عربي
تُبدي إسرائيل عدم رضاها عمّا رشح لغاية الآن من معلومات بشأن تقدّم المفاوضات بين أميركا وإيران ومن بنود الاتفاق المحتمل. بالنسبة لإسرائيل، فإن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يُعدّ غير مُرضٍ. بالإمكان فهم مخاوف إسرائيل وخيبة أملها من احتمال التوصل إلى اتفاق من خلال مراجعة ورقة تحليلية مطوّلة نُشرت قبل أيام قليلة من بدء الحديث عن تقدم جدي في المفاوضات والاقتراب من التوصل إلى اتفاق (17 مايو/أيار الحالي).
وقد أعدّ هذه الورقة تامير هايمن، رئيس معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب (وشغل منصب رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" بين عامي 2018 و2021)، بعنوان: "تلخيص المرحلة الأولى من الحرب على إيران (المسماة إسرائيلياً "زئير الأسد")، حتى وقف إطلاق النار". وفقاً لهايمن فقد نجحت "حرب الأيام الاثني عشر" على إيران في صيف العام الماضي في إرجاع المشروع النووي إلى الوراء، وإضعاف مؤقت لجهود إيران في إنتاج الصواريخ، وإظهار التفوق العسكري لإسرائيل. وبدا وكأن إسرائيل قد حققت انتصاراً واضحاً فيها.
لكن منذ اليوم الأخير للحرب، تبيّن أن هذا الإنجاز لم يكن مستقراً. فقد نجحت إيران، مباشرة بعد انتهاء الحرب، في التعافي بسرعة أكبر مما كان متوقعاً في مختلف مكونات أمنها القومي، وبدأت بإعادة تأهيل مشروعها النووي، وعادت إلى إنتاج الصواريخ أرض ــ أرض بوتيرة متسارعة. كما واصلت تقديم دعم مالي كبير لحزب الله والعمل على إعادة ترميم قدراته العسكرية. وبحسب هايمن، كان واضحاً أن حرباً وقائية أخرى ستكون ضرورية، وأن المسألة تتعلق بالتوقيت فقط.
يشير هايمن إلى أن الحرب الحالية على إيران تتميّز بغياب التزام كامل بهدف واحد وواضح. فقد دخل الجيشان الإسرائيلي والأميركي إلى المعركة في ظل غياب الانسجام بين رؤية المستوى السياسي والخطة العسكرية. فعلى الرغم من وجود طموح لدى بعض الأوساط العسكرية لتغيير النظام في إيران، فإن الخطة العسكرية ركّزت أساساً على إزالة التهديدات. وينبع هذا التباين من الفجوة بين الطموحات والقدرات، إذ رأى المستوى السياسي في كل من إسرائيل والولايات المتحدة أن إسقاط النظام هدف مشروع. في المقابل، أكّد المستوى العسكري في كلا البلدين أن إسقاط نظام عبر حملة عسكرية أمر غير ممكن. لذلك، جرى تقليص الأهداف العسكرية الرسمية إلى "تهيئة الظروف" لتغيير النظام وإضعاف التهديدات، بينما بقي إسقاط النظام هدفاً سياسياً أعلى، وطموحاً واضحاً لكنه غير ملزم.
تامير هايمن: الحرب على إيران تتميّز بغياب التزام كامل بهدف واحد وواضح
وقد تمحورت المرحلة الأولى من الحرب حول هدف إسقاط النظام، بدءا من اغتيال القيادات السياسية والعسكرية، وصولاً إلى إلغاء مخطط إشراك القوات الكردية في الحرب من الداخل. وكان من المخطط أن تشكّل هذه العملية حجر الزاوية ضمن سلسلة من العمليات السرية الأخرى ذات الغاية المشابهة. إلا أن ترامب ألغى العملية الكردية، على ما يبدو بسبب معارضة تركيا، وكذلك اعتراض عدد من الدول العربية. ومع الغاء هذه العمليات السرية من جدول الأعمال، أُزيل العامل الرئيسي الذي كان يمكن أن يزعزع استقرار النظام. وكان هدف المرحلة الثانية (من اليوم الخامس حتى وقف إطلاق النار) استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية وإزالة التهديدات الاستراتيجية بشكل تدريجي.
أما على أرض الواقع، فقد نجحت إيران في تنفيذ عملية انتقال السلطة إلى مرشد أعلى جديد، وبنت في الوقت نفسه، خلال الحرب، منظومة قيادة وسيطرة فاعلة من دون حدوث أي حالات انشقاق. بذلك لم يتحقق هدف تغيير النظام في إيران ولا تدمير المشروع النووي، واستمرت المنظومة العسكرية الإيرانية في أداء مهامها. صحيح أن إغلاق مضيق هرمز لم يُفاجِئ أجهزة الاستخبارات، الا ان توقيت الإغلاق كان مفاجئاً، بحيث جاء أبكر مما كان متوقعاً وبأدوات غير متوقعة. أدّى إغلاق المضيق إلى تغيير مسار الحرب وتركيز الاهتمام الأميركي على محاولة إعادة فتحه. ونتيجة لذلك، تغيّر ترتيب أولويات الضربات الجوية. وأدّى إغلاق المضيق إلى خلق أول فجوة واضحة بين المصلحة الإسرائيلية ونظيرتها الأميركية. والأهم، أن إيران نجحت في إحراج الولايات المتحدة عندما فرضت إرادتها عليها وعلى العالم باستخدام القوة العسكرية. وهكذا، منح إغلاق مضيق هرمز إيران أداة ضغط عالمية جديدة، تتجاوز الورقة النووية، وهي تستغلها إلى أقصى حد ممكن.
يشير هايمن إلى أنه عند وقف إطلاق النار، كانت إيران لا تزال تحتفظ بنسبة تتراوح بين 60 و70% من قدرتها على إطلاق الصواريخ (الصواريخ ومنصّات الإطلاق)، إضافة إلى امتلاكها مواد نووية مخصّبة، تشمل نحو 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، ومئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصّب بنسبة 20%، وعدة أطنان من اليورانيوم المخصّب بنسبة أقل من 20%. بذلك يمكن الاستنتاج أن نتائج الحرب حتى الآن تختلف إلى حدّ كبير عمّا تدّعيه إسرائيل. ورغم دقة المعلومات الاستخبارية والقدرات الهجومية اللافتة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، لم يتم تدمير المقرات المركزية لقيادة الطوارئ الإيرانية (مقر "خاتم الأنبياء" والحرس الثوري). إذ حققت العديد من الضربات تعطيلاً جزئياً ومؤقتاً فقط، حيث عادت هذه المقرات إلى العمل الكامل خلال وقت قصير، وبقيت قدرة القيادة والسيطرة العسكرية قائمة.
الحرب على إيران أضرّت بمكانة إسرائيل الدولية
وفقاً لهايمن، تشهد مكانة إسرائيل على الساحة الدولية تراجعاً في السنوات الأخيرة. ولم يبدأ هذا التدهور في السابع من أكتوبر 2023، لكنه تسارع بشكل ملحوظ على خلفية استمرار الحرب في قطاع غزة وتداعياتها. وفي هذا السياق، جاءت الحرب مع إيران لتزيد من تفاقم هذا التراجع. في الولايات المتحدة، تُتَّهَم إسرائيل بأنها دفعت ترامب إلى خوض حرب ضد إيران، خلافاً للمصلحة الأميركية. وحتى أكثر مؤيدي الرئيس تشدداً، من أنصار حركة "ماغا" (جعل أميركا عظيمة مرة أخرى)، لا يتقبلون هذه الحرب ويعبّرون عن انتقادات لها. وفي الحزب الديمقراطي، تحوّلت معارضة بيع السلاح لإسرائيل إلى موقف شبه توافقي. في هذا السياق، ستكون طريقة إنهاء الحرب عاملاً حاسماً في مستقبل العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. فإذا اعتُبرت الحرب فشلاً، فإن إسرائيل ستتحمّل جزءا من المسؤولية، أما إذا استؤنفت الحرب وارتفعت الكلفة على الولايات المتحدة من دون تحقيق نتائج مختلفة، فإن التداعيات على إسرائيل ستكون أكثر خطورة. في المقابل، إذا أدّى استئناف الحرب إلى إحداث تغيير ملموس على المدى البعيد، فقد تصبح إسرائيل جزءا من انتصار أميركي تاريخي في الشرق الأوسط. وهنا تكمن المعضلة التي تواجه ترامب: مقامرة عالية المخاطر بين نصر تاريخي وهزيمة خطيرة.
"الاتفاق" يتعارض مع مصلحة إسرائيل
يرى هايمن أن الحرب مع إيران لم تنتهِ بعد، ولذلك من المبكر استخلاص استنتاجات حاسمة بشأن نجاحها أو فشلها. وسيجري تقييم هذه المواجهة مستقبلاً وفق محورين زمنيين، على المدى القصير، لمعرفة ما إذا كانت التهديدات قد أُزيلت عن إسرائيل (البرنامج النووي، الوكلاء، الصواريخ)؛ وعلى المدى البعيد، لفهم ما إذا كانت الحرب قد غيّرت سياسة إيران، وفي أي اتجاه، هل ستكون نحو مزيد من التشدّد، أو نحو التسوية، أو نحو تغيير في النظام باتجاه أكثر براغماتية. ويضيف أن ثلاث مقاربات رئيسية تبلورت على مرّ السنين لمواجهة التهديد الإيراني: اتفاق نووي، أو الحرب، أو الضغط الاقتصادي المستمر. وتسعى هذه المقاربات الثلاث إلى تحقيق هدفين أساسيين، هما تقليص التهديدات وزعزعة استقرار النظام بما يسرّع نهايته. وفي ظل فترة الانتظار الحالية، لا تزال جميع هذه الخيارات مطروحة.
تشير المعلومات التي تسرّبت حتى الآن بشأن بنود الاتفاق الآخذ في التبلور بين إيران والولايات المتحدة إلى أنها لا تنسجم مع السيناريوهات التي يطرحها هايمن، والتي تعكس إلى حدّ كبير موقف المؤسسة العسكرية والأمنية في إسرائيل. فلا يدور الحديث عن اتفاق نووي جديد، ولا عن استئناف الحرب، ولا عن استمرار الحصار، ولا عن قطع العلاقات والدعم لحلفاء إيران في المنطقة، خاصة حزب الله، بل عن فكّ الحصار، وتحرير الأرصدة الإيرانية المجمّدة، وإعادة فتح مضيق هرمز، على أن تُستأنف لاحقاً المفاوضات بشأن المشروع النووي.
من هنا يمكن فهم أسباب خيبة الأمل الإسرائيلية في حال التوصل فعلياً إلى اتفاق نهائي بين إيران والولايات المتحدة وفق هذه البنود. فبدلاً من أن تُشكّل الحرب على إيران وحزب الله "آخر الحروب" التي تمكّن إسرائيل من خلالها من فرض هيمنتها على المنطقة، فإنها قد تتحول إلى نقطة انعطاف تُعيد النظر في ما تعتبره إسرائيل إنجازات تحققت منذ السابع من أكتوبر 2023، بل وربما إلى انتكاسة جدية في وضعها الاستراتيجي. وفي هذه الحالة، لا يمكن استبعاد الاحتمال بأن تسعى إسرائيل إلى تعطيل التوصل إلى اتفاق، أو العمل على إفراغ أي اتفاق من مضمونه، إذا ما اعتبرته اتفاقاً سيئاً أو حتى كارثة استراتيجية. خاصة أن مصير نتنياهو السياسي قد يرتبط بشكل وثيق بنتائج الحرب على إيران، لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة.
