عربي
تعدّ الدورة الحالية من معرض الدوحة الدولي للكتاب، التي تتواصل حتى مساء اليوم، الأضخم في تاريخ هذه التظاهرة الممتدة منذ عام 1972، بمشاركة 520 دار نشر من 37 دولة، وأكثر من مليون و850 ألف كتاب موزعة على 910 أجنحة. وليست الأرقام وحدها ما ميز هذه الدورة عن سابقاتها، بل خيار غير مسبوق في تقليد المعرض منذ عام 2010، إذ لأول مرة لم يكن ضيف الشرف دولة عربية أو أجنبية كما درجت العادة على مدى خمس عشرة سنة تعاقبت فيها واشنطن، وأنقرة، وطهران، وطوكيو، ولندن، وباريس، والرياض، ومسقط، ورام الله، وإنما مشروع كتابي قطري هو "هذه قطر"، الذي دشنه رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في حفل الافتتاح.
التحول من استضافة دولة إلى استضافة مشروع معرفي، يُعيد تعريف فكرة ضيف الشرف ذاتها، ويحولها من بروتوكول دبلوماسي إلى فعل ثقافي. ويحمل هذا الاختيار دلالة تتجاوز الاحتفاء بإصدار محلي، إذ يعني أن المعرض قرر هذا العام أن يتوجه إلى الداخل بدلاً من استضافة الخارج، وأن يضع سؤال الهوية الثقافية في صدارة المشهد، والسؤال مفاده: ماذا يحدث حين تقرر دولة أن تروي نفسها لنفسها وللعالم في آن، عبر مشروع يتجاوز الكتاب الورقي إلى أرشيف متعدد الأشكال؟
تضم الموسوعة قرابة 300 فيلم توثيقي وكتباً ورقية وصوتية
يقدم مشروع "هذه قطر" مقاربة مختلفة لفكرة الكتاب الموسوعي، حيث يحاول بناء صورة شاملة عن قطر عبر مزج الكتابة بالوسائط البصرية والصوتية، في تجربة أقرب إلى أرشيف حي مفتوح على أكثر من شكل للقراءة والتلقي. يتكوّن المشروع من ستة كتب مستقلة يوثق كل منها جانباً من الهوية القطرية، لكن كل محور لا يعمل بمعزل عن الآخر، بل يتكامل ليشكل سرداً متشابكاً عن المكان والإنسان.
يبدأ العمل من كتاب "درب الحضارة"، حيث يُعاد تتبع تشكل الدولة عبر الزمن، من مراحل مبكرة حتى بناء الدولة الحديثة، مع التوقف عند مفهوم "كعبة المضيوم" الذي يُقدّم مفتاحاً لفهم الدبلوماسية القطرية ورمزاً للاحتواء والوساطة. هذا المسار يتجاوز تقديم التاريخ أرقاماً ومحطات إلى عرضه حكايةً ممتدة ترتبط بالإنسان وبالعلاقة مع الأرض. وتعبير "كعبة المضيوم" يعود إلى قصيدة لمؤسس قطر الحديثة الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني، ومعناه أن قطر ملاذ المظلوم ومقصده.
ثم ينتقل المشروع إلى محور "المدن والمعالم"، حيث تُقدَم الأماكن بوصفها ذاكرة حية، وليست مجرد نقاط على الخريطة. المدن هنا تُقرأ من خلال ما تحمله من تفاصيل يومية وطبقات تاريخية، وما تراكم فيها من حضور اجتماعي وثقافي عبر الزمن. هذا الجانب يخلق نوعاً من العلاقة بين القارئ والمكان، بحيث يصبح المكان جزءاً من السرد وليس مجرد خلفية له.
وفي كل مدينة قطرية، وفي صلبها بالطبع الدوحة وضواحيها، ما زالت المعالم القديمة تشير إلى ذاكرة مكان رغم التحولات الكبرى في العمارة الصاعدة من أبراج شاهقة، إلا أن الأماكن العمومية الجديدة ظلت تستلهم الشكل التراثي للمبنى ومحيطه من دواعيس (أزقة)، داخل الفرجان (الأحياء أو الحارات).
في محور "التراث"، يتوسع المشروع في التعامل مع الهوية الثقافية بمستوياتها المختلفة، من التراث المادي إلى الممارسات غير الملموسة مثل العادات والتقاليد والطقوس الاجتماعية. هذا الجزء يسلط الضوء على تفاصيل الحياة اليومية التي تشكل في مجموعها صورة المجتمع، ويقدمها باعتبارها امتداداً حياً لا ينفصل عن الحاضر. أما محور "نوافذ المعرفة"، فيفتح المجال أمام المؤسسات الثقافية والتعليمية والمتاحف والمهرجانات، باعتبارها جزءاً من بنية الوعي العام في البلاد. هنا يظهر دور الثقافة بوصفها ممارسة مستمرة، وليست نشاطاً مناسباتياً، مع التركيز على كيفية مساهمة هذه المؤسسات في تشكيل المعرفة وتعزيز حضورها في المجتمع.
من استضافة الدول إلى سرد الهوية عبر مشروع ثقافي
وفي "مرابع الإبداع"، يتجه المشروع نحو مجالات تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الكتابة الثقافية التقليدية، مثل التعليم والرياضة والصحة، لكنه يربطها بفكرة بناء الإنسان. هذا الربط يعكس تصوراً أوسع للثقافة، حيث لا تنفصل عن الحياة اليومية أو عن تطور المجتمع، بل تتداخل معهما بشكل مباشر.
المحور الأخير "جنة الفلا" يركز على البيئة الطبيعية في قطر، من الجغرافيا إلى الحياة الفطرية والتنوع البيئي. هذا الجزء يضيف بعداً آخر للمشروع، إذ يربط الإنسان بالطبيعة ويقدم البيئة بوصفها جزءاً من الهوية وليست مجرد عنصر خارجي.
ما يميز "هذه قطر" ليس فقط تعدد موضوعاته، بل طريقة تقديمه. فالمشروع لا يعتمد على الكتب الورقية وحدها، بل يضم أيضاً مواد صوتية وأكثر من 300 فيلم توثيقي، إلى جانب صور ووثائق وخرائط. هذا التنوع في الوسائط يجعل التجربة أكثر انفتاحاً، ويحول القراءة إلى فعل متعدد الحواس، يمكن أن يتم عبر النص أو الصورة أو الصوت أو المشاهدة.
كما أن ترجمة المشروع إلى عدة لغات وإتاحة محتواه بشكل واسع يعكس رغبة في تقديمه خارج الإطار المحلي، ليصل إلى جمهور أوسع، ويُقرأ خطاباً ثقافياً موجهاً للعالم، وليس فقط توثيقاً داخلياً. هذا البعد العالمي يضع المشروع في سياق مختلف، حيث يتحول من موسوعة وطنية إلى مادة قابلة للحوار مع ثقافات أخرى.لا يقل الجانب البصري في المشروع أهمية عن محتواه، إذ استُلهم تصميم الكتب من عناصر تراثية مثل الأبواب التقليدية القطرية وما تحمله من زخارف ونقوش، فيما جاء الغلاف العام مستوحى من "البشت" بوصفه رمزاً يدل على الهوية والكرم والانتماء.
ظهر مشروع "هذه قطر" في سياق المعرض نقطة ارتكاز لبرنامج ثقافي أوسع شمل ندوات ولقاءات فكرية بمشاركة أكاديميين ومثقفين من مجالات متعددة، إلى جانب تدشين 143 كتاباً جديداً وتنظيم عشرات ورش العمل والجلسات الحوارية. هذه الفعاليات تقاطعت مع محاور المشروع، وفتحت نقاشاً حول الثقافة والهوية وصناعة المعرفة. بهذا المعنى، يمكن رؤية "هذه قطر" محاولة تجمع بين التوثيق والسرد والتجربة البصرية، وتقدم صورة عن بلد من خلال تراكمات متعددة من المعرفة، بدل الاكتفاء بسرد خطي أو تعريف تقليدي. والآن، بعدما أُطفئت أضواء المعرض وغادر الزوار إلى بيوتهم، يبقى السؤال الذي يطرحه مشروع كهذا معلقاً: هل يمكن لموسوعة، مهما تعددت وسائطها وتنوعت مشاغلها، أن تُمسك بصورة بلد حي يتحرك ويتغير؟ المشاريع الموسوعية الكبرى تحمل دائماً هذا التوتر بين الرغبة في التثبيت والواقع الذي لا يتوقف عن التحول.
