عربي
قد لا يبدو أن الاعتداء الإسرائيلي الفج على قرابة 350 أوروبياً وتركياً من نشطاء أسطول الصمود الداعم لغزة وضربهم وتعذيبهم، له تأثير مباشر على الاقتصاد الإسرائيلي، لكن الواقع والحقائق تشير إلى غير ذلك، وأن تل أبيب في طريقها إلى مواجهة مشكلات اقتصادية بسبب هذه الخطوة البربرية التي انتفض لها قادة أوروبا لأول مرة، إذ سيؤدي اعتراض السفن واعتقال المدنيين الأوروبيين إلى خسائر اقتصادية فورية ضخمة لإسرائيل، لأن الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد أساساً على التكنولوجيا، والصناعات العسكرية، والاستثمارات الأجنبية، وقطاع الخدمات المتقدمة، والأثر التراكمي السياسي والإعلامي ستتبعه آثار اقتصادية ضارة على المدى الطويل.
فمثلاً، مع بدء برلمانيين وصحافيين ونشطاء حول العالم كشف حقيقة إسرائيل بعيداً عن دعاياتها، مثل داريو كاروتينوتو، عضو البرلمان الإيطالي، الذي تعرض للضرب من جنود الاحتلال، وجّه 29 نائباً في البرلمان الأوروبي رسالة إلى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، يطالبون فيها بإدراج إسرائيل، خاصة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ضمن "نظام عقوبات حقوق الإنسان العالمي" التابع للاتحاد الأوروبي، المعروف بـ"ماغنيتسكي الأوروبي". وتشمل العقوبات المطلوبة تجميد الأصول وحظر السفر وقطع التمويل عن جميع المسؤولين عن الانتهاكات، وتشديد الحصار على منتجات المستوطنات الإسرائيلية ومنعها كما حدث سابقاً. فالعقوبات الاقتصادية ضمن نظام العقوبات العالمي لحقوق الإنسان للاتحاد الأوروبي (المعروف بقانون ماغنيتسكي الأوروبي) هي إجراءات صارمة، تتمثل هذه العقوبات الاقتصادية في تجميد جميع الأموال والموارد الاقتصادية والأصول المالية التي يمتلكها أو يتحكم فيها إسرائيليون وشركات ضمن قوائم العقوبات داخل دول الاتحاد الأوروبي.
وجّه 29 نائباً في البرلمان الأوروبي رسالة إلى رئيس المجلس الأوروبي، يطالبون فيها بإدراج إسرائيل، ضمن "نظام عقوبات حقوق الإنسان العالمي
وضمنها حظر إتاحة الموارد، أي منع أي شخص أو كيان داخل الاتحاد الأوروبي من إتاحة أي أموال أو توفيرها، أو أصول مالية، أو موارد اقتصادية بشكل مباشر أو غير مباشر لصالح الأشخاص أو الكيانات المستهدفة في دولة الاحتلال. وتشمل التدابير التكميلية الأخرى حظر السفر: منع الأفراد المدرجين من دخول أراضي دول الاتحاد الأوروبي، ويستهدف هذا النظام الحكومات، والجهات الفاعلة من غير الدول (مثل الأفراد، والشركات، والمليشيات)، وهو ما سيتم تطبيقه في اجتماعات الاتحاد الأوروبي القادمة، خصوصاً مع هزيمة أوربان رئيس المجر وصديق إسرائيل الذي كان يعرقل العقوبات ضدها في الانتخابات الأخيرة. هذا يعني أن الاعتداء الإسرائيلي على نشطاء أسطول الصمود الذين حاولوا كسر الحصار البحري على غزة، سوف يسبب ضرراً اقتصادياً كبيراً لإسرائيل، وآثاراً غير مباشرة سياسية واقتصادية وإعلامية مؤثرة. وقد طالبت الخارجية الإيطالية رسمياً الاتحاد الأوروبي بأن يبحث الاجتماع المقبل لوزراء خارجية الاتحاد فرض عقوبات على إسرائيل، خاصة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير.
كيف يتأثر الاقتصاد الإسرائيلي؟
قد لا يبدو أن هذا الاعتداء البربري على نشطاء أسطول الصمود الأوروبيين له علاقة بالأثر السياسي والإعلامي الفوري، وهو تشويه صورة دولة الاحتلال التي تسعى لترميمها منذ مجازر غزة، أي الضغط على صورة إسرائيل عالمياً. لكن ضرب النشطاء وإذلالهم وبينهم نواب أوروبيون، بل الاعتداء الجنسي على بعض الناشطات وتعريتهن من ملابسهن، وفق شهادتهن، سوف يؤدي إلى تنشيط حملات مقاطعة إسرائيل اقتصادياً، وضغوط على الشركات الإسرائيلية ووقف صفقات معها، وتراجع الاستثمارات الأوروبية في إسرائيل. تشارك شخصيات ونشطاء وبرلمانيون من دول متعددة، ما يزيد خطر الضغوط السياسية، وحملات المقاطعة، والدعاوى القانونية الدولية. هذا العدوان وتضرر صورة الاحتلال بشكل "استراتيجي" كما اعترف وزير خارجية الاحتلال، سوف يكون له أيضاً تأثير على الموانئ والتأمين البحري، إذ إن القرصنة الإسرائيلية لسفن تسير في المياه الدولية ومن دون ردع دولي سيؤثر على تصاعد الأزمة البحرية، وارتفاع تكاليف التأمين على السفن المتجهة إلى إسرائيل، أو تتردد بعض شركات الشحن في الذهاب إلى إسرائيل، فضلاً عن قيام عمال الموانئ في أوروبا برفض استقبال سفن إسرائيلية أو تحميلها أو تفريغها.
ضرب النشطاء وإذلالهم وبينهم نواب أوروبيون، بل الاعتداء الجنسي على بعض الناشطات وتعريتهن سوف يؤدي إلى تنشيط حملات مقاطعة إسرائيل اقتصادياً
كما أن صور الاشتباكات البحرية مع ناشطين مدنيين ستزيد المخاوف الاستثمارية ويؤثر على الثقة الاقتصادية طويلة المدى من جانب دول العالم في إسرائيل، وأهمية الضغوط الجديدة أن إسرائيل تواجه أصلاً ضغوطاً بسبب الحرب، وتراجع السياحة، واضطراب الملاحة في البحر الأحمر. ويشمل الضرر على الاحتلال أيضاً المقاطعة الأكاديمية، والاقتصادية، والثقافية، بخلاف ما ستواجهه إسرائيل من تحقيقات دولية، وأزمات دبلوماسية، أو عقوبات رمزية، ما سوف ينعكس على السياحة، والتعاون التجاري، وثقة المستثمرين، يضر الاقتصاد الإسرائيلي بسبب ذلك. وسبق أن طرد الاتحاد الأوروبي في 28 يوليو/ تموز 2025، ضمن سلسلة عقوبات على شركات إسرائيلية لها صلات بالنشاط العسكري الإسرائيلي وإبادة غزة، الاحتلال من برنامج هورايزون أوروبا (أفق أوروبا)، وأصدر توصية بمنع التعاون مع شركاته التي تنشط في مجالات السايبر والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة، ومن الحصول على تمويلات من البرنامج، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في غزة والضفة، وجرائم الإبادة التي تجري هناك.
وأوصى أعضاء المفوضية الأوروبية بتعليق تمويل الشركات الإسرائيلية العاملة في مجالات تكنولوجية ذات استخدامات عسكرية محتملة، ومنعها من المشاركة في برنامج المنح البحثية هورايزون أوروبا، وسط صدمة إسرائيلية لحرمانها من مساعدات ومعونات اقتصادية أوروبية كانت تحصل عليها عبر هذا البرنامج، وانتظاراً لمصادقة مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على القرار بالأغلبية. ومع أن طردها، الذي سيعني حرمان إسرائيل من 95 مليار يورو، تستفيد منها في سياق انضمامها إلى هذا البرنامج لم يقع فعلياً لأنه يتطلب طرد إسرائيل وتعليق مشاركتها في برنامج هورايزون أوروبا موافقة أغلبية بلدان الاتحاد الأوروبي أغلبية بنسبة 55%، لكي يدخل حيز التنفيذ. أي 15 دولة على الأقل من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة، وكانت هناك دول تعارض ذلك، فقد عادت المطالبة بتفعيل عملية الطرد وتنفيذها بعد الجرائم التي ارتكبت ضد الأوروبيين المشاركين في أسطول الصمود.
اعتراض إسرائيل لأسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة، سوف يتحول من ثم إلى عبء اقتصادي وسياسي على إسرائيل، لأنه يأتي بالتزامن مع انكماش في النمو الاقتصادي بنسبة 3.3% وأضرار في جميع القطاعات بسبب الحروب، وتصاعد الانتقادات الدولية سينعكس مباشرة على توسع حملات المقاطعة. إن استهداف النشطاء سوف يمنح حركات المقاطعة الدولية المؤيدة لفلسطين، دفعة إعلامية كبيرة، ستؤدي بدروها إلى الضغط على الشركات العالمية لعدم التعاون مع إسرائيل أو سحب الاستثمارات منها، وفرض عزلة أكاديمية وثقافية على إسرائيل، ويخلق سلسلة أزمات تضرب قطاعات اقتصادية حساسة فيها، تعاني أصلاً آثار الحرب والعزلة الدولية المتزايدة، خصوصاً الاستثمار والسياحة والمقاطعة والتأمين البحري.

أخبار ذات صلة.
«أوريشنيك» الروسي يختبر دفاعات كييف
الشرق الأوسط
منذ 17 دقيقة
في رثاء مؤرّخ عُماني
العربي الجديد
منذ 31 دقيقة
بن غفير يتمادى... وليس وحده
العربي الجديد
منذ 31 دقيقة