عمليات الإعدام... أعلى حصيلة منذ 1981 رغم التوجه العالمي لإلغائها
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تؤكد منظمة العفو الدولية أن الارتفاع الحادّ في استخدام عقوبة الإعدام لا يعكس توسعاً عالمياً، بل يتركز في أقلية ضيقة من دولٍ ما زالت تعتمده أداةً عقابية وسياسية، ما يجعلها مسؤولة عن الجزء الأكبر من الإعدامات التي سجّلت الرقم الأعلى الموثق خلال 44 عاماً، وسط اتجاه دولي وشعبي لإلغاء هذه العقوبة. رغم الاتجاه العالمي المستمر نحو إلغاء عقوبة الإعدام، يكشف تقرير منظمة العفو الدولية عن عودة حادّة في وتيرة التنفيذ خلال عام 2025، تقودها مجموعة محدودة من الدول، في أعلى حصيلة تُسجَّل منذ عام 1981. فقد سجّلت عمليات الإعدام في العالم خلال عام 2025 ما لا يقلّ عن 2707 حالات في 17 دولة، بزيادة بلغت 78% مقارنةً بالعام السابق، وفق التقرير السنوي الصادر عن المنظمة في 18 مايو/أيار الجاري. ويُعدّ هذا الرقم الأعلى الموثق خلال 44 عاماً، في وقت يؤكد فيه التقرير أن الأرقام تمثل "الحد الأدنى الموثق"، بسبب غياب الشفافية في عدد من الدول، ما يرجّح أن تكون الحصيلة الفعلية أعلى بكثير، خصوصاً في الصين وكوريا الشمالية وفيتنام، حيث لا تتوفر بيانات رسمية دقيقة أو شاملة. وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن هذا الارتفاع الحادّ لا يعكس توسعاً عالمياً في استخدام العقوبة، بل يتركز في "أقلية ضيقة من الدول" التي ما زالت تعتمد الإعدام أداةً عقابية وسياسية، ما يجعلها مسؤولة عن الجزء الأكبر من هذه القفزة غير المسبوقة. تعود الغالبية الساحقة من زيادة عمليات الإعدام إلى إيران التي نفّذت وحدها ما لا يقلّ عن 2159 عملية إعدام في عام 2025، مقارنةً بـ972 في عام 2024، أي أكثر من ضعف العدد السابق. وبذلك تُسهم إيران بما يقارب 80% من إجمالي الإعدامات المسجلة عالمياً. وبحسب منظمة العفو الدولية، فإنّ نحو نصف هذه الإعدامات مرتبط بجرائم المخدرات، فيما يرتبط النصف الآخر بما تصفه السلطات الإيرانية بـ"محاربة الله أو النظام". وتؤكد المنظمة أن كثيراً من الأحكام صدرت في محاكمات تفتقر لضمانات العدالة، وغالباً ما استُخدمت ضد معارضين ومحتجين. وتقول الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أنياس كالامار إنّ إيران كثّفت استخدام العقوبة بعد احتجاجات داخلية وتوترات إقليمية، معتبرةً أنها تُستخدَم أداةً "لبثّ الخوف وإسكات المعارضة"، مع تأثير غير متناسب على الأقليات العرقية والدينية. إلى جانب إيران، سجّلت السعودية 356 حالة إعدام، تلتها اليمن بـ51، بينما نفّذت الولايات المتحدة الأميركية 47 إعداماً، بزيادة تقارب الضعف عن عام 2024 (25 حالة). كما سجّلت مصر 23 حالة، والكويت وسنغافورة والصومال 17 حالة لكلّ منها، إضافة إلى حالات أقل في اليابان وجنوب السودان وتايوان والإمارات. وفي حديثها لـ"العربي الجديد"، تؤكد الناشطة بمكافحة عقوبة الإعدام في منظمة العفو الدولية - فرع الدنمارك، أنيكا كريستنسن، أن "هذه الدول، رغم اختلاف أنظمتها السياسية، تشترك في توسيع استخدام عقوبة الإعدام في سياقات تتعلق بالجريمة المنظمة أو القمع السياسي أو التشدد في مكافحة الجريمة". مع ذلك، تأمل كريستنسن أن يسهم إلقاء الضوء على الإعدامات في انضمام مزيد من الدول إلى تجميد هذه العقوبة. وتقول: "رغم الزيادة في الإعدامات الإجمالية، إلا أن دولاً أخرى باتت تشهد انخفاضاً، فمثلاً في بيلاروسيا نشهد للمرة الأولى منذ تولّي رئيسها ألكسندر لوكاشينكو الحكم في التسعينيات، انخفاضاً كبيراً بأحكام الإعدام، ولم يُنفّذ أيّ إعدام العام الماضي. كما أعلنت المحكمة الدستورية في قرغيزستان عدم دستورية محاولة إعادة العمل بعقوبة الإعدام، وهو ما يُعدّ من الجوانب الإيجابية في التقرير". على الرغم من عدم إدراجها في الإحصاء الرقمي بسبب غياب البيانات الرسمية، تُقدّر منظمة العفو الدولية أن الصين تنفّذ آلاف الإعدامات سنوياً، ما يجعلها الدولة الأولى عالمياً من حيث عدد الإعدامات الفعلي، لكنها خارج نطاق التوثيق بسبب السرية الحكومية. كما تُشير المنظمة إلى صعوبات مماثلة في الحصول على بيانات من كوريا الشمالية وفيتنام، ما يجعل الأرقام العالمية أقلّ من الواقع الفعلي. وتشدّد منظمة العفو الدولية على أنّ استخدام عقوبة الإعدام يتركز