عربي
قبل يومَين من عيد الأضحى المرتقب، تبدو التحضيرات في مناطق سورية كثيرة باهتة ومحدودة، تحت ضغط الفقر الذي راكمته 14 عاماً من الحرب، وما خلّفته من خسائر في الأرواح والأملاك ومصادر الرزق. لكنّ القسوة الأشدّ ما زالت حاضرة في مخيّمات شمال سورية، إذ تحوّل العجز من ظرف مؤقت إلى نمط حياة يطبع يوميات العائلات التي لم تتمكّن حتى اليوم من مغادرة الخيام.
في مخيّم محطة المياه الواقع بالقرب من بلدة كفر روحين غربي إدلب، تعيش نحو خمسين عائلة، تستعدّ لعيد الأضحى بأقلّ الإمكانيات المتاحة. فلا مظاهر شراء أو تجهيزات كما في السنوات السابقة، وقد اقتصرت الاستعدادات على تنظيف الخيام، وغسل الملابس القديمة وترقيعها، في محاولة للحفاظ على ما تبقّى من طقوس العيد التي لا تحتاج إلى مال.
في إحدى الخيام، كانت نورية إسماعيل، أمّ لأربعة أطفال، تغسل ملابس العائلة، فيما نشرت السجّاد والفرش تحت أشعة الشمس. تقول لـ"العربي الجديد": "قبل الحرب في سورية كنّا نضحّي عند حلول عيد الأضحى، لكن بسبب الفقر والقهر لن نستطيع في هذا العيد القيام بهذه الشعيرة"، معبّرة عن "شعوري بالحزن لأنّنا غير قادرين على تقديم الأضحية لروح ولدي المتوفّى بسبب المرض".
تضيف نورية: "أشعر بغصّة كلما طلب أحد أولادي شيئاً للعيد ولم أستطع تأمينه. ونحن لا نستطيع شراء مواد حلويات العيد ولا توفير الفرن، وحتى أسطوانة الغاز لا نقدر على شرائها". وتتذكّر "أيام العيد قبل الحرب، عندما كنّا نشتري كلّ ما نحتاجه من كسوة العيد ومواد الحلويات التي كنّا نعدّها في المنزل".
وتتحدّر عائلة نورية من منطقة جبل الزاوية جنوبي إدلب، غير أنّها لم تتمكّن من العودة لأنّ منزلها دُمّر بغارة جوية، بالإضافة إلى ارتباط زوجها بعمله في مدرسة مخيّم محطة المياه. وعلى الرغم من ذلك تقول إنّ العائلة تخطّط للانتقال إلى قريتها في العام المقبل "لنكون إلى جانب أقاربنا وأهلنا"، ولأنّ المنزل مدمّر فسوف تنقل معها الكرفان والخيمة.
ولم تقتصر آثار الحرب على التدهور المعيشي فحسب، بل امتدّت لتفكّك عائلات سورية كثيرة، ما بين النزوح والتهجير والفقد. وفي خيمة أخرى في مخيّم محطة المياه، تعيش خالدية الحمريش بعيداً عن اثنَين من أبنائها اللذَين لجآ إلى لبنان مع بداية الحرب ولم يتمكّنا من العودة حتى اليوم، فيما انتقل ابن ثالث لها إلى محافظة سورية أخرى بحكم عمله جندياً في الجيش.
تقول خالدية لـ"العربي الجديد": "قبل حرب سورية كانت طقوس عيد الأضحى جميلة جداً، فكانت العائلة تجتمع في زيارات، ونشتري كسوة العيد، ونحضّر كعك العيد وحلوياته، وكانت الأضاحي كثيرة والخير في كلّ البيوت". تضيف: "لكنّ الحال ساءت في خلال الحرب، وتفرّقت العائلة وأصابنا الفقر. واليوم، ما زالت الفرقة والفقر ملازمَين عائلتي، لكنّنا تخلّصنا على الأقلّ من الخوف الناجم عن القذائف والطائرات الحربية".
وتعمل خالدية مع ابنتها مياومتَين في الأراضي الزراعية المجاورة لمخيّم محطة المياه، لقاء نحو ثمانية دولارات أميركية يومياً، "بالكاد تكفي ثمن الخبز وطبخة اليوم" بحسب ما تخبر، وتؤكد: "نعيش حالة فقر مدقع، ولا يمكننا شراء أيّ شيء للعيد، حتى إنّنا نشتري حاجاتنا الأساسية بالأوقية أو نصف الكيلوغرام".
أمّا العودة إلى القرية في ريف حماة الشرقي، فترى خالدية أنّها "ما زالت مؤجّلة لعدم توفّر الخدمات والبنى التحتية"، مشيرةً إلى أنّها سمعت فقط عن حملات دعم للمخيمات، وتكمل: "سمعنا عن حملة حماة وحملة إدلب، لكنّ شيئاً لم يصل إلينا".
وعلى الرغم من انتهاء تلك السنوات الطويلة من القصف والخوف، ما زالت آلاف العائلات في مخيمات شمال سورية تواجه أعيادها بأثقال الفقد والفقر والعجز. وبين خيام مهترئة وملابس مرقّعة وأحلام مؤجلة بالعودة، يبدو عيد الأضحى المقبل بالنسبة إلى كثيرين مجرّد محاولة للحفاظ على ما تبقّى من شعور بالحياة.

أخبار ذات صلة.
موسم الدوري الإيطالي ينطلق في 22 أغسطس
الشرق الأوسط
منذ 11 دقيقة