عربي
يُصدر القضاء التونسي نحو 14 ألف حكم بالطلاق سنوياً، بينما يختار أزواج إنهاء العلاقة بعيداً عن صخب الدوائر القضائية، لكن الطلاق لا ينحصر في ورقة رسمية تصدرها المحكمة أو في انفصال معلن ينتهي بمغادرة أحد الزوجين المنزل.
يختفي الحوار داخل بيوت وتحضر البرودة اليومية والتعايش القسري، ويتقاسم الزوجان المصاريف والغرف وتفاصيل الحياة، لكنهما يعيشان في عالمين منفصلين بدافع الظروف المعيشة وأزمة السكن التي ترجئ انفصالهما رسمياً.
تخبر ريم (38 سنة)، وهي موظفة وأمّ لطفلين من العاصمة تونس، "العربي الجديد" أن علاقتها مع زوجها انتهت فعلياً قبل أكثر من ثلاث سنوات، لكنهما لا يزالان يعيشان معاً بسبب الظروف المالية. وتقول: "لم يعد بيننا أي شيء سوى الأطفال والمصاريف. كل واحد يعيش حياته داخل البيت الذي نتقاسم إيجاره، وحتى الحديث يقتصر على الضروريات. ناقشت طويلاً فكرة الطلاق الرسمي مع زوجي بسبب عدم القدرة على الاستمرار معاً، لكنها اصطدمت بواقع اقتصادي قاس، فشراء منزل جديد يتجاوز قدرة كل منا، فيما تبدو مصاريف تربية الأطفال والالتزامات اليومية أكبر من إمكانية البدء من جديد. أحياناً أشعر بأننا تحولنا إلى شريكين في إدارة أزمة معيشية".
ولا تختلف قصة سامي (45 سنة) كثيراً، إذ اختار البقاء مع زوجته رغم توتر العلاقة بينهما، خشية الانهيار المالي بعد الطلاق. ويقول لـ"العربي الجديد": "الانفصال مكلف جداً في تونس، إذ يُصبح الرجل ملزماً قانونياً بدفع نفقة وتوفير سكن للزوجة التي تحضن الأطفال، والمشاركة في مصاريف الأطفال. وهذه النفقات قد تدمّر أي شخص من الطبقة المتوسطة، لذا يختار كثيرون الصمت".
ويؤكد أن "الضغوط الاقتصادية غيّرت شكل العلاقات داخل الأسرة التونسية، إذ أصبح عدد من الأزواج يؤجلون الطلاق أو يتجنبونه تماماً بسبب العجز عن تحمّل كلفة الانفصال، خصوصاً مع ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات وتراجع القدرة الشرائية".
وتظهر بيانات رسمية عن الطلاق أصدرها معهد الإحصاء الحكومي ارتفاع عدد أحكام الطلاق التي أعلنتها المحاكم الابتدائية من 13.867 عام 2013 إلى 17.306 عام 2019، قبل أن تتراجع الأرقام نسبياً خلال سنوات جائحة كورونا إلى 13.302 عام 2020، و12.598 عام 2021. كما تكشف بيانات التعداد العام للسكان أن عدد حالات الطلاق في تونس تجاوز 14 ألفاً سنوياً، بالتوازي مع تراجع الزواج وارتفاع سن الإقبال عليه.
وتكشف البيانات أيضاً أن نسبة الطلاق ارتفعت من 0.5% عام 2004 إلى 1.4% عام 2024، ثم تضاعفت نسبة المطلقات خلال العقدين الأخيرين. في المقابل، تراجع عدد الزيجات خلال السنوات الأخيرة من 78.115 عام 2023 إلى 70.942 عام 2024، ما يشير إلى التحوّلات العميقة التي تعرفها الأسرة التونسية.
وتقول الباحثة في علم الاجتماع صابرين الجلاصي لـ"العربي الجديد": "ما يُعرف بالطلاق الصامت ليس جديداً في المجتمع التونسي، لكن أسبابه تغيّرت بسبب تفاقم الظاهرة. ومن أسباب الطلاق العاطفي سابقاً الرغبة في الحفاظ على الاستقرار الأسري والصورة النمطية أمام المجتمع، لكن هذه الظاهرة التي لها جذور في المجتمع التونسي تنامت داخل الطبقة الوسطى خصوصاً، حيث يجد الأزواج أنفسهم عالقين بين الرغبة في الانفصال والخوف من التبعات الاقتصادية والاجتماعية".
وتعتبر أن "هذا النوع من العلاقات قد يكون أكثر قسوة من الطلاق الرسمي لأن التوتر والبرود العاطفي يستمران يومياً داخل المنزل، ما ينعكس على الصحة النفسية للزوجين والأطفال الذين يشعرون بالصراع حتى في غياب العنف أو الشجار، إذ يلاحظون غياب الحميمية والحوار والمودة داخل الأسرة". كما لعبت الأزمة الاقتصادية دوراً محورياً في تغيير طبيعة العلاقات العائلية في تونس، وأصبحت الضغوط المالية والبطالة وارتفاع كلفة الحياة عوامل أساسية في تفكك العلاقات الزوجية".
وتتحدث فريدة (55 سنة) لـ"العربي الجديد" عن أنها تعيش تجربة الطلاق الصامت منذ أكثر من عشر سنوات، وفكرت مرات في الانفصال، ثم تراجعت بسبب أزمة السكن. وتقول: "حتى لو قررت المغادرة، أين سأذهب؟ الإيجارات مرتفعة جداً، والقروض مستحيلة لذا نعيش في هدنة باردة داخل البيت".
وتشير إلى أن "مواقع التواصل الاجتماعي زادت تعقيد العلاقات الزوجية وخلقت مقارنات دائمة وضغوطاً نفسية، وغيّرت توقعات الأزواج تجاه الحياة العاطفية. يرى الناس صور الحياة المثالية على الإنترنت، ثم تصطدم بواقع يومي مليء بالتعب والديون". تتابع: "استمرار العلاقة شكلياً فقط قد يخلق نوعاً من الاستنزاف النفسي المزمن للطرفين، خصوصاً بالنسبة إلى النساء اللواتي يتحمّلن في كثير من الأحيان أعباء المنزل والعمل وتربية الأطفال".
وتتجه تونس نحو معالجة التفكك الأسرى وتعزيز قدرة الأسر على مواجهة التحديات الاجتماعية المستجدة عبر مشروع جديد للإعداد والتأهيل للحياة الزوجية والأسرية سيستمر تنفيذه حتى عام 2035. وأخيراً، أعلنت وزارة الأسرة والمرأة عن إطلاق مشروعي الخطة الوطنية للتماسك الأسري في أفق 2035 والخطة التنفيذية للإعداد والتأهيل للحياة الزوجية والأسرية اللتين تهدفان إلى تطوير المشاريع الوطنية والقوانين التي تساعد على تماسك الأسر في ظل ارتفاع قياسي في حالات الطلاق السنوية.
