الخط الأصفر يخنق ما تبقى من اقتصاد غزة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في قلب المشهد المعقد في قطاع غزة، لم يعد الحصار يقتصر على المعابر أو القيود التجارية التقليدية، بل بات يتخذ أشكالاً أكثر عمقاً وتأثيراً على بنية الاقتصاد المحلي. ومن بين أبرز هذه الأدوات ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي تحول من مجرد إجراء ميداني مؤقت إلى واقع جغرافي يفرض قيوداً صارمة على نحو نصف مساحة القطاع. هذا الخط، الذي يمتد على طول الحدود الشرقية والشمالية لم يكتفِ بتقييد حركة السكان، بل أعاد رسم الخريطة الاقتصادية لغزة، وأخرج مساحات واسعة من دائرة الإنتاج، ما أدى إلى اختلالات حادة في قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة. ومع سيطرة هذا الخط على أكثر من 60% من مساحة القطاع، بما يشمل أغلبية المناطق الصناعية وأكثر من 80% من الأراضي الزراعية، أصبحت تداعياته تتجاوز الجانب الأمني إلى آثار اقتصادية وإنسانية عميقة تمسّ حياة أكثر من مليونَي إنسان يعتمدون على موارد محدودة أصلاً. إخضاع اقتصادي ممنهج بدوره، يقول المزارع عماد السطري، الذي يمتلك 12 دونماً شرق مدينة خانيونس، إن أرضه التي كانت تشكل مصدر رزقه الوحيد أصبحت اليوم ضمن المنطقة التي لا يستطيع الوصول إليها. ويضيف السطري لـ"العربي الجديد" أنه كان يزرعها بمحاصيل موسمية مثل البطاطا والبصل، وكان يعتمد على إنتاجها لتأمين دخل مستقر له ولعائلته، ويلفت إلى أنّ نشاطه الزراعي كان يوفر فرص عمل لسبعة عمال، وكان يحقق عائداً جيداً من بيع المحاصيل في الأسواق المحلية، إلّا أن هذا كله توقف بشكل مفاجئ بعد أن أصبحت الأرض خارج متناول اليد، ما أدى إلى خسارة مصدر الدخل بالكامل. ويشير إلى أن حجم الخسائر التي تكبدها نتيجة تدمير أرضه وآبار المياه ومنعه من استغلالها تجاوز 230 ألف شيكل، مؤكداً أنه ينتظر أي فرصة للعودة إلى أرضه واستئناف العمل في ظل غياب بدائل اقتصادية حقيقية تعوضه عن هذه الخسارة. وفي هذا السياق، يؤكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أن "الخط الأصفر" يمثل أحد أخطر أدوات الإخضاع الاقتصادي التي فُرضت على القطاع خلال حرب الإبادة وما بعدها. ويوضح الثوابتة لـ"العربي الجديد" أن هذا الواقع لم يعد مجرد تموضع عسكري، بل تحول إلى آلية منهجية تهدف إلى تقويض الاقتصاد المحلي عبر تقليص المساحات المتاحة للإنتاج، ويضيف أن "إخراج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمناطق الإنتاجية من دائرة الاستخدام المدني أدى إلى خسائر مباشرة في الإنتاج، خاصة في قطاع الزراعة الذي يشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي، كما تسبب ذلك في تعطيل سلاسل الإمداد المحلية ما انعكس سلباً على الأسواق وأسعار السلع الأساسية". ويشير إلى أنّ مئات آلاف الأسر فقدت مصادر دخلها نتيجة هذا الواقع، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة والفقر ودفع شريحة واسعة من السكان نحو الاعتماد القسري على المساعدات الإنسانية. ويشدد الثوابتة على أنّ هذا الوضع يضعف قدرة المجتمع على الصمود الاقتصادي ويزيد من هشاشته أمام الأزمات، كما يبيّن أن استمرار هذا الخط يعيق مباشرةً جهود إعادة الإعمار والتنمية، إذ يمنع الوصول إلى الأراضي والبنية التحتية المتضرّرة ويعطل حركة الأفراد والبضائع، ما يؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي وانهيار القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة والصيد. ويحذر الثوابتة من أنّ هذه السياسات تخلق اختلالات هيكلية عميقة، تشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل وانكماش الأسواق وتراجع القدرة الشرائية إضافة إلى إضعاف الاستثمار المحلي ومنع أي فرص حقيقية للنمو الاقتصادي المستدام، في ظل تزايد الأعباء على المؤسسات الحكومية ومحدودية الموارد. وظهر "الخط الأصفر" في سياق ترتيبات ميدانية مرتبطة بمراحل وقف إطلاق النار، إذ أُعيد تموضع القوات الإسرائيلية خلف نطاق جغرافي محدّد يمتد من شمال القطاع إلى جنوبه، بعرض متفاوت يصل في بعض المناطق إلى أكثر من 4 كيلومترات. ومع مرور الوقت، جرى تثبيت هذا النطاق عبر حواجز مادية وإجراءات تمنع السكان من الوصول إلى أراضيهم، ما جعله بمثابة منطقة عازلة واسعة خارج الاستخدام المدني. هذا التغيير الجغرافي أدى إلى فقدان السيطرة على مساحات كبيرة كانت تمثل قلب النشاط الاقتصادي في غزة، خاصة الأراضي الزراعية الخصبة التي كانت تغذي الأسواق المحلية إلى جانب مدن صناعية وتجارية كانت تشكل عصب الإنتاج. خسائر فادحة وتوضح وزارة الزراعة أن القطاع كان يضم قبل الحرب نحو 195 ألف دونم من الأراضي الزراعية، منها ما يقارب 95 ألف دونم كانت مزروعة بمحاصيل متنوعة تشمل عشرات الأصناف من الخضروات إضافة إلى الحبوب والأشجار المثمرة، إلا أن العمليات العسكرية وما رافقها من تجريف وتدمير أدت إلى تقليص هذه المساحات بحدّة. وتشير الوزارة إلى أن الزراعة كانت تسهم بنحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي بقيمة إنتاجية تقدر بمئات ملايين الدولارات، كما وفرت فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لمئات آلاف المواطنين. في المقابل، يرى المختص في الشأن الاقتصادي عماد لبد، أن المناطق التي شملها هذا الخط كانت تشكل الركيزة الأساسية للإنتاج الزراعي والصناعي في القطاع، ويقول لبد لـ"العربي الجديد" إن هذه المناطق كانت تضم مساحات واسعة من الأراضي الخصبة التي كانت توفر نسبة كبيرة من احتياجات السكان من الخضروات والفواكه، إضافة إلى احتضانها لمزارع الدواجن والثروة الحيوانية. ويؤكد أنّ الدمار لم يقتصر على الأراضي الزراعية، بل طاول أيضاً البنية الصناعية، إذ تعرضت مناطق صناعية رئيسية في شمال وشرق القطاع لتدمير واسع، بما في ذلك المخازن والورش ومرافق الإنتاج، ما أدى إلى توقف شبه كامل للنشاط الصناعي في تلك المناطق. ويحذر لبد من أن فقدان هذه الموارد الإنتاجية إلى جانب منع أصحابها من الوصول إليها أو إعادة تأهيلها، أدى إلى تعطيل دورة الحياة الاقتصادية، مشيراً إلى رفع نسبة الانكماش الاقتصادي لأكثر من 87% خلال 2025 مقارنة بما قبل الحرب، ما زاد من نسبة البطالة لأعلى من 80%، ومعدلات فقر تفوق الـ 90%، وخلق أزمة طويلة الأمد تهدّد الأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي في ظل غياب أي أفق حقيقي للتعافي الاقتصادي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية