جنسية أكراد سورية... مواطنة تنهي عقوداً من التهميش
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يشكل المرسوم الرئاسي السوري بحصول آلاف الأكراد على الجنسية تحوّلاً ينهي عقوداً من التهميش والمعاناة عاشوا خلالها بلا حقوق. يتطلع آلاف من أكراد سورية إلى انتهاء رحلة التهميش والمعاناة التي امتدت أكثر من ستة عقود، وتمثلت بحرمانهم من حقهم في الحصول على الجنسية رغم أنه أحد الحقوق الأساسية التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني، كما يترقبون استعادة صفة "مواطن" كونهم أبناء البلد وليسوا غرباء عنه. وكشفت وزارة الداخلية السورية، السبت الماضي، أن عدد طلبات التجنيس وصل إلى 2892 طلباً عائلياً تشمل 10,516 فرداً، وأن الغالبية العظمى كانت من الحسكة، تليها حلب، ثم العاصمة دمشق. وبدأت وزارة الداخلية استقبال طلبات الحصول على الجنسية للمشمولين بالمرسوم الرئاسي في إبريل/ نيسان الماضي، عبر عدة مراكز في المحافظات، منها مركز في العاصمة دمشق، ومراكز في دير الزور، والرقة، وحلب، والحسكة، ويطلب من المتقدمين إبراز وثائق تثبت الإقامة داخل سورية، إضافة إلى شهادات التعريف الصادرة عن المخاتير (مسؤولي الأحياء)، وفي المرحلة الأولى يتم التحقق من هذه الوثائق تمهيداً لاستكمال إجراءات منح الجنسية. ويقول المدير العام للأحوال المدنية في سورية، عبد الله عبد الله، لـ"العربي الجديد"، إن "فتح مراكز استقبال طلبات الحصول على الجنسية يأتي تنفيذاً للمرسوم الرئاسي الذي يقضي بمنح الجنسية السورية للأكراد المقيمين في البلاد ممن تنطبق عليهم الشروط القانونية"، موضحاً أن "مرحلة تقديم الأوراق تعقبها مراحل تدقيق، ثم مقابلات شخصية للتحقق من المعلومات، قبل صدور قرار التجنيس من وزير الداخلية، وجميع الإجراءات ذات طابع إداري". ونص المرسوم الرئاسي على أن "المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة". ما يتيح للأكراد التحول من بدون أو مكتومي قيد إلى مواطنين يتمتعون بكل الحقوق التي حرموا منها منذ عام 1962، فيما عرف وقتها بـ"الإحصاء الاستثنائي"، والذي جرى خلال فترة الانفصال بين سورية ومصر، في ظل حكم الرئيس السابق ناظم القدسي. ونفذ هذا الإحصاء خلال يوم واحد، وطلب خلاله من الأكراد في محافظة الحسكة إثبات وجودهم على الأراضي السورية قبل عام 1945 عبر وثائق رسمية، الأمر الذي جرد نحو 120 ألف كردي من جنسيتهم السورية، وقسموا إلى "أجانب" سجلوا في سجلات خاصة مع حرمانهم من حقوق المواطنة، و"مكتومي قيد" لم يسجلوا رسمياً بأي قيود مدنية، وفقاً لـ"منظمة التحليل والدراسات الاستراتيجية". وحرم الأكراد الذين نزعت عنهم الجنسية السورية من الحصول على جواز السفر، أو التملك، أو التوظيف، وحتى من تسجيل الزواج والولادات، كما تعرضوا لمشكلات في السفر والتنقل، إلى جانب الحرمان من كامل حقوقهم السياسية والانتخابية، كما واجهوا مصاعب على كل المستويات الاجتماعية والقانونية، استمرت حتى صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، والذي يعالج حرمان عشرات آلاف الأكراد من الجنسية السورية. من ريف القامشلي، يقول الكردي السوري عزيز آري لـ"العربي الجديد": "الحياة من دون جنسية أمر غاية في الصعوبة، خصوصاً في بلد كان محكوماً بقبضة أمنية شديدة. كنت لسنوات طوال أحمل شهادة من المختار كوني مكتوم القيد، ومن دون جنسية نعيش حياة على الهامش، فليس لدي هوية تتيح الحصول على رخصة قيادة، ولا أملك تسجيل عقد الزواج في المحكمة، ولا حق السفر أو السياحة. لا تملك وثيقة تثبت من أنت، ما يجعل السفر مخاطرة، وقد زادت الأوضاع صعوبة بعد عام 2011، فهذه الورقة كانت بالكاد تتيح لي التحرك من ريف القامشلي إلى مدينة القامشلي في ظل سيطرة الإدارة الذاتية، قبل أن يتغير الأمر إلى قرار بحصولنا على الجنسية". ويقول إبراهيم مصطفى لـ"العربي الجديد" إن "المرسوم الرئاسي أعاد لنا حقوقنا كسوريين، فالإنسان من دون جنسية حاله مزرٍ. كنا نحمل ورقة غير ذات قيمة من المختار تعرف بنا، ونواجه نظرة مجتمعية دونية، ونُعامل بفوقية كبيرة، ونتعرض لظلم بيّن. كانت بعض العوائل ترفض طلبات الزواج حال لا يملك الشاب الجنسية، فمن الطبيعي أن تتخوف عائلة أي فتاة من ارتباطها بشاب بلا جنسية، كما أن تثبيت الزواج لم يكن متاحاً، وتسجيل الأولاد كذلك، ما يجعل حياتنا عبارة عن سلسلة من المشاكل المتصلة بلا حلول. تقدمت بأوراقي أخيراً للحصول على الجنسية، وأريد أن أعيش حياة طبيعية بعد أن بلغت الخامسة والأربعين، وأن أستطيع امتلاك قطعة أرض تكون إرثاً لأولادي من بعدي". ويرى الخمسيني أحمد حسن أن المرسوم الرئاسي يزيل مظالم كثيرة عبر استعادة الجنسية، ويعيد الأمان الذي فقدته العائلات والمجتمعات الكردية التي عانت من الظلم الاجتماعي والنفسي سنوات طويلة، وترتب عليها ظلم مادي أيضاً، إذ أحدث الوضع نوعاً من الفروقات الاجتماعية بين مكونات المجتمع، فالأطفال كانوا محرومين من التعليم بشكل استثنائي، ولم يكن بالمقدور تسجيل أي شيء يتعلق بالمعيشة. ويوضح حسن لـ"العربي الجديد": "خفف المرسوم الاحتقان الشعبي لدينا كسوريين أكراد، ولا أعلم ما هي آليات تعويضنا، فقد حرمنا من توزيع الأراضي وفق قانون الإصلاح الزراعي، كما نتطلع إلى التعويض النفسي عن سنوات الحرمان، وأن يخصص لنا نوع من الدعم المعنوي. الحصول على الجنسية في زمن نظام الأسد كان يتطلب مبالغ مالية طائلة، ورشى لضباط في القصر الجمهوري، ويتطلب ممن يريد الحصول على الجنسية الإقرار بأنه من "القرباط" وليس كردياً. كان الأمر برمته احتيالاً وسلب للأموال، وكان الهدف الأساسي من الحصول على الجنسية وقتها الحصول على جواز سفر للفرار إلى خارج سورية من غير رجعة". من مدينة المالكية في محافظة الحسكة، يقول محمود ملا لـ"العربي الجديد": "كان والدي يحمل الهوية السورية، لكن والدتي لم يكن لديها هوية، وكانت مكتومة قيد، ونتيجة لذلك لم أحصل على الجنسية، وولدت ابنتي أيضاً من دون جنسية. تقدمت بطلب الحصول على الجنسية كوني أريد إنهاء معاناة استمرت لسنوات، ولا أريد أن تعيش ابنتي ذات الظروف التي عشتها وعاشتها والدتي من قبلي. لم يكن لدينا أي حقوق كوننا مكتومي قيد، حتى زواجي لم يثبت بشكل رسمي". وترى الخمسينية نجوى ميرزا أن الأوان قد حان للخلاص من المعاناة، وقالت لـ"العربي الجديد": "أترقب الحصول على الجنسية بعد أن كنا نعتمد سابقاً على الأوراق المزورة لدخول المشافي وغيرها، وكنا نحافظ على ورقة المختار التي كانت وسيلة إثبات شخصيتنا الوحيدة. كانت الحياة صعبة للغاية، ونأمل أن يعيش أبناؤنا في حال أفضل، وأن يحصلوا على الجنسية ويسافروا ويتنقلوا بحرية من دون خوف كبقية المواطنين".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية