناء الهوية وتطوير الشخصية في ظروف الحرب، وليس عن الحرب. بعد حادثة هزّت مجتمعها، أصبحت هدفاً لملاحقات شباب الحي الصرب ومضايقاتهم، لكنها بفضل فتاة أكبر منها سنّاً، تعلّمت عبر رياضة الجودو كيف تدافع عن نفسها، وتطوّر مقاومتها الذاتية أمام ما يجري من عنف يومي، وخطر تهجير. بدأت ثقتها بنفسها تظهر في نظراتها ومشيتها وسلوكها، لا بالتعبير الكلامي. كما تبدّى تغيرها في استفزازها الحواجز، بعد أن كانت تتجنبها. وبدت رفقتها وتفاهمها مع صديقتها رسالة الفيلم عن التضامن النسائي، الذي ينجح في جعل النساء أقوى. "دُعا" مستوحى من حياة مخرجته وذكرياتها عن تلك الفترة، وكيف كان الشباب يحبون ويعيشون ويحلمون بالحفلات وسماع الموسيقى، إلى أن أتت الحرب، وبات الصراع يتدخل في اليومي، ويُفزع الناس دافعاً كثيرين منهم إلى الانضمام إلى المحاربين. هذا الميل التدريجي للانضمام إلى المقاومة المسلّحة أبرزته باشولي بأسلوب فعّال، وكان للموسيقى (أودري إسماعيل، موسيقى أصلية مع استعانة بأغان شهيرة) دور كبير في الفيلم، كملاذٍ في حياة الشابة آنذاك، تستعين بها للقضاء على الخوف بداخلها، وتعطيها الأمل في التغلّب على الصعاب، وجلب شيء من البهجة في حياة بدأت تقسو مع عنف المليشيات الصربية. كما تساعدها على تفريغ التوتر المتصاعد فيها. أحد المشاهد الأجمل (أن ترقص وتغني مع شقيقتها أغنية شهيرة) خير مُعبّر عن هذا الإحساس. اتبع "دُعا" أسلوباً، حبّذا لو يُتّبع دائماً في أفلام تتعدّد فيها اللغات، إذ كُتبت الترجمة بلونين مختلفين. فكرة جيدة تساهم في إدراك الكثير، وفهم بعض المواقف بشكل أفضل، فكُتبت بالأزرق ترجمة الكلام باللغة الصربية، وبالأبيض اللغة الألبانية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية