عربي
كان هذا "المشوار" طقساً أسبوعياً مقدّساً، يبدأ من الصعود إلى محطّة جمال عبد الناصر في وسط القاهرة، ومعاينة "فرشة الإسعاف"، وفيها آلاف الكتب القديمة بأسعار في متناول "أيّ أحد". هناك تجد "اللُقط"، وتظلّ تجربة شرائها مؤرخّة في ذاكرتك باليوم واللحظة وسعر الكتاب. وبعد عشرات السنين، أشير إلى كتب بعينها في مكتبتي وأقول: هذه من "فرشة الإسعاف".
ومنها إلى فروع الهيئة المصرية العامّة للكتاب في وسط البلد؛ الفرع الأكبر أمام دار القضاء العالي، وأخواه على بعد أمتار قليلة: فرع 26 يوليو، وفرع أحمد عرابي. كانت زيارة هذه الفروع الأسبوعية، بغرض الاطلاع أولاً على جديد مشروع مكتبة الأسرة، أحد أكثر إنجازات عهد حسني مبارك النادرة أهمّيةً، إذ كانت الدولة تطبع كتباً مدعومةً تغطّي شتّى فروع المعرفة، وكذلك الأفكار والمدارس والفرق، من دون تمييز فجّ، قبل أن تنتهي الرحلة بسور الأزبكية بجوار محطّة العتبة، الذي يجمع أزمنة البشر المعرفية، ماضيهم وحاضرهم، في مكان واحد وزمان واحد هو الأزبكية.
هل التفت منظّمو معرض الدوحة إلى جغرافيا "النوستالجيا المصرية" في اختيار أماكن الأجنحة؟ لا أعرف. لكن ما حدث أنّني دخلت إلى معرض الدوحة في الأسبوع الماضي لأجد ابتداءً "فرشة دار المعارف"، التي اعتبرتها بديلاً من "الإسعاف"، وقد امتلأت ممرّاتها ورفوفها بتراث الأدب العربي، من امرئ القيس إلى طه حسين. وأمامها جناح الهيئة المصرية العامّة للكتاب، التي كان غيابها أفضل ألف مرّةً من هذا الحضور الهزيل، والضعيف، والمحرج، والمحبط، شأن مؤسّساتنا الحكومية في داخل البلاد وخارجها.
ثمّ يمتدّ ممرّ طويل يأخذك إلى آخر معرض الدوحة (وليس شارع 26 يوليو)، ليستقبلك سور الأزبكية، صاحب الحضور الأجمل والأبهى والأمتع، فيستقبلك صوت الشيخ محمّد رفعت في أوّله، ويدعوك صوت أمّ كلثوم إلى شاي وقهوة "ببلاش"، وبينهما مكتبات السور يميناً ويساراً، تحمل تواريخ البلد، مدوّنةً على كتبها وصحفها ومجلّاتها ومكابدات كتّابها ومثقّفيها في عهودها السابقة.
استمرّت الهيئة المصرية في حضورها الهزيل إلى اليوم الأخير، بينما كانت دور النشر المصرية الخاصّة ودار المعارف والأزبكية هي التعويض المعرفي والنفسي عن هذا الحضور الذي بدا أقرب إلى الغياب لمصر الرسمية التي باتت تتعامل مع المعرفة بوصفها خصماً. لكنّني لم أتوقّف هنا كثيراً، وحاولت بالفعل أن أفهم: لماذا هذا الولع المُشترَك بين أغلب روّاد المعرض بحضور سور الأزبكية، على رمزيته؟ وهل تكفي النوستالجيا وحدها تفسيراً لهذا الزحام في داخله؟ هل خاض هؤلاء جميعاً مشوار جيلنا من "فرشة الإسعاف" إلى الأزبكية؟ بالطبع لا.
وجاءت الإجابة من جيل آخر، لا يعرف الأزبكية ولا زماناتها. كان اليوم الأخير يوم الأولاد كما وعدتهم، وذهبنا لشراء كتبهم، وأغلبها بالإنكليزية. وبعد انتهاء قدرتي الشرائية قبل انتهاء طموحاتهم، ذهبنا إلى الأزبكية بحجّة إلقاء السلام على صديق، ومن دون أيّ حكايات مسبقة عن المكان، تصنع إيحاء أو حكماً جاهزاً، توقّفت ابنتي، التي غادرت مصر في السابعة من عمرها، أمام المشهد كلّه، وبدأت من حيث بدأنا: سلاسل المؤسّسة العربية الحديثة، وتحديداً "رجل المستحيل"، بعناوينها وأغلفتها ومؤلّفها الراحل نبيل فاروق الذي علّمنا (رحمه الله) كيف نجلس لنقرأ بالساعات من دون ملل. ثمّ تجاوزت "سلمى" الاهتمام إلى الانبهار أمام أعداد الأهرام والجمهورية القديمة، وأغلفة المجلّات الفنّية، وصور نجوم الخمسينيّات والستينيّات، وطلبت شراء أفيشات أفلام لتعليقها في غرفتها، وأخذت عشرات الصور لمشاركتها مع أصدقائها، وسألتني للمرّة الأولى: هل ما زالت مصر كما تبدو في هذه الكتب والمجلّات القديمة؟
لا، ليست النوستالجيا وحدها، ولا الدعاية أو الحنين إلى ماضٍ متخيّل، تعويضاً عن حاضر بائس. ثمّة شيء حقيقي كان هنا ولم يعد. حتى "العيال"، ممَّن لا ذكريات لهم هناك، يرونه ويشعرون به، فيبهرهم، ويخبرهم، من دون شرح طويل، عن "القيمة" التي لا يجدونها في غيره، ومن ثمّ الانتماء.
شكراً للدوحة التي جمعت لأيّام قليلة ما فرّقته السنون.
