يوميّات العجز
عربي
منذ 48 دقيقة
مشاركة
أتخيّل سيلفانا مُحدّقة إلى مكتبتها، تدمع ثمّ تقرأ وتبحث في المراجع وكتب الفلسفة والنقد وتحليل الخطاب لعلّها تجد منفذاً، بينما تقسّم ريتا وقت "الثقل" بين التطريز والبستنة، وغالباً ما تطرّز الزهور والطيور في حديقتها، تطرّز "الأمير الصغير" مع وردته على ذاك الكوكب السعيد البعيد. أختي تمشي حول الملعب البحريّ مسافة ساعة عن إنزال العدوّ الأخير. ربّما سيأتون قريباً، لذا عليها أن تسرع وتدور حول أفكارها، وهي تكرّر لمخاوفها أنّها ليست خائفة. ترسم ابنتي ألمى وجوهاً حزينة وأجساداً مائلة لها أذرع مبتورة، الخلفيّة قاتمة، أنهت قمقم اللون السود والبنّي والكحلي. اشترت غيرها وأنهتها أيضاً. وتصنع ابنتي ليان جيوباً من بقايا الأقمشة، جيوباً لكلّ شيء: للملابس، لنظّارات القراءة، للدُمى، للدبابيس الصغيرة التي دائماً ما تختفي من دون أثر، عدا الجيوب التي تخفي فيها أسرار حزن لا يفهمه أحد ولا هي.  أقف مُحاطة بكلّ من يجعلونني وحيدة كما يقول الشاعر عبّاس بيضون. هو أيضاً في انتظاراته يكتب الشعر الذي يُبكينا، وربّما يبكي وينسى أغراضه بين مقاهي بيروت ذريعةً ليعود ويبحث عنها، لعلّه يعثر على أشياء أخرى فقدها، ما عاد يذكر ما هي، لكنّه يعرف أنّها في مكان ما.  أقع في شرك القصيدة المتوحّشة، التي أقفل بها بول شاوول باب شعره، مُردّداً أنّه لن يكتبه مجدّداً، مُستذكراً ديوان حبّ كاملاً كتبه قبل عقود وضاع بين أعمدة الأوراق في مكتبته المُثقلة بالسنين. يندم كثيراً على فقدانه. ربّما ليُخبرني بأنّه الندم الوحيد الذي بقي له. لن يتحسّر على شيء أغلى من قصيدة حبّ. أفكّر كم هو محقّ!  بول يتابع تبجيل سيجاره، كما يعاملنا جميعاً نحن أصدقاءه، وكما هجر مقهاه المفضّل لأنّه صرف النادل تعسّفياً، وكما طالما عامل حرّاس المدينة، وحتّى القصيدة المتوحّشة التي افترستنا...، يستسلم بوداعة للخراب.  نُخيّر بين الاحتلال والحرب الأهليّة، ونحن نعرف أن الاحتلال يأتي أولاً وحين يرحل يترك لنا الاقتتال يعاتبني لأنّني أطلت الغياب. يقول منذ سنتين لم أرك. أتعجّب. التقينا قبل أقلّ من شهر. أكاد أن أصحّح له، ولكنّي لا أثق في ذاكرتي، أمس نسيت اصطحاب ابنتيّ من المدرسة، وكلّ صباحٍ أترك شرائح التوست تحترق.  *** ألجأ إلى المطبخ. حيلي قليلة، ويدي ملتهبة الأوتار، وبصري يشكّ في كلّ شيء. لا أجيد التطريز ولا البكاء ولا الرسم ولا الشعر ولا الخياطة. كانت لي قديماً محاولات شعريّة انطفأت كحسرة. وجرّبت مرّة أن أضرب الفرشاة على ورق الكونسون فلم تطعني.  أفتح الفيديوهات التي حفظتها ونويت تنفيذها. أسهل من شربة الماء. أجرّب وصفة إثر أخرى. ولا واحدة تشبه ما في فيديوهات محترفي الطهو أو هواته. كيف يفعلون هذا؟ لماذا أفشل دائماً في الحصول على القوام المناسب للبودينغ واللمعة المغرية للشوكولاتة الذائبة، ولماذا الحلوى الإسفنجية تبدو صوفية بين يديّ؟ وكيف أنّ تلك الكيكة التي "لا تفشل مع أحد" تفشل معي بجدارة؟ كدت أكتئب حتّى كشفت اللعبة الحقيرة. إنّهم يعدّلون فيديوهاتهم بالذكاء الاصطناعي! كلّ هذا كذب وخداع. حين تتعب الكاتبة من الكتابة لن تصير طاهية جيّدة مهما فعلت، ليس وهي تدخل المطبخ للتشافي وإعادة اختراع الصبر أكتفي بإفراغ الكريم كراميل في الحليب والتحريك. هذه حلوى أجيد صنعها منذ عقود ولن تخذلني اليوم. وصفة وُضِعت للمواساة. أصنع الأطباق التي أجدتها في زمن ما بين حربين، أكثر من طبقين في اليوم، ثمّ أصنع اللبنة بنفسي والمربّى وربّ البندورة. أجد هدوئي في المطبخ. تماماً كما كانت بطلة روايتي تفعل وكما أقلّدها اليوم بعد عقد من الزمان. عادة تقلّد البطلات الكاتبة، ولكن الظرف مختلف اليوم. ظنّ من قرأ روايتي أنّني طبّاخة ماهرة. استفتاني البعض في وصفات ووجبات. ضحكت وأنا أؤكّد لهم أنّني لست كذلك. مي، بطلة روايتي الأولى "برتقال مر" كانت كذلك. يحسنون الظنّ بي، أم أنّني أقنعتهم أكثر ممّا يجب. هذا قد يعني أنّي كاتبة جيّدة، على الأقلّ بالنسبة لهم. وحين تتعب الكاتبة من الكتابة لن تصير طاهية جيّدة مهما فعلت، ليس وهي تدخل المطبخ للتشافي وإعادة اختراع الصبر. في أيّام العجز هذه، العجز عن الفرح والتفكير والتحليل والتوقّع والاستنباط والاستلهام، ننتظر الأسوأ ونُخيّر بين الاحتلال والحرب الأهليّة، ونحن نعرف أن الاحتلال يأتي أولاً وحين يرحل يترك لنا الاقتتال. نعجز حتّى عن الانتظار، نروح نحشو وقتنا بأيّ شيء يبعدنا عن الهواجس والرؤى والتوجّس وانتظار الأسوأ. أعجز، أدخل إلى المطبخ، أطهو، أنسى الكيك في الفرن، أحرق جلده الرقيق ويغلّف الدخان عينيّ الساهمتين عبر زجاج النافذة. لا، لستُ أبكي، أقول لابنتيّ، إنّه الدخان. 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية