فخّ ثوسيديدس والمنافسة بين الصين وأميركا
عربي
منذ ساعة
مشاركة
حاول محلّلون كثيرون إلقاء الضوء على اللقاء بين ترامب وشي جين بينغ، زعيمَي أميركا والصين، من خلال منظور غراهام أليسون الذي ركّز في كتابه "حتمية الحرب" على "فخّ ثوسيديدس" أو ما اصطُلح على جعله عنواناً لأيّ صراع يقع بين قوّة صاعدة وأخرى مهيمنة، وكأنّ ما جاء عند أليسون هو القراءة الوحيدة لتفسير العلاقة المرتبكة بين العملاقَين الصيني والأميركي، إذ هناك صعود حتمي، ولكن مع احتفاظ أميركا بإمكانات ضبط الصعود والحفاظ على الهيمنة، بما سنورده من مؤشّرات في المقالة. كثيرة هي التحليلات التي كثر الحديث فيها، هذه الأيام، على خلفية زيارة ترامب إلى بكين، حول حتمية الحرب وفق المنظور المذكور، وكأنّ خيارات الغريمَين العملاقَين قد سُوِّيت لتكون متأرجحةً بين خطّين لا ثالث لهما: صعود حتمي وهيمنة، يلتقيان عند نقطة محدّدة هي الحرب، لأنّ التاريخ ذكر مثالاً يونانياً وثّقه ثوسيديدس بين دولتَين عكست الأولى نموذج الصين باعتبارها قوّةً صاعدةً، ودولة أخرى، هي أميركا، لا تريد أن تتخلّى عن الهيمنة والحتمية، وأنّ اللقاء بينهما سيجرّ إلى الحرب من دون استكشاف خيارات أخرى قد تكون هي الأجدى والأنفع. ولعلّ ما يتبادر إلى الذهن، وهذه واحدة من الحجج، أنّ غراهام أليسون، مثله مثل كلّ المنظّرين الأميركيين، يعملون لصالح المحور الصناعي العسكري الأميركي من خلال مراكز تفكير، وهو، بكتابه، يريد للصين أن تخرج من منطقها الاقتصادي الحصري لتنجرّ إلى صراعات قد يكون حتفها فيها، باعتبار أنّ مؤشّرات كثيرة تلعب لمصلحة صين مسالمة، ولكنّها عازمة على أن يبقى في خططها الوصول إلى عرش هرمية النظام العالمي يوماً ما، لعلّه في المستقبل المنظور، وفق مفكّر آخر أميركي أيضاً، هو بول كينيدي، في كتاب له يحمل عنوان "صعود القوى الكُبرى". تعمل الصين لحتمية التصدّر في مجالات تقنية دقيقة، وليس لحرب حتمية من بين الحجج، في منظورات أخرى كثيرة، أنّ الصين تتقدّم في مجالات تمسك بمدخلاتها، على غرار الأتربة النادرة وتكنولوجيا السيارات الكهربائية (بطاريات الليثيوم) والجيل الخامس من الإنترنت، التي، للمفارقة، تطوّرت بسبب تهديدات محتّمة مثارة، خصوصاً في بريطانيا، بأنّها، أي أعمدة الإنترنت في جيلها الخامس، هي أدوات للتجسّس، ليكون الردّ الصيني هو تأكيد التوجيه التقني الحصري للأجهزة مع تطويرها باستمرار، بناءً على تقارير التدقيق البريطانية، لتكون بذلك من بين حوافز التطوّر بتدارك النقائص تدريجياً. بالنسبة إلى الحجة السابقة، فإنّ الصين، من خلال الأعداد المهولة من شهادات براءات الاختراع والعدد المهول أيضاً للمهندسين المتخرّجين كلّ عام من جامعاتها، تعمل للتقدّم، وليس لحرب حتمية، بل إلى حتمية التصدّر في مجالات تقنية دقيقة تعمل فيها ليل نهار، والآخرون، خاصّةً الأميركيين، لا يملكون إلا تعطيلهم وكبح جماح ذلك التقدّم بالأدوات السلمية، وبالقوة الذكية، ومنها، على سبيل المثال، منعها من الوصول إلى الجيل المتقدّم من الشرائح الإلكترونية، خاصّةً في الذكاء الاصطناعي، التي تحوز أميركا حصرية التكنولوجيا الخاصّة بها بواسطة شركات رائدة، على رأسها شركة "أنفيديا" ذات القيمة الأعلى في البورصة العالمية. من ناحية ثالثة، هناك حجّة واهية يتعلّق بها المنادون بمنظور غراهام أليسون، أي حتمية الحرب، وهي أنّ الصين تعمل في إنشاء شركات أمنية خاصّة، كما تعمل في مساندة بعض أعداء الغرب، على غرار إيران، بتكنولوجيا بطاريات الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل هناك مساندة لإيران بتزويدها بصور الأقمار الصناعية، من جانبها ومن جانب روسيا، ولكن الصين لا تعمل إلا في مجالات لا يمكن أن تكون هي المساهمة في قلب موازين القوى، بل كلّ ما تصدّره إلى إيران تصدّره إلى دول أخرى، وهو يدخل في إطار المبادلات التجارية التي لا أثر لها في الحرب، بدليل أنّ إيران تصنع الطائرات من دون طيار ولها برنامج صاروخي متقدّم، بل تمتلك تكنولوجيا البطاريات، والصين، في هذا المجال، لا تقوم إلا بالمساندة اللوجستية ذات الطبيعة التجارية، ممّا لا يمكن أن يجرّ إلى حتمية الحرب، وهو ما عبّر عنه ترامب في زيارته بكين، إذ لم يشر إلى إمكانية تورّط الصين في مساندة جهات معادية لأميركا، بل إنّ الزيارة الأميركية، بمرافقة زهاء 17 من كبار رجال الأعمال الأميركيين لترامب، دليل على أنّ الأولوية الأميركية هي في إبقاء الصين في ملفّها الاقتصادي حصراً. هناك حجج أخرى، أميركية حصراً، على غرار التفوّق في حجم الناتج الخام، حيث الفارق كبير بين أميركا والصين بأكثر من 12 تريليون دولار لصالح واشنطن، كما أنّ العمل الأميركي جارٍ على قدم وساق لمنع مدخلات حركية العجلة الاقتصادية الصينية بالاستحواذ على نفط فنزويلا، ثمّ العمل على محاصرة مداخل ومخارج مضيق هرمز لمنع وصول جزء من النفط الآخر الذي تحتاجه الصين، إضافة إلى الغاز، بل وبعض مدخلات الغذاء، ما يتيح لنا القول إنّ أميركا نفسها نقلت حتمية الحرب من معناها العسكري إلى جانبها الاقتصادي، لعلمها بأنّ تحذيرات مؤشّرات الاقتصاد والهدف المُعلَن صينياً، بأنّها تستهدف صدارة النظام العالمي، هو، في آخر المطاف، معركة استراتيجية تدور رحاها، ولكنّ للاستحواذ على التفوّق التكنولوجي والصدارة الاقتصادية التي ما زالت لمصلحة أميركا، كما قدّمنا. المشكلة التي أثارها غراهام أليسون، وقبله بول كينيدي، في العمق، عند قراءة منظورهما إمّا لحتمية التقدّم الصيني نحو الصدارة أو حتمية الحرب بين من يريد البقاء في الصدارة ومن يتقدّم لاحتلالها، هي، في الحقيقة، في قيم المشروع الذي تتقدّم به الصين نحو الصدارة ولا تريد أميركا التخلّي عنها، وهي قيم الرأسمالية ضدّ القيم الكونفوشيوسية، أي حتمية الحرب، ولكن على مستوى القيم التي ستسود، وهي، بالنسبة إلى الغرب، معركة وجودية لأنّها تتعلّق بسردية تنظيم شؤون العالم، والنظرة إلى الإنسان والمال وإدارة الصراعات، ما لا يمكن أن يلتقي فيه النموذجان الصيني والأميركي، بل هما على النقيض في كلّ شيء، لتكون الحرب، في حتميتها، حول من ستكون له الهيمنة على القوّة الناعمة التي تتضمّن، في أعلى هرمها، قيم العالم وتنظيم شؤون العالم، وهي فكرة الصراع المتحوّل التي كان صمويل هنتنغتون طرحها في منظوره لـ"صراع الحضارات"، الذي صدر تقريباً في الوقت نفسه مع عمل بول كينيدي، وتلاهما عمل غراهام أليسون، ربّما ليقول الثلاثة للعالم إنّ الغرب، وفي مقدّمته أميركا، مشروع رأسمالي بقيمه وبترجمة تلك القيم على المستويات كافّة، ولا مجال لإزاحة ذلك المشروع من أيّ كان، وإلا فهي، في مسار تطوّر تلك المنظورات الثلاثة، حتمية الحرب على الهيمنة وإرادة البقاء فيها. بالنسبة إلى الغرب المعركة وجودية تتعلّق بتنظيم العالم والنظرة إلى الإنسان، لا يلتقي فيها النموذجان الصيني والأميركي يريد الغرب إيقاف الزحف الصيني. ولكن، بفلسفة المشروع الصيني، الأداة الوحيدة التي تتقدّم بها الصين هي بنعومة الحرير الذي أطلقت بعنوانه استراتيجيتها للتمدّد الاقتصادي، وخصّصت لها موارد مالية ضخمة، لم تستفق أميركا إلا على أنّ الصين تفهم الاستراتيجية وتقرأ المنظورات الصراعية الأميركية وتعمل على مناقضتها بما يحيّدها ويجعلها غير ذات فائدة. ومهما حاولت أميركا استفزاز الصين، فإنّ زعماء بكين رؤاهم مرتكزة على اعتلاء الصدارة بالاقتصاد وبالتكنولوجيا التي أصبحوا يملكون زمامها ومدخلاتها، وبذكاء كبير يعملون على رفع تحدّي استراتيجية التعطيل للتقدّم الصيني التي تحاول أميركا استخدامها، وهو ما يبرز حجم الارتباك في شنّ صراعات هنا وهناك، على غرار ما يجري في الشرق الأوسط، وربّما غداً حلّ حلف شمال الأطلسي (ناتو) والارتداد نحو مبدأ مونرو، "أميركا للأميركيين"، بقصد التفرّغ لشأن الهيمنة والإبقاء عليها بشتى الوسائل، بعيداً من حتمية الحرب التي ادّعاها غراهام أليسون ويحاول بعضهم، على وقع طبول حرب الشرق الأوسط، ترويجها. وجاءت زيارة ترامب إلى الصين، ربّما، لتصحيح مسار ذلك التفكير وتوجيه الأنظار نحو المعركة المقبلة وطبيعتها على مستويين: الأول اقتصادي ـ تكنولوجي، والآخر قيمي، بمنع قيم الكونفوشيوسية من الانتصار والانفراد بقيادة قيم العالم على حساب قيم الغرب والرأسمالية. بمثل هذا التحديد لمعاني المنظورات الأميركية، يمكننا فهم حجم الهوّة بين حتمية الحرب، كما يصوّرها غراهام أليسون من خلال تضخيم حادثة تاريخية وتفسيرها بأنّها بمرجعية الخوف من قوّة مقبلة نحو الصدارة من قوة مهيمنة، وحتمية نقل الصراع إلى مجالي الاقتصاد ـ التكنولوجيا والقيم، وبأنّ المعركة المقبلة حضارية، ولكن ليست في جبهة الحرب التي طوّر الجميع أدوات خوضها باستراتيجية "صفر مقاتلين من البشر"، من خلال الآلة والعالم الافتراضي والذكاء الاصطناعي، فللمرّة الأولى، منذ الثورة الصناعية وبروز الرأسمالية، هناك مشروع من خارج الدائرة الغربية يتقدّم نحو الصدارة ويطرح مشروعاً مناقضاً تماماً للمشروع الغربي على المستويات كلّها، وصعوده هو الحتمي بحكم المؤشّرات التي أتينا على بعضها، وممّا يؤكّد عليه المنظّرون من خارج منطق حتمية الحرب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية