عربي
يعيش الشارع التونسي في الآونة الأخيرة حراكاً غير مسبوق، لا سيما أمام تزايد تأزم الوضع العام بالبلاد، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، إلى جانب انسداد الآفاق، وغلق مجال الحريات والتضييق على المنظمات والجمعيات والنشطاء، والتنكيل بجل المعارضين والزج بهم في السجون. ولكن أمام تكرار الوعود دون إنجازات، سادت حالة من التململ والغضب في الشارع التونسي وعادت الاحتجاجات إلى العديد من المناطق، ما دفع البعض للحديث عن بوادر تداعي الشعبوية، وأن عديد السرديات التي بني عليها النظام لم تعد تقنع الأغلبية من الشعب. وجابت مسيرة حاشدة شوارع العاصمة التونسية في 16 مايو/أيار الحالي، تحت شعار "الشعب جيعان والحبس شبعان"، في إشارة إلى امتلاء السجون بالمعارضين السياسيين. ولامس المحتجون في شعاراتهم هذه المرة عموم التونسيين والمفقرين منهم، الذين بادرت أعداد منهم إلى ترديد ذات الشعارات، وهتف آخرون بعبارات تكشف عن عمق الأزمة الاجتماعية في البلاد من بينها "شغل حرية كرامة وطنية"، "يا مواطن يا مقموع زاد الفقر زاد الجوع".
الشعب يجوع والسجون تشبع
وقال المتحدث الرسمي باسم حركة النهضة، عماد الخميري في تصريح لـ"العربي الجديد" إن هذه المسيرة تأتي ببادرة من الشباب وهم الذين اختاروا الشعارات المطالبة بالحرية والكرامة، وتحسين أوضاع التونسيين، مبيناً أن هذه الشعارات تكشف عمق الأزمة التي تمر بها تونس. وأضاف أن أغلب الطيف السياسي والمدني شارك في هذه المسيرة، فالشارع التونسي يتحرك، ولا بد من الاستمرار في النضال.
أما الناشط في المجتمع المدني أيوب عمارة، فقال إن الشعار المرفوع اليوم "الشعب يجوع والسجون تشبع" يعبر عن تردي الوضع في تونس، مؤكداً أن سبع سنوات مرت من الإخفاق الاجتماعي، والاقتصادي مع إفراغ الحياة السياسية، وتجميد عشرات المنظمات والجمعيات، إلى جانب غلق الفضاءات العامة مع غلاء المعيشة، وقد فشل النظام على جميع المستويات. ولفت إلى أننا في دولة الشخص والنظام الواحد، مؤكداً أن البلاد في انغلاق مستمر، وسط اعتقال نشطاء وسياسيين ومزيد من الإيقافات ودائماً بنفس الرواية والسردية، ووجود أطراف خارجية وتآمر، وبالتالي هناك غضب من هذه السرديات، خاصة أن كل الأوضاع في تردٍّ.
محسن السوداني: نزول المعارضة إلى الشارع ورد السلطة بزيارات رئاسية نوع غير مألوف من السجال السياسي
وقالت الناشطة الحقوقية، والرئيسة السابقة لجمعية النساء الديمقراطيات، نائلة الزغلامي في تصريح لـ"العربي الجديد" إنه لا توجد أي إنجازات للسلطة ولا بد من تغيير الأوضاع، ولا سيما أن السجون مكتظة بالمعارضين. ولذلك كان لا بد من الخروج إلى الشارع، والمطالبة بالكرامة والحريات وإطلاق سراح السجناء، وتحسين المقدرة الشرائية للمواطن، فالبلاد مقبلة على عيد الأضحى، ولكن جل الأسعار مرتفعة، ولا بد من تجميدها. وأكدت أن على الدولة رفع يدها عن المنظمات والمجتمع المدني.
وينتظر أن تخرج مسيرة في 5 يونيو/حزيران المقبل رفضاً لارتفاع منسوب قمع الحريات، وتزايد القوانين القمعية، ومنها المرسوم 54 والذي يحاكم بموجبه العديد من المدونين والإعلاميين وحتى المحامين، وأيضاً احتجاجاً على زيادة تأزم الأوضاع في تونس. وينص المرسوم 54، المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصالات، والذي سنّ في 13 سبتمبر/ أيلول 2022، على عقوبات سالبة للحرية تتراوح الأحكام فيها بين خمس سنوات وعشر سنوات سجناً. وشهد شهر إبريل/نيسان الماضي زيادة في الحراك الاحتجاجي بنسبة 30% عن مارس/آذار الماضي. وأوضح المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في بيان أخيراً، أن الحراك الاحتجاجي في تونس تصاعد خلال إبريل، حيث بلغ عدد التحركات الاحتجاجية 604، مسجلاً أعلى حصيلة منذ بداية العام الحالي، ومحققاً زيادة تقدر بنحو 30.74% مقارنة بمارس (462 تحركاً). والاثنين الماضي تدخل الأمن لفض مسيرة سلمية، انطلقت من منطقة فج الرويسات في محافظة القيروان، جنوب العاصمة، باتجاه تونس، بدعوة من الأهالي ومساندة من مكونات المجتمع المدني والنشطاء في مجال البيئة، للمطالبة بفتح ملف التلوث البيئي في المنطقة والتدخل العاجل لوقف ما وصفوه بـ"المظلمة البيئية والصحية" الناتجة من أنشطة مصنع إسمنت بالمنطقة. وشهدت سيدي بوزيد (وسط)، الثلاثاء الماضي، تجمعاً لعاطلين من العمل أمام مقرّ المحافظة للتعبير عن غضبهم بعد أن سئموا الوعود بالعثور على عمل لهم.
سعيّد يزور مناطق مهمشة
في المقابل، اختار الرئيس التونسي قيس سعيّد الرد على مختلف هذه التحركات، وخاصة على الأصوات المنددة بقمع الحريات، بتحركات ميدانية، شملت مناطق مهمشة، كدوار هيشر بتونس العاصمة. وقام الثلاثاء الماضي بزيارة عدة مناطق في محافظة نابل جنوب شرق العاصمة، كميناء الأمراء ومنطقة الرتيبة بتاكلسة، قبل أن ينتقل إلى قربص، حيث استمع إلى مشاغل المواطنين هناك. وخلال اجتماعه برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، في قصر قرطاج الأربعاء الماضي، قال سعيّد إنّ استمرار الأوضاع على حالها في كافة المستويات لم يعد مقبولاً، مبيناً أنه تم "التنبيه تلو التنبيه، والتحذير تلو التّحذير، ولكن بلغ السّيل الزبى ولا يمكن مواصلة حرب التحرير الوطني إلا بمن يؤمن بحق الشعب التونسي في التحرر الكامل من رواسب الماضي البغيض. أما من يريد التنكيل بالشعب التونسي تحت عباءات مختلفة ويعتقد أنّه فوق القانون فقد جنى على نفسه ولم يجن عليه أحد".
وأكد القيادي في حركة النهضة محسن السوداني، لـ"العربي الجديد"، أن نزول المعارضة إلى الشارع وردّ السلطة بزيارات رئاسية إلى بعض الأحياء الشعبية يعبّر عن نوع غير مألوف من السجال السياسي في البلاد، موضحاً أن هذا السجال الميداني يعكس أزمة عميقة تمرّ بها البلاد بوجه عام والسلطة بوجه خاص. وبيّن أن المعتاد في الممارسة السياسية، أن تنظيم المسيرات الاحتجاجية هو من اختصاص المعارضة وليس السلطة، ولكن أن ترُد السلطة على المعارضة بممارسة مماثلة فذلك يعبّر عن شعورها بالأزمة والعزلة والخوف، فمجال فعل المعارضة هو الشارع، أمّا مجال فعل السلطة فهو الأطر الرسمية.
وتابع السوداني أن المعارضة تحتج، أمّا السلطة فإنها تنجز، ولكن في غياب الإنجاز يلجأ الانقلاب إلى الممارسات الاستعراضية لمواراة فشله وعجزه، وللإيحاء بشعبية تآكلت وتدنّت إلى أسفل الدرجات. وأكد أن "هناك ظاهرة لافتة في تحركات المعارضة في الفترة الأخيرة، وهي التفاعل الإيجابي الذي وجدته تظاهراتها، واحتجاجاتها من قبل عموم المواطنين، وذلك على خلاف ما كان عليه الأمر خلال الأشهر الأولى للانقلاب (25 يوليو/تموز 2021)، حيث كانت تقابل التحركات في الشارع التونسي بنوع من اللامبالاة وأحياناً الإنكار والرفض". واعتبر أن "هذا التفاعل الإيجابي يدل على أن المزاج الشعبي تحول جذرياً، فالغضب يتراكم وعناصر المشهد تتجه نحو الاكتمال، وأول خطوة في سقوط الانقلاب هي سقوطه من وجدان الشعب، وهناك بوادر لذلك".
نورس حمادي: تحرك الشارع في الأماكن والأسواق الشعبية التي طالما احتكرها سعيّد وبنى عليها سرديته
تحرك الشارع التونسي يظهر ارتفاع منسوب الغضب
وقال المتحدث باسم الحزب الجمهوري وسام الصغير، لـ"العربي الجديد"، إن "الأحداث تتطور بسرعة في الفترة الأخيرة، وتحرك الشارع التونسي دليل على ارتفاع منسوب الغضب، وأن الاحتقان الاجتماعي في تصاعد، ويزداد يوماً بعد يوم"، مبيناً أن "هناك حالة من التململ المجتمعي، داخل النخب وحتى في الأوساط المجتمعية، وهو ما برز من خلال المسيرات والتحركات الاحتجاجية في الشارع التونسي وحتى من خلال عدة تدوينات عبر شبكات التواصل الاجتماعي"، مؤكداً أن "حقيقة الشعبوية بدأت تنكشف للبعض وتنهار". واعتبر الصغير أن "الزيارات الفولكلورية للسلطة، والتي تقوم على الإثارة والخروج في ساعات متأخرة من الليل، سواء لزيارة مناطق مهمشة كدوار هيشر، أو أحياء أخرى لم تعد مقنعة، حيث إن الحديث عن زيارة دوار هيشر فقط دون بث فيديوهات، دليل على أن الأهالي، كما يُروج، ربما عبروا عن غضبهم من زيارة سعيّد، وهو ما يطرح اليوم عدة أسئلة حول التململ الحاصل، وسقوط السردية التي طالما تباهى بها النظام". وبين أن "هذا دليل على وجود حالة من القلق والخوف وبداية انكشاف حقيقة الشعبوية، وبالتالي السلطة عاجزة عن إيجاد حلول للمشاكل الحقيقية للناس".
وقال الصغير إن "رأس السلطة اختار مثل هذه الزيارات التي لم تقدم حلولاً، بل هناك مواصلة في سياق الوعود والتهديد"، موضحاً أن "سياسة السلطة لم تنجح في حل مشاكل التونسيين، وعجزت عن تقديم منجزات حقيقية"، مشيراً إلى أن "هذه المنظومة، بالإضافة إلى الاستبداد والتنكيل ومواجهة الخصوم فاقدة لأي مشروعية وبرامج". وبين أنه "بعد مضي سنوات من الوعود، وخطابات التصدي للفاسدين واللصوص والمتآمرين، لم يجد الشعب سوى الوعود ومزيد من تأزم الأوضاع، وفقدان الأمل في حياة كريمة، ومثل هذا الخطاب صمد لفترة، ولكن أصبح بالإمكان اكتشاف محدوديته".
ورأت نورس حمادي، الناشطة في المجتمع المدني والسياسي، والباحثة في مجال السياسات العامة وحقوق الإنسان، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "المشهد في الحقيقة عبثي، فقد تحرك الشارع التونسي في مسيرة حاشدة السبت (16 مايو)، والتي جابت الأماكن والأسواق الشعبية التي طالما احتكرها قيس سعيّد وبنى عليها سرديته، وطالما ردد أنه قريب من الشعب، لكنه فشل في تقديم أي حلول". وأوضحت أن "تكرر الخطابات ذاتها، والحديث عن متآمرين ومحتكرين، جعل الناس يفهمون أنه في غياب سياسات واقعية تكون قادرة على التغيير، فإنه لا يمكن قبول الوضع، وهو ما برز من خلال ردات الفعل، رغم الزيارات التي قام بها سعيّد".
وأوضحت أن زيارة سعيّد إلى دوار هيشر في 17 الشهر الحالي "رافقها الكثير من التعتيم، وهو ما قد يكشف عمق الأزمة الحاصلة، وأن ما تردد عبر شبكات التواصل الاجتماعي عن وجود ردود سلبية من قبل المواطنين تجاه زيارة سعيّد يبدو صحيحاً"، مشيرة إلى أنه "سارع إلى القيام بزيارة ثانية إلى محافظة نابل (شمال شرق)، ولكن يبدو أن السلطة التي لم تستثن النشطاء والسياسيين، وزجت بهم في السجون، قد تواصل عبثها لإيقاف مواطنين فقط لأنهم عبروا عن موقفهم تجاه السلطة".
الشارع أحد ثوابت المشهد السياسي
وبحسب المحلل السياسي زهير إسماعيل فإن "تحرك المعارضة السياسية والحقوقية الميداني لم يتوقف منذ 25 يوليو 2021، وإن خفت وتيرته وتقلصت نسبة المشاركة، وكادت تقتصر على الوقفات الاحتجاجية في مواجهة المحاكمات التي شملت كل من عارض الانقلاب، وهو ما جعل من الشارع التونسي أحد ثوابت المشهد السياسي، ولذلك علاقة بما ترسخ خلال عشرية الديمقراطية (منذ إطاحة نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي في العام 2011) من تقاليد التعبير السياسي والاجتماعي والحقوقي التي اجتهدت السلطة القائمة في استهداف شروطها". وقال إن "اعتبار الشارع التونسي في مواجهة سعيّد يحتاج بدوره إلى تفصيل، إذ إنه اقتصر في بداية التحركات سنة 2021 على ما سمي باستعادة الديمقراطية ممثلاً في جبهة الخلاص، وفي هذا السياق ولد الشارع الديمقراطي الذي يوجه حركته ضد الانقلاب أولاً، وضد واجهته السياسية ثانياً ممثلة في سعيّد".
زهير إسماعيل: اتساع قاعدة المعارضة السياسية يثير أسئلة مهمة حول هوية المعارضة وبدائلها وموقفها من الانقلاب
ولاحظ إسماعيل، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ "اتساع قاعدة المعارضة السياسية هذه الأيام يثير أسئلة مهمة حول هوية المعارضة وبدائلها وموقفها من الانقلاب، فليس كل من نفض يده من سعيّد والتحق بالمعارضة ضد الانقلاب، بل إنّ إزاحة الرئيس الحالي لا تعني بالضرورة نهاية الانقلاب". وتابع أن "ما يثير الانتباه أن اتساع قاعدة المعارضة المطرد لم يترجم إلى التقاء على مشترك وطني يكون أرضية سياسية لبرنامج وطني للإنقاذ، وأن اجتماع المعارضة سببه المباشر حلقات الفشل الذريع التي راكمتها السلطة على مدى خمس سنوات، ونجاحها في تحويل الأزمة المالية والاقتصادية الموروثة إلى كارثة وطنية تهدد استقرار الدولة واستمرارها، وتستهدف وحدة المجتمع وسلمه الأهلي". وتابع أنه طالما لم تتوفق قوى المعارضة المختلفة إلى التمييز الصارم بين الخطأ الذي تم تحت سقف الديمقراطية وبين الانقلاب عليها، فإنه من الصعب التقاطع عند نقطة استعادة الديمقراطية وإنقاذ الدولة.
وقال إسماعيل إن تصاعد التحركات في الشارع التونسي تكشف عن إصرار المعارضة، بأطيافها المختلفة، على طي صفحة الحكم الحالي والخروج من الأزمة ومخاطرها المتعاظمة، وهو إصرار يتناسب مع الإصرار المضاد من قبل السلطة على خطابها الإقصائي وحالة الإنكار التي تعيشها ومناهضتها لفكرة الحوار وأطره المنظمة، وهو تقابل حاد لا يؤمل منه مراجعات وتسويات ترأب الصدع وتنقذ البلاد والعباد. واعتبر أن أهم ما يميز التظاهرات الأخيرة المناهضة للسلطة العنصر الشبابي فيها، وما بدأ يتبلور معه من تقاليد جديدة في التظاهر وطابعه الاحتفالي والجمالي، معتبراً أنه "ليس أمامها (المعارضة) إلا أن تلتقي مرحلياً على كلمة سواء أساسها دستور الثورة، واستعادة الديمقراطية، وهما الشرطان الضروريان لمحاولة العبور من العواصف الجيوسياسية التي تعرفها البلاد العربية منذ أن تجرّأت على ربيع الحرية. ومع ذلك فإنه يبدو أن الوضع الاجتماعي سيكون مرة ثانية المدخل إلى مرحلة انتقالية جديدة، فتاريخ البلاد في جانب منه هو تاريخ انتفاضات الهامش المفقّر".
