الجنوب بين مشروع الهوية ومشروع الدولة
أهلي
منذ أسبوع
مشاركة

في خضم الاستقطاب الحاد الذي يعيشه اليمن اليوم، بات كثير من النقاش حول الجنوب يدور في دائرة ضيقة تختزل القضية كلها في سؤال الهوية: هل الجنوب يمني أم لا؟ وهي مقاربة قاصرة تختزل تاريخاً معقداً وصراعاً سياسياً عميقاً في شعارات انفعالية لا تقدم حلاً بقدر ما تعمق الأزمة.

المشكلة أن بعض الخطابات المعاصرة لم تعد تتعامل مع الجنوب بوصفه جزءاً من قضية وطنية كبرى مرتبطة ببناء الدولة والعدالة والشراكة، بل كهوية منفصلة يجب اقتلاعها من سياقها التاريخي اليمني. ولهذا نرى محاولات مستمرة للنبش في صراعات الماضي واستدعاء الأحقاد وتحويلها إلى مبررات سياسية لإنكار العمق الحضاري والتاريخي لجنوب الجزيرة العربية باعتباره جزءاً أصيلاً من اليمن التاريخي.

الحقيقة أن الجنوب لم يكن في يوم من الأيام مشروع عزلة أو انغلاق. فعندما اندلعت ثورة الرابع عشر من أكتوبر ضد الاستعمار البريطاني، لم تكن تقاتل من أجل صناعة هويات متصارعة، بل كانت تحمل مشروعاً تحررياً وطنياً واسعاً. الجنوب يومها استطاع أن يوحد أكثر من عشرين سلطنة وإمارة ومشيخة تحت راية سياسية واحدة، في خطوة كانت تعبر عن نزعة وحدوية تتجاوز التشطير الذي فرضه الاستعمار وموازين النفوذ الدولي.

ورغم ما شاب تلك المرحلة من صراعات وإقصاء سياسي، إلا أن الخطاب العام للحركة الوطنية الجنوبية ظل يعتبر الوحدة اليمنية امتداداً طبيعياً للتاريخ والجغرافيا والنضال المشترك. ولهذا لم تأت وحدة 22 مايو باعتبارها حدثاً طارئاً أو اختراعاً سياسياً معزولاً، بل كتتويج لحلم ظل حاضراً في الوعي الشعبي والثقافي لعقود طويلة.

لكن المشكلة الكبرى أن مشروع الوحدة دخل مبكراً في صدام مع بنية النفوذ التقليدي في اليمن، سواء النفوذ القبلي العسكري في الداخل أو المصالح الإقليمية التي كانت تنظر بعين القلق لأي تجربة يمنية يمكن أن تتحول إلى دولة وطنية مستقلة تمتلك قرارها السياسي وتفتح الباب لتعددية سياسية حقيقية.

ومن هنا بدأت عملية تفكيك المشروع الوطني اليمني تدريجياً. فبدلاً من معالجة اختلالات الوحدة وبناء شراكة عادلة، جرى توظيف الأخطاء والصراعات لإعادة إنتاج الانقسام بصورة أكثر حدة. وتحول الخلاف السياسي شيئاً فشيئاً إلى صراع هويات ومناطقيات وثارات تاريخية، حتى أصبح بعض الناس يتعامل مع اليمنية نفسها وكأنها عبء يجب التخلص منه.

اللافت أن القوى الإقليمية التي دعمت هذا المسار لم تكن في يوم من الأيام معنية ببناء دولة جنوبية مستقلة وقوية، بقدر ما كانت معنية بإضعاف اليمن كله شمالاً وجنوباً. فالدولة الوطنية القوية في اليمن، بما يمتلكه هذا البلد من موقع جغرافي وثقل سكاني وتاريخ حضاري، كانت دائماً مصدر قلق لمشاريع الهيمنة الإقليمية.

ولهذا شهد اليمن على مدى عقود سلسلة طويلة من الاستهداف للشخصيات الوطنية التي حاولت بناء مشروع دولة مستقل، من إبراهيم الحمدي إلى سالم ربيع علي، وصولاً إلى شخصيات عسكرية وسياسية برزت بعد الحرب الأخيرة وكانت ترفض الارتهان الكامل للخارج أو تسليم القرار الوطني للقوى الإقليمية.

المؤسف اليوم أن بعض الخطابات الجنوبية باتت تتحرك ضمن الرؤية التي أرادها الخارج: تفكيك الهوية اليمنية وتحويل الجنوب إلى قضية معزولة عن محيطها التاريخي، مع أن الواقع يقول إن الجنوب نفسه متنوع ومعقد، وأن أي مشروع سياسي لا يقوم على شراكة وطنية وعدالة حقيقية سيعيد إنتاج الصراعات داخل الجنوب ذاته.

إن الدفاع عن اليمنية لا يعني إنكار مظالم الجنوب، كما أن المطالبة بالحقوق لا تستوجب تمزيق الهوية والتاريخ. فالأزمات السياسية تعالج ببناء دولة عادلة ومؤسسات حقيقية وتوزيع منصف للسلطة والثروة، لا بإلغاء الجغرافيا أو اختراع هويات متصارعة.

اليمن في النهاية ليس شعاراً سياسياً عابراً، بل تراكم حضاري ممتد من سبأ وحمير ومعين وحضرموت إلى عدن وصنعاء وتعز والمكلا. وهذه الهوية لم تصنعها أنظمة الحكم الحديثة حتى يتم محوها بقرار سياسي أو حالة غضب عابرة.

قد يختلف اليمنيون حول شكل الدولة ومستقبل النظام السياسي وطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم، وهذا حق مشروع، لكن تحويل الخلاف السياسي إلى معركة ضد التاريخ والهوية لن يقود إلا إلى مزيد من التشظي والانهيار، وهي النتيجة التي لا تخدم إلا القوى التي تريد لهذا البلد أن يبقى ساحة مفتوحة للصراعات والنفوذ الخارجي.

The post الجنوب بين مشروع الهوية ومشروع الدولة appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية