مئوية روبرت كريلي: شاعر نقل القصيدة خارج الغرف المغلقة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لا يزال حضور الشاعر الأميركي روبرت كريلي، الذي يحتفل هذا العام بمرور مئة عام على ميلاده، مؤثراً في أجيال متعاقبة من الشعراء في بلاده وحول العالم، إذ يُعد أحد أبرز الأسماء التي أعادت تشكيل القصيدة الأميركية الحديثة في النصف الثاني من القرن العشرين، بفضل أسلوبٍ متفرّد قام على الاقتصاد اللغوي، والتوتر الإيقاعي، والنظر إلى القصيدة بوصفها تجربة شعرية مفتوحة. ظلّ كريلي الذي صدرت مختارات من قصائده بالعربية العام الماضي بعنوان "من أجل الحب" عن دار جبرا للنشر والتوزيع بترجمة صادق زورة، محتفظاً بذلك الصوت المتردّد والقلق الذي طبع أعماله منذ بداياته حتى سنواته الأخيرة، حيث توالت مجاميعه الجديدة مثل "الحياة والموت"، و"لو كنت أكتب هذا"، قبل أن يصدر ديوانه "الأرض" عقب وفاته عام 2005 في مدينة أوديسا بولاية تكساس. وُلد روبرت كريلي عام 1926 في أرلينغتون بولاية ماساتشوستس، ونشأ في بيئة نيو إنغلاندية ستترك أثرها البارز على حساسيته الشعرية، رغم تنقلاته الكثيرة بين أوروبا وأميركا اللاتينية. التحق بجامعة هارفارد عام 1943، لكنه غادرها خلال الحرب العالمية الثانية ليعمل سائق سيارة إسعاف في الهند وجنوب شرق آسيا ضمن "الخدمة الميدانية الأميركية"، قبل أن يعود إليها مجدّداً؛ لكن من دون أن يستكمل شهادته الجامعية. تُرجمت مختارات من شعره للعربية بعنوان ’من أجل الحب‘ تنتمي تجربة كريلي إلى تيار الموضوعانية (Objectivism) الذي مهّد له شعراء مثل ويليام كارلوس، ووالاس ستيفنز، وتشارلز ريزنيكوف، وغيرهم في ثلاثينيات القرن الماضي. لكن لقاءه بالشاعر تشارلز أولسون مطلع الخمسينيات، شكّل نقطة التحوّل الأساسية في حياته الأدبية، إذ تعرّف بفضله إلى أجواء كلية بلاك ماونتن، وهي المؤسسة الفنية التجريبية التي أصبحت مركزاً لحركة شعرية جديدة في الولايات المتحدة. بتشجيع من رفيقه أولسون عميد كلية بلاك ماونتن آنذاك، أنشأ كريلي مجلة "بلاك ماونتن ريفيو"، التي غدت منبراً رئيسياً للأدب التجريبي المعاصر، حيث احتضنت عدداً من الأسماء الطليعية البارزة، عُرفوا لاحقاً باسم "جماعة الجبل الأسود". وقد ساهم كلاهما خلال تلك المرحلة في تطوير مفهوم "الشِّعر الإسقاطي"، القائم على تحرير القصيدة من الأشكال التقليدية وتركها تتشكّل وفق إيقاع التنفّس والدفقة الشعورية بدلاً من الوزن التقليدي. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة التي وردت في بيان الشّعر الإسقاطي: "الشكل ليس أكثر من امتداد للمحتوى"، وهي من أكثر العبارات تأثيراً في الشعر الحديث. كما تأثرت تجربة كريلي بموسيقى الجاز وفنون الارتجال والرسم التجريدي، خصوصاً أعمال جاكسون بولوك وموسيقى عازف الساكسفون تشارلي باركر. هاجس الانفتاح هو ما دفع الشاعر إلى الاشتغال مع فنانين موسيقيين ورسامين ونحاتين من أجيال مختلفة. وربما كان هذا أهم الدروس التي تركها كريلي لتلامذته، وهي إخراج القصيدة من الأماكن المغلقة؛ فالشعر برأيه ليس انسحاباً من العالم بقدر ما هو دخول إليه عبر أعمق الطرق، ومن الجهة غير المتوقعة، التي تبتكرها القصيدة. رغم أنه بدأ بالنشر منذ الخمسينيات، فإن الاعتراف الواسع بتجربته جاء مع صدور مجموعته الشهيرة "من أجل الحب: قصائد 1950-1960"، ثم توالت بعد ذلك أعماله الشعرية مثل "كلمات"، "قطع"، "لاحقاً"، "حدائق الذاكرة"، "أصداء"، و"هكذا إذن"، إلى جانب روايته الوحيدة "الجزيرة"، فضلاً عن كتبه النقدية ومشاريعه الفنية المشتركة. انشغال دائم بطبيعة القصيدة نفسها، بعيداً عن هالة ’الشاعر‘ حظي كريلي خلال حياته بتقدير أدبي وأكاديمي واسع. إذ شغل منصب شاعر ولاية نيويورك بين عامي 1989 و1991، ودرّس لسنوات طويلة في جامعة بوفالو، حيث ساهم في تحويل برنامج الشِّعر فيها إلى أحد أهم مراكز الكتابة الطليعية في الولايات المتحدة. كما نال عدداً من الجوائز الكبرى، بينها جائزة بولينغن للشعر عام 1999، وجائزة لانان الأدبية، إضافة إلى انتخابه عضواً في الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب. عبر شِعر مقتصد لغوياً وعالي الكثافة الشعورية، التقط كريلي لحظة الإدراك قبل تلاشيها، معتمداً على التقطيع والصمت والإيقاع الداخلي للجملة، وبدا ذلك واضحاً أيضاً في طريقة إلقائه. فعند قراءته القصائد بصوتٍ عالٍ، كان يتوقف عند نهايات الأسطر توقفات قصيرة جداً، فتتشكّل بذلك نبرة متقطعة ومتوترة، مختلفة تماماً عن إيقاع قراءات شعراء آخرين. لم يكن ذلك مجرّد أسلوب أداء، بل جزءاً من بنية القصيدة نفسها، القائمة على الإحساس الدائم بالتقدّم المتردّد نحو السطر التالي، وكأن القصيدة تبحث عن شكلها أثناء كتابتها. كلمات النص الشعري بنظر كريلي ليست أدوات شفافة لكشف المعنى، بقدر ما هي كائنات حيّة ذات حضور مادي، ولعل هذا ما جعلها أحياناً عصية على التلقي الأول، إلاّ أن "الغموض المقصود" ظلَّ جزءاً من رؤيته للقصيدة بوصفها تجربة لا تُستهلك بسهولة. كما أنها ليست موضوعاً موجهاً يحمل رسالة ما، بقدر ما هي حدث يقع داخل اللغة نفسها. وقد ظلّ الشاعر ينظر إلى الكتابة من خلال هذه الرؤية باعتبارها فعلاً مفتوحاً على الاحتمال، لا يسعى فيها إلى يقين مطلق أو معنى مغلق. وقد لخّص هذا التصور حين شبّه القصيدة بالرقص، الذي لا يحمل معنى خارج فعله ذاته. آمن كريلي أيضاً بأن الكتابة ضرورة وليست خياراً، وكان يستشهد كثيراً بعبارة صديقه الشاعر ويليام كارلوس ويليامز: "لماذا نكتب قصيدة؟ لأنها موجودة لتُكتب". وقد قاده هذا التواضع العميق أمام اللغة إلى انشغال دائم بطبيعة القصيدة نفسها، بعيداً عن هالة "الشاعر". وعلى الرغم من كل تلك الممارسات التجريبية، وانخراطه في الطليعة الشعرية، فإنّه ظل، من بعض الوجوه، شاعراً منزلياً بامتياز، فأمه وأطفاله وزوجاته وأصدقاؤه المقرّبون يشكّلون أفضل قصائده. وقد منح هذا البعد الشخصي كتابته حرارة إنسانية واضحة، وجعل أكثر نصوصه تجريبية قريبة من الحياة اليومية وتفاصيلها الحميمة؛ إذ استطاع الشاعر في قصائده المقتصدة، تحويل تلك التفاصيل اليومية العابرة إلى تأملات في العزلة والخوف والحب والشيخوخة والزمن. ومن ترجمة صادق زورة، نقدم قصيدتين: موسيقا الماء الكلمات موسيقا جميلة الكلمات تتقافز كأنها في الماء. موسيقا الماء،  صاخبة عند انصراف الزوارق،  الطيور، الأوراق. يبحثن عن مكان للاستراحة والأكل. دون معنى أو مغزى. اللغة ضع أنا أحبك في مكان ما بين الأسنان في العيون، اطبق عليها بأسنانك ولكن حذار أن تؤذيها، أنت تريد الكثير القليل الكلمات تشي بكل شيء. أنا أحبك ثانية،  ثم  ما جدوى الفراغ. لتملأه، أسمع كلمات كلمات مليئة بثقوب تتألم. الكلام فم.  

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية