عربي
كلما انهارت تجربة ديمقراطية في بلد أفريقي، أو عاد الجيش إلى السلطة عبر انقلاب، أو انفجرت انتخابات في شكل حرب أهلية، يعود السؤال ذاته، أحياناً بقلق مشروع، وأحياناً باستعلاء قديم: هل الديمقراطية أصلاً صالحة لأفريقيا؟ وهل تكشف الانقساماتُ الإثنية، والبنى القبلية، وضعفُ المؤسسات، أنّ القارة تعيش تناقضاً جوهرياً مع النموذج الديمقراطي الحديث؟
هذا السؤال، رغم شيوعه، غالباً ما يُطرح بصورة مضلِّلة. فهو يفترض أنّ المشكلة تكمن في المجتمعات الأفريقية نفسها، وكأنّ التعدّد الإثني أو البنية الاجتماعية التقليدية أو الإرث القبلي يجعل الديمقراطية فكرة غريبة عن القارة. لكنّ الواقع أكثر تعقيداً بكثير. فالأزمة ليست في أنّ الديمقراطية لا تصلح لأفريقيا، بل في أنّ كثيراً من الدول الأفريقية دخلت التجربة الديمقراطية قبل أن تحسم سؤالاً أكثر جوهرية: ما هي الدولة نفسها، ومن بناها، ولصالح من تعمل؟
بمعنى آخر، المشكلة في كثير من الحالات ليست فشل الديمقراطية بقدر ما هي هشاشة الدولة التي طُلب من الديمقراطية أن تعمل داخلها. معظم الدول الأفريقية الحديثة لم تتشكّل بوصفها نتاجاً لعقد اجتماعي داخلي، كما حدث في بعض التجارب الأوروبية، بل وُلدت من خرائط استعمارية رسمتها القوى الأوروبية وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، لا وفق التوازنات التاريخية أو الثقافية أو السياسية المحلية. لقد جمعت هذه الحدود جماعات متعدّدة داخل كيانات سياسية واحدة، من دون أن تؤسّس بالضرورة لمشروع وطني جامع. وبعد الاستقلال، ورثت النخب المحلية دولةً صُمّمت أساساً للسيطرة والاستخراج، لا للمواطنة والتمثيل.
وهنا بدأت المعضلة. فبدلاً من أن تكون الدولة إطاراً محايداً ينظّم التعدّدية، تحوّلت في كثير من البلدان إلى غنيمة استراتيجية، لأنّ السيطرة عليها تعني السيطرة على الموارد، والأمن، والشرعية. ولهذا؛ لم تصبح الانتخابات مجرّد تنافس سياسي، بل معركةً وجودية على من يملك الدولة نفسها. وفي مثل هذا السياق، تتحوّل الإثنية أو الجهة أو القبيلة من هويات اجتماعية إلى أدوات سياسية للبقاء، ليس لأنّ الأفارقة "غير ديمقراطيين"، بل لأنّ الدولة نفسها لم تُبْنَ بعدُ بوصفها دولةَ مواطنةٍ كاملة.
السودان يمثّل مثالاً صارخاً على هذه الأزمة. فمنذ الاستقلال عام 1956، لم يفشل السودان فقط في حماية الديمقراطية، بل فشل أوّلاً في بناء دولة وطنية متّفق عليها. إذ تشكّلت السلطة حول مركز سياسي وثقافي ضيّق، بينما عاشت الأطراف، من الجنوب سابقاً إلى دارفور وجبال النوبة والشرق، في علاقة متوتّرة مع دولة لم يشعر كثيرون بأنّها تمثّلهم. وهكذا، حين جاءت الانتخابات أو الفترات الديمقراطية، ظلّت تعمل فوق أرضية غير مستقرّة، لأنّ سؤال الدولة، والهوية، والعدالة، ظلّ معلَّقاً.
لكن إذا كانت المشكلة في بناء الدولة، يبرز السؤال الأصعب: من الذي سيبني الدولة أوّلاً؟ هنا تكمن المعضلة المركزية في أفريقيا. ففي أوروبا، سبقت الدولةُ الحديثةُ الديمقراطيةَ في كثير من الحالات، وغالباً بُنيت عبر سلطة مركزية قوية، وأحياناً سلطوية. أمّا في أفريقيا، فقد وجدت المجتمعات نفسها مطالَبةً ببناء الدولة والديمقراطية في الوقت نفسه، داخل حدود استعمارية، ومؤسّسات ضعيفة، ونخب منقسمة.
في هذا الفراغ، قدّمت الجيوش نفسها مراراً بوصفها القوّة الوحيدة القادرة على حماية الوحدة الوطنية وبناء الدولة. ومن هنا بَرَّرَت انقلاباتٌ عديدةٌ نفسَها، من السودان إلى نيجيريا وبلدان أخرى، تحت شعار إنقاذ الوطن من الفوضى أو الانقسام. لكنّ التجربة أظهرت أنّ كثيراً من هذه الجيوش لم تَبْنِ دولة مواطنة، بل بَنَت دولة أمنية، إذ أصبحت السلطة هدفاً بحدّ ذاته، لا وسيلةً لبناء مؤسّسات عادلة.
السودان مرّة أخرى يقدّم المثال بوضوح. فمن عبّود إلى نميري إلى البشير، ثمّ إلى ما بعد ثورة ديسمبر/ كانون الأول، ظلّ الجيش يقدّم نفسه باعتباره الضامن لوحدة السودان، لكنّ النتيجة لم تكن بناءَ دولة وطنية مستقرّة، بل إعادةَ إنتاج الهيمنة المركزية، وتعميقَ الصراعات، وإضعافَ المؤسّسات المدنية. أي أنّ المؤسّسة العسكرية احتكرت الدولة أكثر ممّا بَنَتها.
لكنّ المدنيين أيضاً لم يكونوا دائماً بديلاً ناجحاً. ففي كثير من الحالات، دخلت النخب السياسية صراع السلطة قبل أن تحسم قواعد الدولة نفسها. انشغلت بالمحاصصات، والتنافس الحزبي، وتقاسم النفوذ، بينما بقيت الأسئلة التأسيسية الكبرى دون حلّ: ما طبيعة العلاقة بين الجيش والسياسة؟ كيف تُدار التعدّدية؟ كيف يُعاد توزيع السلطة بين المركز والهامش؟ وما هو شكل العقد الوطني الجديد؟
ولهذا؛ فإنّ بناء الدولة لا يمكن أن يكون مشروعَ جيشٍ وحده، ولا مشروعَ حزبٍ وحده، بل مشروعاً تأسيسياً واسعاً، يقوم على تحالف اجتماعي وسياسي يعيد تعريف الوطن نفسه. فالدولة الحقيقية لا تُبنى فقط بالقوّة، بل بالشرعية، ولا تقوم فقط على الحدود، بل على شعور المواطن بأنّ خسارته السياسية لا تعني خسارته للوطن.
هنا يمكن فهم لماذا نجحت بعض الدول الأفريقية نسبياً أكثر من غيرها. فغانا، رغم تاريخ الانقلابات، نجحت تدريجياً في إعادة الجيش إلى الثكنات وبناء قواعد تداول سلطة أكثر استقراراً. وبوتسوانا استطاعت تطوير مؤسّسات أكثر تماسكاً. أمّا جنوب أفريقيا، فرغم أزماتها، لم تكتفِ بانتخابات ما بعد الفصل العنصري، بل دخلت في مشروع أوسع لإعادة تأسيس الدولة. في المقابل، بقيت دول مثل السودان تعاني لأنّ الانتقال السياسي فيها سبق اكتمال التأسيس الوطني.
المشكلة إذن ليست أنّ الديمقراطية لا تصلح لأفريقيا، بل أنّ الديمقراطية في كثير من السياقات الأفريقية طُلب منها أن تعمل داخل دولة لم تُحسم طبيعتها بعد. ولهذا؛ فإنّ السؤال الحقيقي ليس فقط: كيف نجري انتخابات؟ بل: من يبني الدولة التي تجعل الانتخابات ممكنة أصلاً؟
إذا تُرك الأمر للعسكر وحدهم، قد نحصل على دولة أمنية. وإذا احتكرته نخب حزبية ضيّقة، قد نحصل على دولة محاصصة. أمّا إذا أصبح مشروعاً وطنياً شاملاً، يعيد تعريف السلطة والمواطنة والعدالة، فقد تبدأ فرصة بناء دولة قابلة للديمقراطية. في النهاية، لا تفشل الديمقراطية في أفريقيا لأنّ الأفارقة غير مؤهَّلين لها، بل لأنّها كثيراً ما تُختبر داخل دول لم تكتمل بعد. ولهذا؛ فإنّ التحدّي الأكبر ليس دمقرطة السلطة فحسب، بل تأسيس الدولة نفسها، لأنّ الديمقراطية، في جوهرها، ليست مجرّد صندوق اقتراع، بل ثمرة دولة يشعر الجميع بأنّها لهم جميعاً.