"بيروت منزوعة السلاح"... القصة الكاملة لشعار يتجدد
عربي
منذ ساعة
مشاركة
عاد شعار "بيروت منزوعة السلاح" إلى الواجهة بعد قرار الحكومة اللبنانية، في التاسع من إبريل/ نيسان الماضي، "حصر السلاح في بيروت بالقوى الشرعية وحدها". القرار تجنب في صياغته هذا الشعار الذي يظهر عند كل حادث أمني أو احتكاكات طائفية أو استفزازات حزبية في المدينة، وكذلك فعل بيان مؤتمر "بيروت مدينة آمنة وخالية من السلاح"، الذي عُقد في 16 إبريل الماضي، بمشاركة عدد من نواب مدينة بيروت. لكن الشعار كان حاضراً في التفسيرات لقرار الحكومة، فيما يربطه مراقبون بممارسة الدولة دورها الطبيعي والدستوري، وبحماية سكان بيروت، التي تستضيف اليوم مئات آلاف النازحين جراء العدوان الإسرائيلي. وتُعد بيروت مركز القرار السياسي في البلاد، وتضم المرفأ الرئيسي والأهم في لبنان والمطار المدني الوحيد فيه، كما أنها مركز ثقل سكاني، إذ يقدر عدد سكانها بنحو 440 ألف نسمة فيما تشكل ما يسمى بيروت الكبرى التي تضم بيروت الإدارية مع ضواحيها، أكثر من ثلث سكان لبنان البالغ عددهم 5.9 ملايين نسمة، وفق تقديرات. وبفعل الأزمة الاقتصادية منذ 2019، ظهرت في بيروت سوق خدمات بديلة لخدمات الدولة المنهارة، من مياه وكهرباء وغيرهما خاضعة بدورها لنفوذ الأحزاب والجماعات المسلحة، وسط تفلت من الرقابة والمحاسبة، بينما كان هذا الموضوع شبه مُعالَج في مناطق أخرى، حيث تمسك البلديات المحلية بزمام الأمور. إصرار على التنفيذ في تصريح عقب اجتماع مجلس الأمن المركزي في وزارة الداخلية، في الرابع من مايو/ أيار الحالي، قال رئيس الحكومة اللبناني ​نواف سلام: "أحببت الانضمام إلى اجتماع اليوم للنظر في تطبيق قرار مجلس الوزراء المتعلق ببسط سيطرة الدولة على كامل محافظة بيروت والعمل على حصر السلاح" فيها، مضيفاً أنه "نتيجة الظروف التي يمر بها البلد يقتضي تعزيز وتكثيف الحواجز الأمنية والثابتة والمتنقلة عند مداخل بيروت وفي داخلها، والتشدد بتوقيف المخلين بالأمن". واعتبر أن لهذا الإخلال "أشكالاً مختلفة من نقل السلاح أو التنقل بالسيارات التي لا تحمل لوحات، فضلاً عن الدراجات المخالفة على كل أشكالها". أما عن هدف هذه الإجراءات، فقال سلام إن تعزيزها يهدف لـ"بث الاطمئنان والأمان للمواطنين لأن ذلك حق لهم، وردع المخالفين ومكافحة عمليات إطلاق النار"، مضيفاً أنه "تم توقيف عدد من الأشخاص وتقوم الأجهزة (الأمنية) بملاحقات. بعدما عمد عدد من الأشخاص إلى إطلاق قذائف أر بي جي وإصابة مطار بيروت"، بعد يوم من إطلاق نار وقذائف خلال تشييع في الضاحية الجنوبية. وأضاف أن "قرار حصر السلاح هو مسار لا تراجع عنه، ولا يتم بين ليلة وضحاها، وقد يتطلب أسابيع وأشهراً". وتكرر الحكومة وكذلك رئيس الجمهورية جوزاف عون، أن قرارات الدولة "لا رجعة" عنها، والمقصود بذلك قرار الخامس من أغسطس/ آب 2025 بتكليف الجيش اللبناني وضع خطة تطبيقية لحصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية 2025، ثم قرارا الثاني من مارس/ آذار الماضي بـ"الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافة باعتبارها خارجة عن القانون"، في اليوم نفسه لدخول الحزب حرب إسناد إيران، وقرار يوم التاسع من إبريل الماضي القاضي بـ"الطلب من الجيش والقوى الأمنية المباشرة فوراً بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها". استعادة القرار تربط الحكومة والرئاسة اللبنانيتان كل هذه القرارات، باتفاق الطائف (1990 الذي أنهى الحرب الأهلية)، وبالقرارات الأممية التي نصّت على حصر السلاح بيد الدولة، على رأسها قرار مجلس الأمن 1559 لعام 2004، قبل الانسحاب السوري، وقرار مجلس الأمن 1701 الذي أنهى الحرب بين لبنان وإسرائيل عام 2006. وبالتالي يقدم "العهد" الحالي المتمثل في الحكومة والرئاسة، نفسه من خلال القرار المتعلق ببيروت تحديداً، على أنه أكثر شجاعة من العهود السابقة، وأنه جدير بكسب ثقة اللبنانيين. وحتى إن بقي التنفيذ، وفق مراقبين، رهناً باتفاقات سياسية داخلية، فإنه يُسجل لهذا العهد أنه اتخذ قراراً تاريخياً غير مسبوق، وهو ما يردده سلام وعون في تصريحاتهما المتكررة. ومع انتخاب عون رئيساً للبلاد في يناير/كانون الثاني 2025 ثم تشكيل الحكومة برئاسة نواف سلام في فبراير/شباط 2025، ووسط تمديد البرلمان في 9 مارس/آذار 2026 ولايته لمدة سنتين في ظل العدوان الإسرائيلي وتبعاته، لم تخف السلطة هدفها باسترجاع القرار من حزب الله، الذي انتخب عون ويشارك بوزيرين في حكومة سلام، بعد نحو عقدين من سيطرة الحزب أمنياً على بيروت. وقد تكرست هذه السيطرة بعد أحداث 7 مايو/ أيار 2008 حين اجتاح مسلحو الحزب مدينة بيروت، ثم انتهج وحلفاؤه مبدأ "التعطيل"، متمسكين بالثلث زائداً واحداً للحقائب الوزارية في الحكومات المتعاقبة، وهي النسبة التي منحهم إياها اتفاق الدوحة في الشهر نفسه. علماً أن الهدف من الاتفاق حينها كان إنهاء أكثر من عام ونصف العام من أزمة شهدت فراغاً لأشهر في منصب رئاسة الجمهورية، وانقساما حادا بين قوى ما يُعرف بـ"14 آذار" (تشكلت بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري عام 2005 وقادت ثورة الأرز التي مهدت للانسحاب السوري، أبرزها حينها تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري، والحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط، والقوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع وحزب الكتائب اللبنانية برئاسة أمين الجميل، إلى جانب قوى وشخصيات مستقلة)، والمعارضة في حينه المتمثلة في حزب الله وحلفائه. وإذا كان حزب الله يلجأ إلى الشارع لفرض خياراته طيلة نحو عقدين، فقد اختار في الآونة الأخيرة، خصوصاً بعد حرب الإسناد الأولى في أعقاب السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، الجلوس في موقع "المتحفظ" لا "المعارض" لقرارات الحكومة التي سرعان ما ظهر خلافه معها. أما تلك القرارات المتعلقة به مباشرة، فيعلن بوضوح أنه يتعامل معها "كأنها لم تكن". عندما تلا قرار حصرية السلاح في بيروت، أكد وزير الإعلام اللبناني بول مرقص للصحافيين، أن وزيري الصحة ركان ناصر الدين والعمل محمد حيدر (من حزب الله) اعترضا على القرار، فيما لفتت وزيرة البيئة تمارا الزين، في حديث إذاعي حينها، إلى أنها ووزير المالية ياسين جابر (من حركة أمل برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري، حليف الحزب) ووزيري الحزب، تحفظوا على القرار. شعار "بيروت منزوعة السلاح" وشعار "بيروت منزوعة السلاح"، تكرر في العقدين الماضيين ما بين مطالب نيابية وأخرى شعبية، فيما رد الحزب عليه، بشكل غير مباشر، إذ كان يؤكد رفض نزع السلاح "في لبنان ككل"، دون التطرق إلى السلاح في بيروت. جاء ذلك مقابل تأييد هذا الشعار حتى من حلفاء ومقربين منه. الحرب الأخيرة في لبنان، والتي حاول الاحتلال استغلالها لإشعال فتنة في البلاد، أضفت زخماً على هذا الشعار. وخلال أحد اللقاءات مع سلام، في الثاني من إبريل الماضي، وفي إطار المطالبة حينها بتعزيز الأمن في بيروت في ظل العدوان الإسرائيلي والنزوح، قال النائب عن بيروت وضاح الصادق على رأس وفد ضم ممثلين عن عدة جمعيات بيروتية: "لا أريد أن أنتقل فوراً إلى المطالبة بأن تكون بيروت منزوعة السلاح، فالموضوع يحتاج إلى وقت". النائب فؤاد المخزومي، الذي شارك مثل الصادق في مؤتمر "بيروت مدينة آمنة وخالية من السلاح"، أيد هذا الشعار باستمرار، واعتبر في 2023 أن اندلاع اشتباكات مسلحة على خلفية فردية، تدخل الجيش لفضّها في المدينة حينها كان "دليلاً على أن ما طالبنا به دائماً بأن تكون مدينة بيروت منزوعة السلاح وأن يتم حصره بيد الدولة، بات أمراً ضرورياً". نواب آخرون ينتمون لأحزاب عدة، تملك بدورها مجموعات مسلحة، سبق أن طالبوا بـ"بيروت منزوعة السلاح"، بعد أحداث 7 مايو 2008، على رأسهم نواب في قوى 14 آذار. ثم عاد هذا شعار "بيروت منزوعة السلاح" للظهور بعد اشتباكات في منطقة برج أبي حيدر في العاصمة، عام 2010، إبان حكومة سعد الحريري، بين مسلحين من حزب الله وجمعية مسلحة حليفة له (جمعية المشاريع). انعكس ذلك بجولات وفود نيابية على المسؤولين قادها حينها نواب تيار المستقبل، واستمرت حتى خلال 2014. وكان لافتاً بعد ذلك أنه في 2011 تفهّم هذا الشعار رئيس الحكومة السابق سليم الحص (توفي في 2024) الذي كان يعد قريباً من الحزب وتوجهات المقاومة، والذي قال في بيان باسم منبر الوحدة الوطنية (استقال منه لاحقاً) بعد تداعيات اشتباكات 2010: "إننا نسمع اعتراضات على القول بيروت منزوعة السلاح، ومن منطلقات نتفهمها ونقدرها ولكننا لا نتفق معها". في الفترة نفسها عرض وفد من نواب بيروت "سبل الوصول إلى بيروت منزوعة السلاح"، مع بري ورئيس الحكومة حينها نجيب ميقاتي (مرشح حزب الله للحكومة على فترات)، ونقل الوفد في الوقت نفسه عن بري تجاوبه "حول موضوع سحب السلاحين الخفيف والمتوسط من بيروت الكبرى"، كما نقلوا عن ميقاتي أنه أبلغهم رده الإيجابي. أما على الصعيد الشعبي، فخلال تظاهرات ثورة 17 تشرين التي رفعت شعار "كلن يعني كلن" (جميع الأحزاب التي حكمت) ضد الفساد، وبعد أربعة أيام على انفجار المرفأ في الرابع من أغسطس 2020، اقتحم متظاهرون مبنى الخارجية اللبنانية، ورفعوا لافتة كبيرة على المبنى كُتب عليها "بيروت منزوعة السلاح". صلاحية دستورية في هذا الصدد، شدد علي مراد، الأستاذ المساعد في القانون العام في كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة بيروت العربية، على أن الدولة اللبنانية بقرارها حصر السلاح "تنفذ صلاحية دستورية"، معتبراً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الأمور (تطبيق حصرية السلاح) يجب أن تبدأ من مكان ما، فالدولة تمارس صلاحياتها السيادية". وأوضح في هذا السياق أن "اليوم توجد حكومة ومجلس نيابي وشرعية دستورية معترف بها، وكل الأطراف بما فيها حزب الله موجودون في الحكومة". وفي رأيه، فإن إعلان بيروت مدينة خالية من السلاح، هو "مطلب لبناني"، وبالتالي شدد على أنه "لا يمكن لأحد أن يفترض أن هذا القرار ضده، كما لا يمكن بأي شكل من الأشكال اعتبار أن وجود السلاح في بيروت يساهم، حتى في منطق حزب الله، بأن يكون هناك حضور له في الجنوب، إذا ما اعتبرنا أن هذه المسألة قابلة للنقاش". علي مراد: المطلوب هو الحسم السياسي قبل الحسم العسكري، فهو الذي يؤمن بسط سيادة الدولة، في بيروت، وفي بقية المناطق أما بشأن تنفيذ القرار فهو بحسب مراد "تحد للدولة اللبنانية، التي عليها أن تثبت قدرتها على تنفيذه"، موضحاً أنه "إذا كانت الدولة تريد أن تستخدم الأدوات نفسها التي أدارت من خلالها الأمور في العقدين الأخيرين، فهي بالضرورة غير قادرة على تنفيذ القرار". بالمقابل، لفت إلى أن الدولة "إذا قررت أن تغير من نهج التسوية والأمن بالتراضي والرضوخ لمنطق الابتزاز وليّ الذراع فإنها تستطيع تنفيذ قرارها". والمطلوب، وفق مراد "هو الحسم السياسي قبل الحسم العسكري، فهو الذي يؤمن بسط سيادة الدولة، في بيروت، وفي بقية المناطق". لحظة الاتفاق الداخلي بدوره رأى الباحث والمحلل السياسي اللبناني، ربيع دندشلي، أن فكرة بيروت منزوعة السلاح "ليست وليدة اللحظة، بل تكررت عند كل خضة (أزمة) أو مظاهر مسلحة أو حتى غير مسلحة تندرج ضمن العراضات والاستفزازات الحزبية في بيروت". وأشار في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن قرار الحكومة الأخير "سبقه قرار تمهيدي يتعلق ببيروت خالية من الشعارات الحزبية والطائفية (بتوجيهات من وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار وبلدية بيروت في إبريل 2025)". واعتبر أن "التوقيت وإن كان لا يرتبط مباشرة بالعدوان الإسرائيلي، إلا أنه يهدف إلى تجنيب بيروت تبعات قصف إسرائيل، وفي الوقت نفسه تحييدها عن الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة". ربيع دندشلي: بيروت شهدت مظاهر خارجة عن سلطة الدولة، لم تكن بالضرورة مسلحة وذكر أن "بيروت شهدت مظاهر خارجة عن سلطة الدولة، لم تكن بالضرورة مسلحة، فكان بعض مؤيدي الأحزاب يغلقون طرقاً مثلاً احتجاجاً على تنفيذ قرارات وتدابير السلطات"، مضيفاً أن تحت عنوان الحوادث الفردية وردات الفعل الشعبية "تم الاعتداء على ثوار 17 تشرين في السنوات الماضية، من دون حمل السلاح، وبالتالي الموضوع يتعلق أيضاً بالاستفزازات والخروج عن بسط سلطة الدولة في بيروت". وعن احتمال توسع القرار إلى الضاحية الجنوبية، اعتبر أن "الضاحية تستحق ذلك لأن سكانها بدورهم عانوا كثيراً من السلاح المتفلت، ولا يمكن اعتبار منطقة بحجمها منفصلة عن بيروت، الملاصقة لها". أما عن تنفيذ قرار الدولة فيقول دندشلي إنه "لا بد من اتفاق معيّن وبعدها يتغير كل شيء، أي الالتزام بالقرار بالتراضي".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية