عربي
تتسارع في البلدة القديمة بالخليل إجراءات استيطانية تهدف إلى فرض واقع أمني جديد حول مبنى البلدية المغلق لتهويده، حيث أقيمت بوابة عسكرية وغرفة مراقبة وأسلاك شائكة فوق السطح، في إطار مخطط يوسع السيطرة الإسرائيلية ويضيّق على الحركة الفلسطينية، وسط تحذيرات من تهويد ممنهج للموقع التاريخي واستهداف رمزيته.
وفوجئ أهالي الخليل، جنوبي الضفة الغربية، بتسارع إجراءات حصار الاحتلال للبلدة القديمة، حين شرع المستوطنون في الرابع عشر من الشهر الجاري، في رفع أحجار وأسلاك شائكة على سطح مبنى بلدية الخليل المغلق بقرار عسكري، والواقع في "ساحة عين عسكر" عند أول طريق البلدة، تبعه ظهر أمس الأربعاء، نصب غرفة مراقبة على سطح المبنى، مع إقامة بوّابة عسكرية صفراء بداية الطريق، لتصبح ثلاث نقاط عسكرية تحاصر الساحة.
وترجع خلفية القضية إلى إخطار إسرائيلي صدر في الرابع من مايو/أيار 2023، يقضي بإخلاء المبنى بذريعة "الملكية اليهودية" له، وأنّ البلدية كانت تستخدمه بصفة "مستأجر"، فيما يخضع اليوم للتبعية الإسرائيلية بموجب "قانون أملاك الغائبين". وتبع هذا القرار في الثامن من مايو/أيار 2024، إغلاق بوابة المبنى باستخدام اللحام بالأوكسجين، ومنذ ذلك الحين تخوض بلدية الخليل والمؤسسات المعنيّة معركة قانونية في سياق وقف إجراءات الاستيطان بحقّ المبنى ومحيطه.
دلالات خطيرة
ويؤكد رئيس بلدية الخليل، يوسف الجعبري، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ الاستيلاء على مبنى البلدية التاريخي يتجاوز كونه إجراءً عقارياً أو أمنياً، ليحمل دلالات سياسية ورمزية خطيرة تستهدف الوجود الفلسطيني الرسمي داخل البلدة القديمة. ويوضح الجعبري أنّ البلدية تعاملت منذ اللحظة الأولى مع ما جرى باعتباره اعتداءً مباشراً على إحدى مؤسساتها الرسمية، ما دفعها إلى التوجّه فوراً بشكاوى إلى الشرطة الإسرائيلية، "رغم قناعتنا بأن هذه الجهات تمثل الخصم والحكم في آن واحد".
ويشير الجعبري إلى أن أعمال البناء توقفت بعد أربعة أيام من تقديم الشكوى، بعدما اكتفى المستوطنون بوضع سياج حديدي فوق المبنى، فيما تستعد البلدية لتقديم التماس جديد أمام المحكمة الإسرائيلية العليا، إلى جانب توجيه رسائل إلى المجتمع الدولي وبلديات حول العالم، باعتبار أن "لا قانون في العالم يمنح قوة احتلال الحق في إنشاء مجلس بلدي بديل عن بلدية الخليل أو الاستيلاء على ممتلكات بلدية قائمة"، لكنّ البلدية فوجئت لاحقاً بوضع بوّابة أمام طريق البلدية القديمة الوحيد، الأمر الذي جعلها تستعدّ لمواجهة قانونية جديدة، بحسب الجعبري.
مخاوف من مجلس بلدي استيطاني
وفي قراءة أوسع لما يجري، يحذر الجعبري من أن الخطوة تندرج ضمن مخطط إسرائيلي يستهدف إنشاء مجلس بلدي خاص بالمستوطنين داخل حدود بلدية الخليل، في سابقة يقول إنها "غير موجودة في أي مكان في العالم". ويعتبر الجعبري أن هذه السياسة تأتي في سياق مساعٍ إسرائيلية متواصلة لتعزيز تهويد المدينة وتقليص صلاحيات البلدية الفلسطينية عبر الاستيلاء على مبنى تابع لها، رغم أن "بروتوكول الخليل الذي وقّع عليه رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو عام 1997، والمجحف بحق الفلسطينيين، يتضمن بنوداً واضحة تمنح بلدية الخليل صلاحيات كاملة على مناطق المدينة التي تجري فيها عمليات الاستيلاء".
نفي للرواية الإسرائيلية
وعلى المستوى القانوني، ترفض بلدية الخليل الرواية الإسرائيلية التي تصنّف العقار ضمن ما يسمى "أملاك الغائبين"، إذ يؤكد الجعبري امتلاك البلدية وثائق رسمية تثبت ملكيتها الكاملة للمبنى، الذي كان يشكّل المقر التاريخي للبلدية قبل انتقالها إلى موقعها الحالي قرب مداخل البلدة القديمة. ويقول: "إن المحاكم الإسرائيلية غالباً ما تستند إلى وثائق مزوّرة أو إجراءات شكلية، لأنها منظومة تفتقر إلى النزاهة". ويعتبر قانون "حارس أملاك الغائبين" الذي أصدره الاحتلال في مارس/آذار 1950، "أنّ كل يهودي أو فلسطيني ترك أو هجر مكانه عام 1947 غائب، ويحق للسلطات الإسرائيلية التصرّف بأملاكه".
وفي سياق مبنى بلدية الخليل، يدّعي الاحتلال أن ملكية المبنى تعود ليهودي يدعى "حاييم أهارون فاليرو". وفي ردّه على هذه الادعاءات، يوضح الجعبري أن "فاليرو" كان من سكان الخليل اليهود قبل أكثر من قرن، وكانت له حصة في المبنى، لكنه باعها لبلدية الخليل بصورة قانونية، مشيراً إلى أن الوثائق التاريخية المتوفرة لدى البلدية تؤكد عملية البيع بشكل واضح.
تغيير هوية المبنى
وحول ما يجري داخل المبنى من أعمال ترميم استيطانية، يكشف الجعبري أنه رغم إغلاق المبنى منذ عامين، أعاد المستوطنون تقسيم قاعاته الداخلية باستخدام ألواح الجبس تمهيداً لتحويله إلى مركز ديني أو مرفق مشابه. ويؤكد الجعبري أن البلدية، رغم كونها الجهة المالكة للعقار، تُمنع حتى الآن من دخوله أو معاينة ما يجري بداخله، بعد أن تحوّل سطحه إلى "ثكنة عسكرية مغلقة".
ويؤكد رئيس لجنة البلدة القديمة، بدر الداعور، الذي يملك محلاً تجارياً أسفل مبنى البلدية، في حديث مع "العربي الجديد"، ما جاء في تصريح الجعبري، بأن المستوطنين نقلوا في الآونة الأخيرة إلى المبنى "أفرشة وخزائن وقرطاسية وكتباً دينية إلى مبنى المنجرة المحاذي لمبنى البلدية، وربما إلى الاثنين معاً". لكن الداعور يشير إلى اقتحام آليات الاحتلال العسكرية وبشكل مفاجئ أمس الأربعاء، ساحة البلدية القديمة، مع نصب بوّابات حديدية، وإجبار أصحاب المحال التجارية على مغادرتها.
وبعدها بساعات، تبيّن نصب غرفة مراقبة عسكرية جديدة في زاوية مبنى المنجرة المستولى عليه منذ 20 يوليو/تموز العام الماضي، والملاصق لمبنى البلدية، بحسب الداعور. وعن الغاية من ذلك، يقول: "إن الهدف جعل مبنى البلدية والمنجرة المجاورة له، تابعين للبؤرة الاستيطانية (بيت رومانو) المقامة مكان مدرسة (أسامة بن المنقذ)، والتي تُدرّس فيها العلوم الدينية اليهودية، وتبعد عشرات الأمتار هوائياً عن مبنى البلدية".
ويبيّن الداعور أن الأعمال الإنشائية في المكان شملت رفع طبقة بناء على سطح البلدية وإحاطته بالأسلاك الشائكة، ما أثار مخاوف من الشروع بإقامة بناء استيطاني جديد ومتكامل فوقه، غير أنّ ما جرى تبيّن لهم لاحقاً أنه يأتي تحت ذريعة "الدواعي الأمنية"، عبر إنشاء "مدماك واحد من الحجر لتثبيت شبك حديدي يحيط بالسطح". ويصف هذه الخطوات بأنها "جسّ نبض" من قبل المستوطنين لردّة الفعل الفلسطينية، التي اقتصرت على التدخل القانوني ومعاينة أعضاء المجلس البلدي في الخليل لأعمال البناء وتوثيقها، دون ردات فعل شعبية.
وتأتي هذه الإجراءات رغم استمرار المعركة القانونية بشأن المبنيين؛ إذ تملك بلدية الخليل وثائق حول ملكيتها للمبنى التابع لها، بينما تملك عائلة "ناصر الدين" وثائق لمبنى المنجرة، إلا أنّ ذلك لم يمنع المستوطنين من السيطرة على المبنيين ومبانٍ أخرى مجاورة تعود ملكيتها لعائلات أبو منشار والشلودي والنتشة، وبذلك يسيطر الاحتلال على مساحة تزيد عن 400 متر في المكان، كما وُضعت لافتة على مبنى المنجرة كُتب عليها بالعبرية: "بيت سارة".
عدم وجود ضغوط على المستوطنين
وعن سؤال "العربي الجديد" حول التصوّرات الاستيطانية السابقة لإنشاء جسر يربط الموقع الجديد بـ"بيت رومانو"، يرى الداعور أن المستوطنين تراجعوا عن تنفيذ الفكرة حالياً بسبب شعورهم بالارتياح لغياب أي ضغط فعلي عليهم خلال الأشهر الماضية. ويقول: "منذ نحو 8 أشهر من العمل الاستيطاني في المكان، لم يتعرض المستوطنون لأي مواجهة أو عرقلة من الفلسطينيين (...) فكرة الجسر كانت قائمة في الأصل لتجنّب قطع المستوطنين الشارع من أمام المحال الفلسطينية، لكنهم يمرّون اليوم بكل أريحية، وحين يسير أصغر مستوطن، يقوم جنديان بإغلاق الشارع لمدة تتراوح بين خمس إلى عشر دقائق، ويتوقف المواطنون تماماً عن الحركة، حتى يمر المستوطن".
وتعكس الحركة اليومية داخل الموقع، بحسب الداعور، نية واضحة لتحويله إلى مركز استيطاني دائم، إذ يوجد المستوطنون هناك يومياً (ما بين الساعة 7:30 صباحاً حتى 6 مساءً)، وينفذون أعمال ترميم وتصليح داخل المباني (البلدية والمنجرة والمباني المجاورة)، فيما توقفوا عن البناء على السطح، لكنهم لم يتوقفوا عن العمل داخل المباني المسيطر عليها.
إرهاب منظّم وسلوك عصابات
وفي تعليقه على ما جرى في البلدة القديمة، يصف محافظ محافظة الخليل، خالد دودين، ما يجري بأنه "سلوك عصابات" يستهدف المدخل التاريخي للبلدة، مؤكداً في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ الاحتلال يمارس "إرهاباً منظّماً" بحقّ مدينة الخليل وأهلها، في ظل تجاهل كامل للمؤسسات والهيئات الدولية، رغم إدراج البلدة القديمة من المدينة على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة "اليونسكو". ويشير دودين إلى أنّ الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة تحمل أبعاداً دينية خطيرة، موضحاً أنّ سلطات الاحتلال والجماعات الاستيطانية "تجاوزت جميع الخطوط الحمراء وتخوض حرباً دينية ضد الفلسطينيين".
مساران متوازيان
وعن سبل مواجهة الإجراءات الاستيطانية، يوضح دودين أنّ المحافظة تعمل على مسارين متوازيين؛ أولهما تعزيز صمود الأهالي ومنع تهجيرهم من البلدة القديمة، من خلال توفير مقومات الحياة الكريمة ودعم بقائهم داخل المنطقة المستهدفة. أمّا المسار الثاني، بحسب دودين، فيتمثل في تنشيط الحضور الشعبي داخل البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، عبر تنظيم زيارات ورحلات سياحية من مختلف مناطق محافظة الخليل، تشمل المدارس ومؤسسات المجتمع المحلي ومختلف الفعاليات الفلسطينية.
ويؤكد دودين أنّ المحافظة، بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار، ووزارة الأوقاف، وبلدية الخليل، والجهات الرسمية والأهلية، تعمل على إعداد مسار سياحي يعزز الوجود الفلسطيني في المنطقة، بحيث ينطلق من محيط البوابة التي أقامها الاحتلال عند الحرم الإبراهيمي، بهدف تشجيع المواطنين على الوجود الدائم في البلدة القديمة وتعزيز صمودهم فيها.

أخبار ذات صلة.
أسطول غزة: حقوق الإنسان تضع إسرائيل في الزاوية؟
france24
منذ 23 دقيقة