عربي
يشهد السودان عودة متزايدة للنازحين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية، ولا سيّما إلى العاصمة الخرطوم، غير أن شكاوى العائدين تكاد تتطابق بعدما وجدوا أنفسهم وسط خرابٍ ودمار ومنازل منهوبة وخدمات معدومة، فضلاً عن غلاء الأسعار والانفلات الأمني والمخاطر الصحية المحدقة، في ظل غياب جهود رسمية فاعلة.
بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب المدمّرة في السودان التي تسبّبت في تشريد نحو 14 مليون شخص بحسب تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 10 إبريل/ نيسان الماضي، اختارت آلاف الأسر السودانية العودة إلى منازلها في العاصمة عوض مواصلة الحياة المريرة في مخيمات النزوح الداخلي أو مخيمات اللجوء في دول الجوار. عادت تلك الأسر وهي تحمل آمالاً وأحلاماً بطيّ صفحة النزوح واللجوء وبدء حياة جديدة فوق أنقاض الدمار الذي خلّفته المعارك العسكرية بين أزقة الأحياء وعلى أسطح المنازل، طامحةً إلى استرداد الحد الأدنى من الاستقرار الذي فُقد تحت وابل الرصاص.
غير أنّ الواقع كان صادماً لكثير من هذه الأسر المنهكة. وبعد مشقة سفر طويل، اكتشف العائدون أن الخرطوم لم تعد المدينة ذاتها التي غادروها قبل ثلاثة أعوام، إذ تحوّلت أحياء عريقة إلى أطلال يخيّم عليها الخراب والدمار من جراء القصف. ووجد كثيرون أن منازلهم تعرضت لعمليات نهب منظّمة شملت الأثاث المنزلي وشتّى المحتويات، وتوصيلات الكهرباء، حتى أنّ الأبواب والنوافذ والأسقف لم تنجُ من أيادي اللصوص.
لم تتوقف معاناة السودانيين العائدين عند هذا الحد، إنما واجهتهم أزمة انعدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء ومياه الشرب، وغلاء الأسعار، وندرة وسائل النقل العام التي تأثرت كثيراً بارتفاع الوقود الذي بات نادراً، فضلاً عن تفاقم الانفلات الأمني الناتج عن انتشار السلاح في أيدي العصابات والتشكيلات الإجرامية. بالمقابل، عجزت السلطات الحكومية في ولاية الخرطوم عن توفير الخدمات الأساسية للأسر العائدة، إلى جانب فشلها في إزالة الأنقاض وفتح الطرقات، ونبش قبور قتلى الحرب من وسط الأحياء ونقل الرفات إلى المقابر العامة، وإجراء مسح دقيق للتأكد من خلو المنازل من المخلّفات الحربية والألغام، أو حتى الحد من انتشار البعوض الناقل لمرض الملاريا، بحسب متابعين. وقد وجدت كثير من الأسر العائدة صعوبات بالغة في ترميم المنازل وشراء الأثاث، وحتى في تأمين الاحتياجات الغذائية اليومية التي صارت عبئاً يفوق قدرة العائدين وإمكانياتهم المادية الشحيحة.
عادت إحسان مبارك، وهي أم لستّة أطفال، إلى منزلها في حيّ مايو، جنوبي الخرطوم، بعد أن كانت لاجئة في أوغندا. وفي حديثها لـ"العربي الجديد"، تصف إحسان عودة اللاجئين بـ"الضرورية" بعد توقف القتال في الخرطوم منذ أكثر من عام، خصوصاً أن ظروف اللجوء باتت قاسية نتيجة شحّ المساعدات الإنسانية، وتقول: "غير أنّ العودة يجب أن تسبقها جهود حكومية لتوفير مياه الشرب من خلال إصلاح محطات الإنتاج والتوزيع التي خُرّبت خلال الحرب، وكذلك توصيل الكهرباء التي تعرّضت لعمليات تخريب واسعة، شملت سرقة المحوّلات والكوابل وإسقاط الأعمدة على الأرض". وتضيف إحسان، التي تقيم في أحد أفقر أحياء العاصمة: "رغم أن المنطقة لم تكن تتمتع بخدماتٍ كافية قبل الحرب، ولكنّها اليوم تكاد تفتقر لأبسط مقوّمات الحياة. لقد عُدنا آملين في أن يكون الوضع أفضل، لكنّ تبيّن أنّه لا يختلف كثيراً عن واقع اللجوء إلا بكون الإنسان يعيش في وطنه".
وفي حيّ الأزهري القريب من حيّ مايو، وصلت آمنة عبد الله مع أطفالها الثلاثة، قادمةً من مصر بعد رحلة لجوء قاسية بسبب المضايقات الأمنية التي تعرّض لها اللاجئون السودانيون هناك، ودفعت كثيرين منهم إلى العودة رغم تدهور الأوضاع الأمنية والمعيشية في السودان. ورغم أن حيّ الأزهري لم يتعرّض لتدمير كبير بسبب عدم نزوح عدد من سكانه عقب سيطرة قوات الدعم السريع، إلا أن المنازل التي تركها أهلها تعرضت لعمليات سرقة منظّمة شملت الأثاث والأغراض الشخصية. وكانت آمنة واحدة من ضحايا السرقة.
تقول آمنة لـ"العربي الجديد": "خرجتُ برفقة أطفالي خوفاً عليهم، لأن القصف كان يستهدف الأحياء السكنية، وكانت العصابات تقتل المواطنين بدم بارد، لكن عندما عدتُ وجدتُ أنّ منزلي تعرّض للسرقة، حتى أنّ الأبواب والنوافذ اقتُلعت. ورغم الخراب والدمار الذي لحق بالمنزل، غير أننا لا نملك قيمة إيجار منزل آخر، لذلك اضطررنا إلى البقاء فيه، وقد وفّر لنا الجيران بعض البطانيات والأغطية البسيطة". وتضيف آمنة: "عدنا من مصر نتيجة المطاردات الأمنية التي شملت حتى المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، غير أننا نواجه اليوم في الخرطوم واقعاً قاسياً، فالخدمات معدومة والأمن غير مستتب، لكنّنا لا نملك أي بدائل أو خيارات أخرى".
وفي معظم أحياء الخرطوم ما زالت آثار القصف والسرقة والتعدي على المنازل واضحة، حيث نجد الأثاث المنزلي محطماً في الطرقات وأسلاك الكهرباء مسحوبة من جدران المنازل، وخراطيم المياه تعرّضت للتلف بسبب حرارة الشمس وانقطاع المياه عن بعض الأحياء لأكثر من ثلاثة أعوام. وتظهر آثار الحرب بشكل كبير في حيّ الخرطوم شرق، القريب من القيادة العامة للجيش السوداني، الذي شهد معارك ضارية بين طرفَي الحرب (الجيش السوداني وقوات الدعم السريع) من أجل السيطرة عليه. ورغم أن الحيّ يقع عند خط المواجهة، لكنّه تعرض للنهب الذي شمل الأثاث المنزلي والأبواب والنوافذ.
ويقول أحد سكان الحيّ لـ"العربي الجديد": "لم أتوقع أن يتعرّض منزلي للسرقة لأنه يقع عند خط القتال، وهو قريب من قيادة الجيش، لكنني فوجئت بعد عودتي من مصر بأنّ الأبواب مفتوحة والمنزل خالٍ من الأثاث والأجهزة الكهربائية. ويضيف الرجل الذي طلب عدم الكشف عن هويته: "عندما خرجتُ بعد 25 يوماً على اندلاع الحرب، تركتُ هاتفي الجوال داخل المنزل، وأغلقتُ غرفه بإحكام، لكن المفارقة أن السرقة طاولت حتى أسلاك الكهرباء الخارجية".
وخلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع على أحياء الخرطوم حتى مايو/ أيار 2025، تعرّضت محطات إنتاج وتوزيع الكهرباء والكوابل والأسلاك لعمليات تفكيك ونهب منظّم، بهدف استخراج النحاس وتهريبه خارج البلاد، الأمر الذي أغرق عشرات الأحياء في العاصمة بالظلام. ويستطرد الرجل الذي استأجر لأسرته منزلاً صغيراً في حيّ الجرافة، شمالي مدينة أم درمان، ويقول: "رغم مناشدات العودة التي وجّهتها السلطات الحكومية إلى النازحين واللاجئين، غير أنّ الخدمات لم تكتمل بعد، وما زالت بعض الأحياء مهجورة تماماً نتيجة ذلك. ولا أعتقد أن خدمات المياه والكهرباء ستعود قريباً إلى وسط الخرطوم كي نعود إلى منازلنا ونبدأ في إعادة إعمارها".
أما عبد الله محمد الذي كان لاجئاً في كينيا، فيصف واقع الخرطوم بـ"المؤلم"، بسبب عدم قدرة المواطنين على تعويض خسائر الحرب. ويقول عبد الله، وهو أب لستّة أطفال: "بجولةٍ بسيطة وسط الأحياء، يشعر المرء كأنّ المنطقة كانت خالية من الحياة منذ عشرات الأعوام. المنازل بمعظمها خالية ومتضرّرة، الأوساخ متراكمة في كلّ مكان، الأشجار والأعشاب نبتت في المنازل ووسط الميادين، بينما يعجز العائدون عن معالجة أيّ من هذه الأضرار، في وقت تغيب فيه الجهود الحكومية". ويضيف متحدثاً لـ"العربي الجديد": "آلاف العائدين لم يجدوا أي خدمات تُذكر، حتى مياه الشرب تكاد تكون معدومة، لدرجة أنّهم باتوا يعتمدون على المياه التي توزعها المنظمات الإغاثية خلال أيام معدودة في الأسبوع، فيما يعجزون عن تأمين المواد الغذائية بعدما فقدوا مدّخراتهم ومصادر رزقهم طيلة أعوام النزوح واللجوء. وفي حال لم تتحرك السلطات في السودان لمعالجة هذه القضايا العاجلة، فإنّ عائلات كثيرة سوف تواجه مشقةً في توفير متطلباتها الأساسية".
وتقول كوثر علي التي كانت لاجئة في مصر: "لم تبذل السلطات الحكومية أي جهد لتوفير الخدمات وإزالة الأنقاض، وما زالت قبور كثيرة موجودة في وسط الأحياء، وهناك حديث عن ألغام ومخلّفات حربية في المنازل والميادين. هذه معوّقات كان يُفترض أن تذلّلها السلطات منذ فترة طويلة، خصوصاً أن القتال في الخرطوم توقف منذ نحو عام". وتضيف كوثر متحدثة لـ"العربي الجديد": "يتحدثون عن عودة الحكومة المركزية من بورتسودان إلى الخرطوم لمزاولة أعمالها، لكنّنا لم نجد أيّ خدمات، حتى أنّ مؤسسات الحكومة نفسها مدمّرة، لم تخضع لأيّ صيانة، وقد اضطرّت الحكومة إلى استئجار مقرّات في مناطق غير متضرّرة. وإذا كانت الحكومة بحد ذاتها لم تستطع صيانة مقرّاتها وتزويدها بخدمات المياه والكهرباء، كيف يمكن للمواطن صيانة منزله وتأمين الخدمات الحيوية؟".
وفي 12 مايو/ أيار الجاري، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة أن نحو 4.1 ملايين شخص عادوا إلى مناطقهم الأصلية في مختلف أنحاء السودان، في مؤشر وصفته بأنه "بارقة أمل" في خضم واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم. وفي حوار مع أخبار الأمم المتحدة، نُشر في 12 مايو، أكد رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان محمد رفعت أن "الأغلبية العظمى من العائدين، أي أكثر من 80%، عادوا من داخل السودان إلى تسع ولايات كبرى، على رأسها الخرطوم والجزيرة وسنار"، مشيراً إلى أن أعداد النازحين داخلياً انخفضت بنسبة 23% مقارنة بأعلى مستوى سجلته البلاد في يناير/ كانون الثاني 2025، عندما بلغ عدد النازحين قرابة 12 مليون شخص.

أخبار ذات صلة.
فيلم "أسد"... خلطة من عدة أفلام ليست لنا
العربي الجديد
منذ 16 دقيقة
الإعلام في مواجهة "غوغل" وذكائها الاصطناعي
العربي الجديد
منذ 30 دقيقة