بشكل متزايد في مجموعة محدودة من الدول ذات الأنظمة الاستبدادية أو شبه الاستبدادية، حيث تُستخدم العقوبة أداةً سياسية وأمنية. ووفق التقرير، فإنّ نحو 1257 شخصاً أُعدموا في 2025 بسبب جرائم تتعلق بالمخدرات، أي ما يقارب نصف إجمالي الإعدامات. كما نُفّذ ما لا يقلّ عن 17 إعداماً بشكل علني، بينها 11 في إيران و6 في أفغانستان. وتشير المنظمة أيضاً إلى إعدام ثلاثة أشخاص على الأقلّ بسبب جرائم ارتكبوها وهم دون سنّ 18 عاماً، في انتهاك صارخ للقانون الدولي. ورغم كونها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الأميركيتين التي ما تزال تطبق عقوبة الإعدام، سجّلت الولايات المتحدة 47 عملية إعدام في عام 2025. وتشير منظمة العفو الدولية إلى أن بعض الولايات وسّعت استخدام وسائل تنفيذ جديدة، بينها الإعدام بالنيتروجين، في سياق سياسي يتّجه نحو "التشدد في مكافحة الجريمة". ويأتي ذلك في ظل خطاب سياسي متصاعد يدعو إلى تشديد العقوبات، خصوصاً خلال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي دعمت توسيع نطاق تطبيق الإعدام على المستوى الفيدرالي. يسلّط التقرير الضوء أيضاً على قانون سلطة الاحتلال الإسرائيلي الجديد الذي يتيح فرض عقوبة الإعدام في قضايا القتل ذات الصلة بـ"الإرهاب"، خصوصاً في الحالات التي تُعرَّف بأنها تهدف إلى "تدمير دولة إسرائيل". ويؤكد الباحث والخبير في القانون الدولي مارتن سفينسون لـ"العربي الجديد" أنّ ما تبنّاه الساسة الإسرائيليون "لا ينتهك فقط القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، بل ينمّ عن استهتار تامّ بأرواح الفلسطينيين، في سياق اعتبارهم أقلّ قيمة من الإسرائيليين". ويشدّد سفينسون على أنّ "التمييز العنصري واضح، إذ إنّ المحاكم الإسرائيلية لا تُحرّك ساكناً أمام توسّع الاعتداءات العنيفة والمميتة للمستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتمنحهم العفو عن جرائم قتل، وبحماية الجيش المحتل. لذلك، فإنّ تطبيق عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين حصراً يعني ترسيخ مبدأ الفصل العنصري من قبل دولة تدّعي أنّها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة". وبحسب نصّ القانون الذي صوّت عليه الكنيست الإسرائيلي، فإنّ تطبيق الإعدام قد يصبح إلزامياً في بعض القضايا أمام المحاكم العسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد أثار هذا التشريع انتقادات واسعة في أوساط منظمات حقوقية دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات في أوروبا، باعتبار أنّ القانون المذكور يفتح الباب أمام تطبيقٍ غير متكافئ للعقوبة، ويستهدف الفلسطينيين بشكل خاص، ما يطرح تساؤلات حول الطابع التمييزي للقانون. ورغم الارتفاع الحادّ في عدد الإعدامات، تؤكد منظمة العفو الدولية أن الاتجاه العالمي العام ما يزال يميل نحو الإلغاء. إذ ألغت 145 دولة عقوبة الإعدام قانونياً أو عملياً، بينها 113 دولة ألغتها بالكامل. وفي المقابل، لم يتبقَّ سوى أقلية محدودة من الدول التي ما تزال تنفّذ العقوبة فعلياً، وهو ما تصفه المنظمة بأنه "دائرة ضيقة من الدول المعزولة" تستخدم الإعدام بوتيرة متزايدة. وتشير التطورات الإيجابية إلى غياب تنفيذ الإعدامات في بيلاروسيا خلال عام 2025 لأول مرة منذ عقود، إضافة إلى تحركات تشريعية في دول مثل نيجيريا ولبنان نحو الإلغاء، وقرار المحكمة الدستورية في قرغيزستان باعتبار إعادة العمل بالعقوبة غير دستورية. ويخلص تقرير منظمة العفو الدولية إلى أن عقوبة الإعدام لم تعد ممارسة عالمية، بل باتت مرتبطة بأنماط حكم محددة تقوم على تعزيز السلطة عبر الردع الشديد والقمع، وغالباً في بيئات تضعف فيها استقلالية القضاء وتغيب فيها الشفافية. وتؤكد المنظمة أن العقوبة لا ترتبط فقط بمستويات الجريمة، بل بالخيارات السياسية للدول، حيث تُستخدم في بعض السياقات كأداة لإظهار القوة والسيطرة، لا كوسيلة لتحقيق العدالة. ورغم استمرار هذا التصعيد في عدد محدود من الدول، ترى المنظمة أن الاتجاه التاريخي العام ما يزال يسير نحو الإلغاء التدريجي لعقوبة الإعدام، مع اتّساع الرفض الشعبي والدولي لها، باعتبارها عقوبة غير قابلة للإصلاح في حال الخطأ القضائي، وتشكّل انتهاكاً جوهرياً لحق الحياة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية