عربي
لم يعد ظهور الفنانين في وسائل الإعلام التقليدية وحده كافياً للحفاظ على حضورهم وتأثيرهم لدى الجمهور. في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي عالمياً وعربياً، ومع تغير أنماط التلقي وصعود المنصات الرقمية بوصفها المساحة الأكثر تأثيراً وانتشاراً، برز البودكاست باعتباره واحداً من أبرز أشكال الإعلام الجديد التي استطاعت خلال سنوات قليلة أن تعيد تشكيل العلاقة بين الضيف والمتلقي، وأن تفرض نمطاً مختلفاً من الحوارات يعتمد على العمق والهدوء والإنسانية، بعيداً عن إيقاع البرامج التلفزيونية التقليدية القائم غالباً على السرعة والاختصار والسعي وراء الترند أو الإثارة اللحظية.
خلال الفترة الأخيرة، اتجه عدد متزايد من الفنانين والمشاهير إلى الظهور في برامج البودكاست التي تعرض عبر منصات متعددة مثل "يوتيوب" و"سبوتيفاي" و"آبل" وغيرها، في تحول يعكس بوضوح تغير فلسفة الظهور الإعلامي نفسه، فلم يعد الفنان يبحث عن مساحة لترويج عمل جديد، أو الرد على شائعة أو تصدر المشهد، بل بات يبحث أيضاً عن مساحة أصدق تسمح له بالكشف عن جوانب إنسانية وشخصية ربما لم يكن الجمهور يعرفها من قبل.
يمنح البودكاست للفنانين ما يفتقده كثير من البرامج التقليدية، وهو الوقت؛ إذ أصبح الحوار أقرب إلى جلسة إنسانية طويلة تتداخل فيها الحكايات الشخصية مع التجارب المهنية والتأملات الخاصة.
في كثير من الأحيان، لا يحصل الفنانون على مقابل مادي مباشر نظير مشاركتهم في هذه اللقاءات، إذ يقوم الأمر بدرجة أكبر على القيمة المعنوية والترويجية التي يحققها الظهور نفسه، وعلى التأثير الذي يمكن أن يتركه الحوار لدى الجمهور.
وقد تحدث بعض الفنانين عن ذلك بوضوح، من بينهم الفنان أحمد فهمي الذي كشف خلال ظهوره في بودكاست ABtalks مع الإعلامي أنس بوخش أنه لم يحصل على أجر مقابل الحلقة، موضحاً أن مشاركته جاءت انطلاقاً من رغبته في خوض تجربة إعلامية مختلفة، ومن قوة علاقته الشخصية بالمذيع.
هذا التحول يكشف أن العلاقة بين الفنان والجمهور أصبحت تُصاغ عبر السرد الشخصي، أي قدرة الفنان على مشاركة تفاصيله وأفكاره ومخاوفه وتجربته الإنسانية مباشرةً وبصدق. فالجمهور في عصر المنصات الرقمية أصبح أكثر انجذاباً إلى العفوية والاعترافات والحكايات الشخصية التي تمنحه شعوراً بالقرب الحقيقي من نجمه المفضل.
خلال السنوات الأخيرة، بدأت المؤسسات الإعلامية العربية تدرك حجم التأثير الذي بات يملكه البودكاست، فسعت إلى إنتاج برامج خاصة بها تجمع بين الطابع المهني التقليدي وروح المنصات الرقمية الحديثة.
ومن أبرز هذه التجارب برنامج "بيغ تايم" (Big Time) الذي قدمه الإعلامي عمرو أديب وعُرض حصرياً عبر منصة شاهد، قبل أن تُعرض مقتطفات منه عبر "يوتيوب" ومختلف منصات التواصل الاجتماعي.
استطاع البرنامج أن يحقق نسب مشاهدة مرتفعة، مستفيداً من شعبية عمرو أديب الواسعة، إضافة إلى طبيعة الوجوه التي استضافها، إذ ظهر خلاله عدد من أبرز النجوم العرب والعالميين، من بينهم ويل سميث، والممثلة نانسي عجرم، وأنغام، وشيرين عبد الوهاب، وأصالة نصري، ويسرا، إلى جانب ليونيل ميسي الذي مثّل ظهوره واحدة من أبرز اللحظات الإعلامية عربياً.
في تصريحات لـ"العربي الجديد"، تقول الممثلة يسرا إنها تميل إلى الظهور غير التقليدي بين الحين والآخر، وإن ما جذبها إلى البودكاست هو الشعور الكامل بالحرية وعدم وجود قيود صارمة على الحوار، إلى جانب اهتمام بعض هذه البرامج بالجانب الإنساني للفنان أكثر من التركيز على الأخبار السريعة أو الأسئلة المستهلكة. توضح أنها تفضل دائماً أن تظهر بطبيعتها، سواء في البودكاست أو البرامج التقليدية، وأن تتحدث كما لو كانت تجلس وسط أصدقائها.
خلال الفترة الأخيرة، ظهرت يسرا في أكثر من تجربة بودكاست، فإلى جانب مشاركتها في "بيغ تايم"، حلت ضيفة على برنامج "ذا سايت" (The Sight) عبر منصة ووتش إت (Watch It)، كما ظهرت في البودكاسترز الذي يقدمه باسل الزارو، إضافة إلى ظهورها في ABtalks مع أنس بوخش، في حلقة لفتت الأنظار لأنها شهدت ظهورها الإعلامي الأول برفقة زوجها خالد سليم.
بدورها، تؤكد الممثلة إلهام شاهين أنها تحب تجارب البودكاست، لأنها ترى فيها مساحة لتجارب إعلامية جديدة وشباب يحاولون تقديم طرق مختلفة وغير تقليدية للحوار. توضح أن أكثر ما يجذبها هو الابتعاد عن الضغط والتدخل المبالغ فيه في الحياة الشخصية للفنانين، مشيرة إلى أن هناك برامج تقوم فكرتها الأساسية على الإثارة والفضائح، وهي ترفض الظهور فيها مهما كان المقابل المادي، مؤكدة أن المال لم يكن يوماً العامل الأساسي في اختياراتها الإعلامية.
تضيف أنها شعرت خلال مشاركاتها في البودكاست بأنها تتحدث داخل بيت عائلي، حيث يسود الهدوء والراحة والإنصات الحقيقي، ما جعل التجربة بالنسبة لها أكثر إنسانية ومتعة مقارنة ببعض البرامج التقليدية.
تشاركها الرأي الفنانة انتصار التي أوضحت أن تجربتها مع البودكاست كانت مختلفة عن البرامج المعتادة، مشيرة إلى أن طبيعة الجلسات المفتوحة وغياب القيود والأسئلة الحادة يجعل الفنان أكثر تلقائية وصدقاً. ووصفت البودكاست بأنه أقرب إلى "جلسات فضفضة بين الأصدقاء"، ما يمنح الضيف شعوراً بالأريحية والقدرة على التعبير عن نفسه من دون توتر.
يمنح البودكاست الفنان مساحة أعمق من برامج التلفزيون التقليدية
في مؤشر آخر على اتساع حضور البودكاست داخل المشهد الإعلامي العربي، أعلنت شركة المتحدة للخدمات الإعلامية أخيراً إنتاج الموسم الثاني من بودكاست "كلام في الفن"، الذي يقدمه الكاتب الصحافي محمد العسيري، ويعرض عبر شاشة "الوثائقية".
يستعرض البرنامج تاريخ الأغنية المصرية وتحولاتها عبر الأجيال المختلفة، من خلال استضافة عدد من صناع الموسيقى والغناء، في محاولة لتقديم محتوى توثيقي يعتمد على السرد والحكاية والذاكرة الفنية.
وتستعد الإعلامية دانا أبو خضر لإطلاق موسم جديد من بودكاست "نفسي أعرف مع دانا"، الذي يركز على القصص الإنسانية والتجارب العربية المختلفة، في تأكيد إضافي أن البودكاست أمسى مساحة قائمة بذاتها داخل الصناعة الإعلامية العربية.
