العودة إلى كافكا في عصر الهيمنة الإسرائيلي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
للكلام عن اليمين المتطرف الحاكم في إسرائيل، قد تبدو العودة إلى فرانز كافكا (1883 ـ 1924) مستغربة للوهلة الأولى. فكيف لكاتب يهودي نمساوي ـ مجري، مولود في براغ وناطق باللغة الألمانية، أن يضيء، بعد أكثر من قرن على رحيله، على العصر الإسرائيلي التوسعي الذي يُفرض بالحديد والنار، من غزة إلى الضفة الغربية ولبنان، وصولاً إلى الخليج؟ إلا أنّ روايته القصيرة "بنات آوى والعرب" تبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، إذ تتيح تفكيك الخطاب القومي المتطرف الذي بات مهيمناً في إسرائيل، كما تساعد القارئ على فهم التوسع العنفي الإسرائيلي الساعي إلى فرض الهيمنة على الإقليم، ولا سيما على دول الطوق. كافكا ونقد الصهيونية السياسية "السلام هو ما يجب أن نناله من العرب؛ هواءً نقياً؛ منظراً خالياً من وجودهم حتى عمق الأفق؛ ألّا نسمع بعد اليوم صراخ الغنم وهي تُذبح على يد العرب... ماذا نريد؟ النظافة، لا شيء سوى النظافة... كيف لك أن تتحمل هذا الحال في العالم، يا صاحب القلب النبيل والروح الرقيقة؟... لذلك، أيها السيّد العزيز، بيديك القديرتين، اذبح حناجرهم بهذه المقصات!". بهذه الكلمات، يتوجّه كبير مجموعة من بنات آوى إلى رجل أوروبي يقيم في خيمة وسط الصحراء. ومن خلال هذا الخطاب الذي يضعه على لسان شخصية حيوانية، يقدّم كافكا، على الأرجح، نقداً لاذعاً للصهيونية. المقطع مأخوذ من قصة "بنات آوى والعرب"، التي كتبها كافكا في فبراير/شباط 1917، ونُشرت في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه في مجلة "دير يودي" اليهودية الشهرية. وكما وصفه الشاعر الهولندي هندريك مارسمان، كان كافكا صاحب "موضوعية شديدة الغرابة"، وأحد أبرز كتّاب القرن العشرين. وقد أصبحت صفة "كافكاوي" مرادفة لجو كابوسي وعبثي وقمعي، يشعر فيه الفرد بالاغتراب والعزلة نتيجة البيروقراطية والمجتمع المفتقر إلى العلاقات الإنسانية الحقيقية. وقد خضعت الرمزية في "بنات آوى والعرب" لتفسيرات متعددة، إلا أنّ من الصعب تجاهل البعد النقدي للصهيونية، وللوضع في فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى، وذلك قبل أشهر قليلة من وعد بلفور. هذا التفسير تبنّاه، على سبيل المثال، المستشرق المصري ألف بطرس، والمؤرخ الإسرائيلي ديمتري شومسكي، إذ يرى كلاهما أن كافكا ينتقد في هذه القصة العلاقة بين المهاجرين اليهود والفلسطينيين العرب. وفي مقالها "فرانز كافكا والصهيونية" المنشور عام 2020، تلخّص المؤرخة التشيكية كاترينا تشابكوفا هذا التفسير بالقول إن "الكلاب" ترمز إلى اليهود الغربيين في أوروبا الذين يطيعون أسيادهم، بينما تمثل "بنات آوى" اليهود الوافدين إلى فلسطين، الذين لم يعودوا يرغبون في الخضوع لأي سلطة، ويحلمون بحكم المنطقة منفردين، رغم اعتمادهم الكامل على العرب. أما "المقص" الذي يطلب ابن آوى من الرجل الأوروبي استخدامه لذبح الرجل العربي، فيرمز، على الأرجح، إلى مشاريع تقسيم الأراضي في فلسطين، أو حتى المنطقة العربية بأسرها. وفي القصة، يقول الرجل العربي للرجل الأوروبي: "ما دام العرب موجودين، سيجوب هذا المقص الصحراء، وسيبقى معنا حتى نهاية الزمان... وسوف يُعرض على كل أوروبي لإنجاز المهمة العظيمة". ولا بد هنا من الإشارة إلى أنّ التقسيم السري للمنطقة العربية في اتفاقية سايكس بيكو، إلى جانب وعد بلفور، وضع حداً للحلم القومي العربي آنذاك. وقد كشف البلاشفة عن الاتفاقية في صحيفتي "برافدا" و"إسفيستيا" في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، بعد أيام قليلة فقط من نشر نص كافكا، في مفارقة تاريخية لافتة. رواية "بنات آوى والعرب" تبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، إذ تتيح تفكيك الخطاب القومي المتطرف الذي بات مهيمناً في إسرائيل الصهيونية الثقافية والصهيونية السياسية لكن، إذا كان النص يمثل نقداً للصهيونية، فأي نوع من الصهيونية ينتقده كافكا؟ توضح كاترينا تشابكوفا تأثير دائرة أصدقاء كافكا اليهود المنتمين إلى جمعية "بار كوخبا" الطلابية في براغ، والتي كانت تنتمي إلى تيار الصهيونية الثقافية، المعروف أيضاً بالصهيونية الرومانسية المناهضة للرأسمالية. في مطلع القرن العشرين، كانت أوروبا تعيش على وقع قضية دريفوس وتصاعد معاداة السامية، التي غذّتها كتابات شخصيات مثل شارل موراس في فرنسا. وغالباً ما كان اليهود يُحمّلون مسؤولية العداء الذي يتعرضون له، كما يحدث اليوم مع المسلمين في سياق الإسلاموفوبيا. وعلى خلاف الصهيونية السياسية، لم يكن هدف أصدقاء كافكا إقامة دولة يهودية وفق تصور تيودور هرتزل، بل خلق "إنسان يهودي جديد" فخور بهويته أينما وجد. اعتبر دعاة الصهيونية الثقافية أن الصهيونية يجب أن تكون مشروعاً ثقافياً وروحياً، لا برنامجاً سياسياً استعمارياً يقتصر على احتلال الأرض. كانوا يرون أن استعادة اليهود علاقتهم بهويتهم الثقافية والروحية تساعدهم على تجاوز شعور الغالوت أو المنفى والاغتراب. لذلك، اعتبر دعاة الصهيونية الثقافية أن الصهيونية يجب أن تكون مشروعاً ثقافياً وروحياً، لا برنامجاً سياسياً استعمارياً يقتصر على احتلال الأرض. وكان هذا التيار أكثر اهتماماً بالعلاقة بين المستوطنات اليهودية والفلسطينيين، وأكثر انتقاداً لتجاهل اليهود لهذه المسألة. ومن هنا، تبدو الصهيونية الثقافية بعيدة تماماً عن الأيديولوجيا القومية الدينية المتطرفة التي يمثلها اليوم كل من إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وبنيامين نتنياهو. وبهذا المعنى، فإن إدراج معاداة الصهيونية ضمن تعريف معاداة السامية، كما يجري العمل عليه في عدد من الدول الغربية، يقود عملياً إلى اعتبار كافكا وأصدقاءه اليهود في "بار كوخبا" معادين للسامية، وهو ما يشكل، وفق هذا الطرح، تناقضاً فكرياً صارخاً. وبعد أكثر من قرن على كتابة "بنات آوى والعرب"، تبدو الأفكار الإنسانية التي تمسّك بها كافكا وأصدقاؤه ضعيفة الحضور في دولة أُقيمت بعد رحيله على أنقاض دماء السكان الأصليين. ولعل المفارقة الكبرى أن إسرائيل، بعد 78 عاماً على قيامها، أصبحت، وفق هذا التصور، دولة "كافكاوية" بامتياز؛ دولة العزلة والكابوسية، المحاطة بالجدران والأسلاك ومناطق الفصل والدمار، والمثقلة بأوهام المشاريع الانفصالية التي تهدد سلامة دول المنطقة ووحدتها الترابية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية