عربي
في مصر حيث باتت أسعار الخضروات تُقارن بالدولار والذهب، لم تعد الطماطم مجرد سلعة شعبية تدخل في طبق الفتة أو صينية الرقاق أو "تسبيكة" المحشي، بل تحولت إلى ما يشبه "عملة حمراء" تقاس بعيار الذهب، ويتابع المصريون سعرها كما يتابعون سعر الدولار والسبائك الذهبية.
في سوق العبور الأكبر في مصر لتجارة وتوزيع السلع الغذائية بالجملة شرق العاصمة القاهرة، صار التجار يسخرون بمرارة من المشهد بتسميتهم الطماطم الجيّدة من الفرز الأول بالذهب عيار 24 قيراطاً، والأقل جودة 21 قيراطاً، بينما ينظر إليها المستهلكون باعتبارها "عملة صعبة" تتحدى الجنيه المصري نفسه.
ففي الوقت الذي تراجع فيه الدولار إلى حدود 52 جنيهاً بالبنوك، وهبطت أسعار الذهب نسبياً مع تراجع الطلب، مع إجازة العيد الممتدة 6 أيام، بقيت الطماطم عصية على الانخفاض، إذ تُباع في بعض الأسواق بين 60 و70 جنيهاً للكيلو، وكأنها أكثر صلابة من العملة المحلية نفسها. المفارقة أن الطماطم، السلعة الأكثر حضوراً على المائدة المصرية، أصبحت في أسابيع ما قبل عيد الأضحى سلعة نادرة في بيوت كثيرة، رغم أن المصريين يعتمدون عليها في أغلب أطباق العيد الشعبية؛ من "المرقة" إلى المحشي والفتة والمشويات والمسبكات التي لا تُطبخ تقريباً بدونها.
مع انفجار الأسعار، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات ساخرة وغاضبة لمقاطعة شرائها تحت شعار "خلوها تعفن"، في محاولة للضغط على التجار وخفض الأسعار، بعدما شعر كثير من المواطنين أن شراء كيلو طماطم بات يحتاج إلى "قرار اقتصادي" لا يقل صعوبة عن شراء اللحوم.
في أحد الأسواق الشعبية بمدينة الجيزة غرب العاصمة، وقفت سنية راضي، وهي سيدة خمسينيّة جاءت تبحث عن ثلاثة كيلوغرامات من الطماطم استعداداً لوجبات العيد، لكنها خرجت بكيلو واحد فقط من الطماطم عيار 21 بسعر 40 جنيهاً للكيلو، بعد جولة طويلة بين الباعة. تقول راضي لـ"العربي الجديد" وهي تحمل كيساً صغيراً بالكاد يكفي مرقة الأضحية: "أصبحنا نحسب الطماطم بالحباية وليس بالكيلو".
لم ترتفع أسعار الطماطم وحدها في موسم يفترض أنه موسم "اللمة والولائم"، بل لحقت بها معظم الخضروات الأساسية، فورق العنب كما رصد "العربي الجديد" تجاوز 100 جنيه للكيلو، وحبة الكرنب الواحدة وصلت إلى 50 جنيهاً للكبيرة و40 جنيهاً للصغيرة، بينما قفز سعر الكوسة والباذنجان، حتّى التفاح المصري، الذي كان يوماً فاكهة "موسمية معقولة" للأسر المصرية، ظهر في الأسواق بسعر 50 إلى 75 جنيهاً للكيلو، لتصبح المقارنة بين الطماطم والتفاح ممكنة لأول مرة داخل الأسواق الشعبية.
يرفض التجار تحميلهم وحدهم مسؤولية الأزمة. في سوق الجملة، يقول عدد من الباعة إنّ المعروض القادم من المزارع انخفض بشدة خلال الأيام الأخيرة، خصوصاً مع بدء عطلة العيد وارتفاع درجات الحرارة، مؤكدين أن الأزمة بدأت من "ضعف التوريد" وزيادة الطلب لا من الأسواق. تشير تقديرات سوقية إلى أنّ المعروض الحالي من الطماطم أقل من المعتاد بما يتراوح بين 15% و25%، نتيجة انتهاء جزء من العروة الشتوية وتأخر التدفقات الكبيرة للعروة الصيفية، إلى جانب موجات الحرارة المرتفعة التي ضربت فجأة مناطق زراعية رئيسية أدت إلى فاقد كبير في الإنتاج.
وساهم ارتفاع تكاليف النقل والسولار والكهرباء للري الزراعي والأسمدة والعمالة في دفع الأسعار إلى مستويات قياسية، بينما اتجه جزء معتبر من الإنتاج إلى التصدير للأسواق الخليجية مع زيادة الطلب قبل موسم الحج والصيف. يقول نقيب الفلاحين حسين عبد الرحمن أبو صدام، إنّ الأزمة الحالية تعكس "خللاً واضحاً بين التصدير واحتياجات السوق المحلي"، مشيراً إلى أنّ ارتفاع تكاليف الزراعة والطاقة والنقل دفع كثيراً من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو رفع الأسعار لتعويض الخسائر.
يضيف نقيب الفلاحين أن زيادة الطلب المحلي، إلى جانب التوسع في التصدير، ضغطا بقوة على السوق، مؤكداً في الوقت نفسه أن الأسعار مرشحة للتراجع بعد عيد الأضحى مع دخول إنتاج العروة الصيفية الجديدة، متوقعاً هبوط سعر الطماطم إلى حدود 20 جنيهاً للكيلو إذا تحسّن المعروض. أما الحكومة فتتجاهل أن خلف أزمة الطماطم، صورة أكبر تبدو أكثر قسوة. فتقارير اقتصادية دولية حديثة، بينها تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، حذرت من هشاشة متزايدة في منظومة الغذاء المصرية، في ظل تضخم سكاني متسارع، وضغوط مائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، واعتماد واسع على الاستيراد والتصدير معاً.
وبينما تتحدث الحكومة عن تشجيع الصادرات الزراعية باعتبارها مصدراً للعملة الصعبة، يشعر كثير من المواطنين أن الدولار الذي تكسبه الدولة من التصدير، يخرج مباشرة من جيوبهم في الأسواق، إذ لم تعد الطماطم مجرد محصول زراعي أو سلعة غذائية رخيصة كما اعتاد المصريون لعقود، بل تحولت إلى مرآة مكبرة لأزمة أعمق ترتبط باقتصاد يطارد الدولار، فيما يطارد المواطن طبق السلطة.
