عربي
كلّما تلقّيتُ دعوةً إلى حفل زفاف توقّفتُ عند اسم العروس وموعد الزفاف لأحصي كم بقي أمامها من أيّام في بيت أهلها. تلك الأيّام الأخيرة التي قضيتُها في بيت أهلي، قبل زفافي، ما زالت تبدو لي أطول ممّا يجدر بها أن تكون.
في أدبنا الشعبيّ، كانت تُسمّى "الليالي الملاح"، ففي الختام السعيد للحكاية تُعلَن الأفراح -بين ثلاث ليال وسبع- "ما حدا ياكل وينام إلّا ع كيس السلطان". ماذا عن بطلة تلك النهاية السعيدة، التي يجب أن تُزفّ كي ينعم فقراء المملكة بمنامة مجانيّة وموائد ملوكيّة؟
أذكر أنّي فقدتُ شهيّتي قبل زفافي. إحدى أخواتي خسرت بضعة كيلوغرامات من وزنها، وكان على الخيّاط أن يعدّل فستان زفافها أكثر من مرّة، وأخت أخرى اشتكت من ألم في أمعائها منذ تأثيث منزل الزوجيّة. كلّما اقترب اليوم الموعود كلّما ضاقت الأمعاء وطالت الليالي وقصرت الأنفاس! لا أعرف السبب، لكنّ الانتقال إلى بيت جديد ليس بالضرورة جميلاً إلى حدٍّ يُنسينا أنّ البيت الذي نتركه هو الأجمل والأسعد والأحنّ.
الانتقال إلى بيت جديد ليس بالضرورة جميلاً إلى حدٍّ يُنسينا أنّ البيت الذي نتركه هو الأجمل والأسعد والأحنّ
عشيّة زفافها، تنام العزباء لمرّة أخيرة في سريرها "المفرد"، وسط أنفاس أهلها وتحت حراستهم. منذ الغد ستنتقل إلى سرير جديد، مزدوج، وتبدأ تتعلّم كيف تتقاسمه مع رجل، سواء سمّيناه زوجاً أو حبيباً أو شريكاً، أيّاً كان اسمه، هو رجل ستنام قربه وتسكن معه لأوّل مرّة.
الليالي الملاح الخرافيّة استُبدلت اليوم بحفلات وداع العزوبيّة. نخطئ إذ نعتبرها تقليداً مستورداً من سوق العولمة. القبائل والممالك، الحضر والبدو، أقاموا احتفالات ما قبل الزفاف وأولموا. ذاك أحد طقوس الاحتفال بالتكاثر والخصوبة، وأحد تقاليد الإشهار والتحدّث بالنعم والتزيّن بالمال والبنين... حتّى إنّ الاحتفال شمل نقل جهاز العروس و"البرزة" (إبراز الجهاز في منزل الزوجيّة) حيث تُدعى قريبات وجارات وصديقات العروس للمشاركة، وهو طقس ما زال متّبعاً في البلدات ذات العمق القرويّ. إنّها فرصة ذهبيّة للتباهي وإثبات المكانة الاجتماعيّة.
تقول وجوهنا حين يفقد العقل سطوته عليها ما لا نجرؤ على قوله أو حتّى إدراكه
كنتُ أولى من غادرت منزل والديّ من بين أخواتي. نمت باكراً تلك الليلة وفق تعليمات خبيرة التجميل. بسرعة غرقت في وسادتي بعد ليالٍ من الأرق. ستقول أختي بعد سنوات إنّها رأتني أنام متعبة، وإنّها دمعت. ربّما تقول وجوهنا حين يفقد العقل سطوته عليها ما لا نجرؤ على قوله أو حتّى إدراكه. لا بدّ من أنّني كنت متعبة في ختام تأسيس منزلي الجديد ووداع منزل أهلي، وداع كان أثقل وأكثر إنهاكاً، رغم أنّ الجهد الجسديّ فيه معدوم. منذ تلك اللحظة لن أعود مُقيمة فيه، وسيختلف عنوان سكني، وتعاملي مع التضاريس والمواقيت والبوصلة، فالصالة لن تطلّ على البحر، بل ستحجبها دالية الحديقة الجديدة، والرطوبة سترتفع لأنّ المنزل أرضيّ، والرائحة ستختلف، لأنّ زوجي لا يستعمل كولونيا أبي المفضّلة ماركة bien-etre، وأنا لا أجيد تبخير الأرز بالبهارات كما تفعل أمّي.
ما تركناه في بيوت أهلنا
تعود الفتاة إلى بيت أهلها، وقد صارت امرأة، ثمّ أمّاً. تعود زائرةً أو ضيفةً، لتساعد والدتها أو تعود والدها أو تُودِع أطفالها لساعتين أو تصلح غسيلاً أفسدته غسّالتها، لكنّ ما لا تعترف به هو أنّها غالباً ما تعود لتبحث عن شيء أضاعته.
هناك الكثير من الأمور التي نتركها في بيوت آبائنا، إمّا لأنّها لا تتناسب مع بيوتنا الجديدة، أو لأنّها تنتمي للبيت الأوّل، الطفولة نفسها، اكتشاف الحياة، أوّل مرّة من كلّ شيء، جميعها تبقى في البيت الأوّل، ليس لأنّنا نرفض أو لا نريد نقلها بل لأنّه من المستحيل فعل ذلك.
أعرف عروساً تركت في بيت أهلها مجلّات النجوم القديمة وأشرطة كاسيتات وكمان اشتراه لها والدها وصندوق موسيقى لا يناسب لونه ألوان بيتها الجديد.
كلّ مرّة ستتعثّر في حياتها الجديدة، ستعود المرأة إلى بيت أهلها لتبحث عن ضمادة تدّخرها والدتها للحالات المماثلة
وأعرف عروساً تركت أكثر بكثير: براءتها وطيشها وضحكاتها لعادل إمام ولوريل وهاردي ودموعها على فقدان قرط أو علامة مدرسيّة مخيّبة.
كلّ مرّة ستتعثّر في حياتها الجديدة، ستعود المرأة إلى بيت أهلها لتبحث عن ضمادة تدّخرها والدتها للحالات المُماثلة، وكلّ مرّة ستواجه شخصاً فظّاً أو تُجرح مشاعرها ستبحث عن ضمادة يخبّئها والدها في عينيه.
دُرج سرّيّ
لا أكاد أتعرّف على غرفتي، سريري صار وقوداً، وضعوا مكانه مهداً لرضّع الأسرة، المرآة نفسها التي كانت تخبرني عن تعب وجهي أو إشراقته أو بثور الشباب لم تعد تعرفني، الدُّرج السرّي الذي خبّأت فيه صور نجمي المفضّل صار رفّاً لِما تؤجّل أمّي إصلاحه أو الاستغناء عنه.
نعود، لكن من دون براءتنا وعذريّتنا وصفائنا. يصير أجمل مشوار في يوميّاتنا هو العودة إلى بيتنا الأوّل، وكلّ مرّة نفتح دُرجنا وننظر إلى المرآة نتمنّى العثور على ذاتنا الجميلة، أجمل نسخة كنّا عليها يوماً.