عربي
تشهد الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة تصعيداً إسرائيلياً متسارعاً ضد الجمعيات الخيرية ولجان الزكاة الفلسطينية، في خطوة يُنظر إليها على أنها تتجاوز البعد الأمني المعلن، لتمتد إلى البنية الاجتماعية الفلسطينية ومحاولات زعزعة صمودها في ظل الانهيار الاقتصادي المتفاقم. وفي أحدث هذه الإجراءات، أغلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي، أول أمس الخميس، لجنة الزكاة في مدينة جنين شمالي الضفة الغربية، عقب اقتحام مقرّها، وذلك بعد أيام قليلة من إغلاق جمعية "مديد" الخيرية في مدينة نابلس شمالي الضفة، وقبلها بشهر إغلاق الجمعية الخيرية في مدينة الخليل جنوبي الضفة، ضمن سلسلة متواصلة من الاستهداف للمؤسسات التي تقدم خدمات إغاثية وإنسانية لآلاف الأسر الفلسطينية.
مساس بالخدمات المقدمة
ولم تسلم لجنة زكاة جنين المركزية التابعة لصندوق الزكاة الفلسطيني، من الاستهداف، إذ أغلقتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحامها مدينة جنين شمالي الضفة الغربية، الخميس، في خطوة تؤكد اللجنة أنها تمسّ بصورة مباشرة الخدمات المقدمة للأيتام والأسر الفقيرة والمتعففة، وتندرج ضمن سياسة أوسع تستهدف المؤسسات الأهلية والخيرية الفلسطينية.
ويقول عضو لجنة زكاة جنين المركزية وأمين صندوقها، نصري حمامرة، لـ"العربي الجديد"، "إن قوات الاحتلال اقتحمت مدينة جنين صباح الخميس، وداهمت مقر لجنة أموال الزكاة وسط المدينة، قبل أن تُغلق أبوابه باللحام وتُعلق ملصقات تزعم دعم المقر لـ(الإرهاب والأنشطة التخريبية)"، مؤكداً أن هذه الادعاءات "غير صحيحة وغير دقيقة"، وأن اللجنة تقتصر أعمالها على الأنشطة الخيرية فقط.
ويوضح حمامرة أن قوات الاحتلال صادرت مقتنيات ووثائق من داخل المقر، تشمل بيانات خاصة بالأيتام والأسر الفقيرة والمتعففة، إلى جانب أدوات وآلات مكتبية تستخدم في إدارة العمل اليومي للجنة. ويشير إلى أنّ اللجنة تعتمد في عملها على مساعدات محلية وخارجية، وتتكفل برعاية الأيتام عبر برامج الكفالات، كما تقدم مساعدات للأسر المحتاجة خلال شهر رمضان والأعياد، وبداية العام الدراسي، إلى جانب تنفيذ مشاريع موسمية مثل كسوة الشتاء وكسوة المدارس، مؤكداً أن جميع أنشطتها ذات طابع خيري بحت، وليس كما يدعي الاحتلال.
ويشدد حمامرة على أن لجنة الزكاة لا تربطها أي علاقة بأي تنظيمات أو جهات ذات طابع عسكري أو أمني، معتبراً أن "هدف الاحتلال واضح" ويتمثل في استهداف المؤسسات الفلسطينية التي تعزز صمود الفلسطينيين في ظل الإغلاق والحصار. ويوضح أن لجنة زكاة جنين تُعد مؤسسة أهلية تُشكّل بصورة رسمية تحت رعاية وزير الأوقاف والشؤون الدينية والمحافظ، وتتبع لصندوق الزكاة الفلسطيني المركزي، شأنها شأن لجان الزكاة العاملة في مختلف المحافظات الفلسطينية.
آلاف الأسر مستهدفة في الضفة الغربية
بدوره، يقول مدير جمعية "مديد" الخيرية في نابلس، أحمد دويكات، في حديثه لـ "العربي الجديد"، إنّ "الاحتلال بات يستهدف المؤسسات التي تغطي احتياجات الناس اليومية مباشرةً"، موضحاً أن الجمعية كانت تقدم مساعدات غذائية وطبية وتعليمية لعشرات العائلات المحتاجة في محافظة نابلس.
ويؤكد دويكات أن إغلاق الجمعية "لا يعني استهداف مؤسسة فحسب، بل استهداف آلاف الأسر التي كانت تعتمد على خدماتها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة"، مشيراً إلى أن العائلات المستفيدة باتت عاجزة عن توفير الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية. ويلفت دويكات إلى أن الاحتلال يدرك تماماً حجم الأزمة الاقتصادية التي يعيشها الفلسطينيون، ولذلك يسعى إلى ضرب أدوات التكافل الاجتماعي، وإضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود والتماسك.
ورغم مرور أكثر من شهر على إغلاق ومصادرة الاحتلال مقتنيات الجمعية الخيرية الإسلامية في الخليل جنوبي الضفة الغربية، واعتقال رئيسها ثم الإفراج عنه، ومحاولة إدارتها الطعن في القرار، لا تزال حالة المماطلة وغياب الرّد مستمرة، بحسب ما يؤكده عضو مجلس إدارة الجمعية الخيرية الإسلامية في الخليل جويد التميمي في حديثه "العربي الجديد".
ويرى التميمي أن ما تتعرض له الجمعية يأتي ضمن سياق أوسع يستهدف العمل الخيري في فلسطين، ولا يقتصر على مؤسسة بعينها، بل يمتد ليشمل مختلف الجمعيات والهيئات التي تقدم خدمات للفئات الأكثر ضعفاً. ويشير إلى أن هذا الإجراء يندرج في إطار سياسة تضييق متصاعدة تطاول الجمعيات الخيرية ولجان الزكاة في الضفة الغربية، والتي تعمل بترخيص وتحت إشراف السلطة الفلسطينية وتخضع لرقابتها وإجراءاتها الرسمية، مؤكداً أن أبواب الجمعية مفتوحة أمام أي تدقيق أو متابعة من الجهات المختصة.
وتُعنى الجمعية الخيرية الإسلامية في الخليل بحسب التميمي، أساسياً برعاية الأيتام والفقراء والمحتاجين، وتدير بيوت إيواء للأيتام واليتيمات، إلى جانب عدد من المدارس، ما يجعلها جزءاً أساسياً من شبكة الحماية الاجتماعية في محافظة الخليل. ويؤكد التميمي أن كفالات الأيتام التي تقدمها الجمعية تضمن لهم الحد الأدنى من المعيشة والحياة الكريمة، رافضاً الادعاءات بوجود أي نشاطات غير قانونية أو "أعمال تجري من تحت الطاولة"، مشيراً إلى أن إدارة الجمعية كانت تضم شخصيات رسمية بارزة، من بينها الوزير السابق في السلطة الفلسطينية حاتم البكري وهو رئيس الجمعية، ما يعكس طبيعة عملها المؤسسي والرقابي.
تعميق الأزمة الاجتماعية
ويشير التميمي إلى أنّ الفلسطينيين يعيشون ظروفاً معيشية صعبة، في ظل احتجاز أموال المقاصة من قبل الاحتلال وتراجع فرص العمل، ما أدى إلى اتساع دائرة الفقر وارتفاع نسبة المحتاجين إلى أكثر من 70% بعد أن كانت في حدود 30% سابقاً، معتبراً أن هذا الواقع يضاعف من أهمية دور الجمعيات الخيرية، ويجعل استهدافها عاملاً إضافياً في تعميق الأزمة الاجتماعية.
ويوضح التميمي أن إغلاق الجمعية ترك أثراً سلبياً على حياة الأسر المستفيدة التي تعتمد أساساً على خدماتها اليومية، وخاصة فئة الأيتام الذين كانوا يتلقون رعاية كاملة تشمل المأوى والكفالة والتعليم، مشيراً إلى أن توقف هذه الخدمات خلق فجوة كبيرة في شبكة الدعم الاجتماعي داخل الخليل، في وقت تتزايد فيه أعداد المحتاجين نتيجة التدهور الاقتصادي العام.
محاولات قانونية... ولكن
ويؤكد التميمي أن الجمعية تتابع مسارها القانوني عبر محامين وجهات حقوقية، بالتوازي مع اتصالات مع مؤسسات رسمية، في محاولة لرفع القيود المفروضة عليها، لكنه يصف الإجراءات بأنها بطيئة ومليئة بالمماطلة، مؤكداً أن الواقع السياسي يطغى على الجانب القانوني في التعامل مع هذه القضايا. ويأمل التميمي أن تجد المسارات القانونية والدولية لإعادة فتح الجمعية واستئناف خدماتها للفئات المحتاجة، رغم العجز عن ذلك حتى الآن.
يقول المختص في الشؤون الإسرائيلية، عزام أبو العدس، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إنّ "إسرائيل تستخدم منذ سنوات (الملف الأمني) كغطاء قانوني وسياسي لاستهداف المؤسسات المدنية الفلسطينية، خاصة تلك التي تمتلك حضوراً مجتمعياً واسعاً"، ويوضح أبو العدس أن الاحتلال يحاول تكريس معادلة تعتبر أي نشاط اجتماعي فلسطيني فاعل "خطراً محتملاً"، خصوصاً إذا كان يساهم في تعزيز صمود الفلسطينيين أو تخفيف آثار الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
ويشير أبو العدس إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تدّعي أن بعض الجمعيات تشكل "غطاءً" لتحويل الأموال إلى جهات تصنفها إسرائيل بأنها معادية، وهو ما تستخدمه مبرراً لإصدار أوامر إغلاق ومصادرة أموال وممتلكات.
لكن أبو العدس يؤكد أن البعد الحقيقي لهذه السياسة يتجاوز الادعاءات الأمنية، موضحاً أن "إسرائيل تدرك أن الجمعيات الخيرية ولجان الزكاة تلعب دوراً مركزياً في حماية المجتمع الفلسطيني من الانهيار الكامل، ولذلك تستهدفها ضمن سياسة الضغط الاقتصادي والاجتماعي"، ويضيف أن هذه الإجراءات تأتي أيضاً في سياق الحرب المفتوحة على أي شكل من أشكال التنظيم المجتمعي الفلسطيني، سواء كان سياسياً أو نقابياً أو خيرياً.
تداعيات اجتماعية
ويحذر مراقبون من أن استمرار إغلاق المؤسسات الخيرية سيؤدي إلى تداعيات اجتماعية، ولا سيّما في ظل تزايد أعداد الأسر المحتاجة واعتماد فئة واسعة من الفلسطينيين على المساعدات الإنسانية، كما يطالب حقوقيون ومؤسسات مدنية بضرورة تحرك دولي لوقف استهداف العمل الإنساني الفلسطيني، معتبرين أن إغلاق المؤسسات الخيرية وحرمان المحتاجين من خدماتها يشكل انتهاكاً للقوانين والمواثيق الدولية التي تكفل الحق في العمل الإنساني والاجتماعي.
وبحسب تقديرات مؤسسات محلية ودولية، فإنّ نسب الفقر والبطالة في الأراضي الفلسطينية شهدت ارتفاعاً كبيراً خلال الفترة الأخيرة، مع فقدان آلاف العمال لأماكن عملهم، وتراجع النشاط التجاري والاقتصادي في مدن الضفة الغربية. وقال جهاز الإحصاء الفلسطيني، في 30 إبريل/ نيسان الماضي، إن نسبة البطالة في الضفة الغربية وصلت إلى 28% خلال الربع الرابع من 2025. ويقول الناشط المجتمعي سلامة صالحية لـ "العربي الجديد"، إنّ "هذه الحملة تأتي في وقت يشهد فيه المجتمع الفلسطيني مستويات غير مسبوقة من الفقر والبطالة، نتيجة الحرب الإسرائيلية المستمرة، وتشديد الحصار والإغلاقات، وتراجع فرص العمل، إضافة إلى أزمة الرواتب والانكماش الاقتصادي الحاد في الضفة الغربية".
ويلفت صالحية الذي يعمل في العمل الخيري منذ عقود، إلى أن قوات الاحتلال نفذت وعلى مدار سنوات، عشرات عمليات الإغلاق والمداهمة بحق مؤسسات خيرية ولجان زكاة، بذريعة ارتباطها بجهات "محظورة" أو قيامها بـ"تمويل نشاطات معادية"، وهي اتهامات تنفيها المؤسسات الفلسطينية على نحوٍ متكرّر، موضحاً أن عملها إنساني واجتماعي بحت ويخضع للرقابة الفلسطينية الرسمية.
ويشدد صالحية على أن لجان الزكاة والجمعيات الخيرية أصبحت في كثير من المناطق، الملاذ الأخير للأسر الفقيرة، إذ توفر الطرود الغذائية والمساعدات النقدية وكفالات الأيتام والرسوم الجامعية والعلاج والأدوية. ووفق صالحية، فإن هذه المؤسسات لعبت دوراً محورياً خلال السنوات الماضية في سد جزء من الفجوة الناتجة عن تراجع الأوضاع الاقتصادية، وضعف قدرة الكثير من العائلات على تلبية احتياجاتها الأساسية.
ويرى مراقبون أن استهداف هذا القطاع سيؤدي إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية، وارتفاع معدلات الحرمان، وربما زيادة المشكلات المرتبطة بالتفكك الاجتماعي والتسرب المدرسي وعمالة الأطفال. ويصف الخبير المالي شادي حمد في حديثه لـ"العربي الجديد"، ما يجري بأنه جزء من "حرب اقتصادية واجتماعية" أوسع تشنّها إسرائيل ضد الفلسطينيين، من خلال التضييق على مصادر الدخل والعمل والإغاثة في آن واحد.
وبالتوازي مع إغلاق الجمعيات الخيرية، تواصل قوات الاحتلال اقتطاع أموال المقاصة الفلسطينية، وتشديد القيود على الحركة والتجارة، ومنع عشرات آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الأراضي المحتلة عام 1948. وأموال المقاصة، هي عائدات الضرائب والجمارك التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية على السلع الواردة إلى الأراضي الفلسطينية عبر المعابر التي تسيطر عليها، وذلك بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994. وخلال السنوات الأخيرة، احتجزت إسرائيل مراراً أجزاء من أموال المقاصة أو جمّدت تحويلها بالكامل، بذريعة دفع السلطة مخصصات لعائلات الأسرى والشهداء، أو على خلفية التوترات السياسية والأمنية. وتسببت هذه الاقتطاعات بأزمات مالية متكرّرة للسلطة الفلسطينية، انعكست على قدرتها على دفع رواتب الموظفين وتغطية النفقات الأساسية. ويؤكد حمد أن هذه السياسات تهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني وإبقائه في حالة من الضغط الدائم، بما ينعكس على قدرته على الصمود والاستقرار. وفي المقابل، تتزايد الدعوات الفلسطينية لتعزيز شبكات التكافل الاجتماعي، ودعم المؤسسات الأهلية والخيرية، والعمل على إيجاد بدائل قادرة على حماية الفئات الأكثر هشاشة وفقراً.
ومع استمرار الأزمة الاقتصادية واتساع رقعة الفقر، يخشى حمد أن يؤدي استمرار هذه الحملة إلى نتائج كارثية على آلاف العائلات الفلسطينية التي لم يعد لديها سوى أبواب الجمعيات الخيرية ولجان الزكاة لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

أخبار ذات صلة.
شهداء وإصابات في قصف نقطة للشرطة شمال غزة
العربي الجديد
منذ 17 دقيقة