عربي
لم تكن ماريان هواغ تبحث عن الثراء حين وقعت عقد التمويل قبل سنوات، بل كانت تحاول فقط النجاة من ديون بطاقات الائتمان وضغوط المعيشة المتزايدة. المرأة الأميركية البالغة من العمر 67 عاما، والتي تعمل نادلة في مطعم للمأكولات البحرية بمدينة جاكسونفيل في ولاية فلوريدا، حصلت عام 2019 على نحو 18.6 ألف دولار نقدا مقابل منح شركة استثمار حصة من الارتفاع المستقبلي في قيمة منزلها. في ذلك الوقت، بدا العرض مغريا وبسيطا: لا أقساط شهرية، ولا فوائد مصرفية تقليدية، ولا ضغوط سداد فورية. لكن بعد سنوات قليلة، ومع الطفرة التاريخية التي شهدتها أسعار المنازل الأميركية، اكتشفت هواغ أن المبلغ الذي حصلت عليه تحول إلى التزام يقترب من 60 ألف دولار، مع استمرار ارتفاع القيمة المطلوبة كلما ارتفع سعر منزلها. وتقول هواغ، وفق تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ" الأميركية، أمس الثلاثاء: "كنت أظن أن الأمر فرصة… لكنه تحول إلى لعنة".
قصة هواغ باتت تختصر تحولا ماليا أوسع داخل الولايات المتحدة، حيث تتجه مؤسسات وول ستريت بشكل متسارع نحو استغلال الثروة العقارية الهائلة المخزنة داخل بيوت الأميركيين، عبر منتجات مالية جديدة تمنح أصحاب المنازل "سيولة فورية" مقابل التنازل عن جزء من الارتفاع المستقبلي في قيمة منازلهم. ويعرف هذا النوع من التمويل بعقود "الاستثمار في حقوق ملكية المنازل"، وهي سوق تنمو بسرعة كبيرة مع تدفق مليارات الدولارات من صناديق الاستثمار وشركات الائتمان الخاص التي ترى في المنازل الأميركية أحد أكبر مخازن الثروة غير المستغلة في العالم.
وبحسب بلومبيرغ، تستهدف هذه العقود ما يقرب من 34 تريليون دولار من الثروة العقارية التي يمتلكها الأميركيون داخل منازلهم، بعدما تضاعفت أسعار العقارات بصورة حادة خلال العقد الماضي. وأظهرت بيانات "بورصة إنتركونتيننتال" أن متوسط حقوق الملكية العقارية لصاحب المنزل الأميركي الذي يمتلك رهنا عقاريا ارتفع من 68.5 ألف دولار فقط في مطلع 2012 إلى نحو 318 ألف دولار خلال الربع الأول من 2026. هذا التضخم الهائل في أسعار المنازل خلق ثروة ورقية ضخمة للأسر الأميركية، لكنه تزامن أيضا مع ارتفاع أسعار الفائدة على الرهون العقارية إلى مستويات جعلت الاقتراض التقليدي أكثر صعوبة وكلفة، ما فتح الباب أمام شركات الاستثمار لتقديم نفسها بوصفها بديلاً سريعاً وسهلاً للحصول على النقد.
وتعتمد هذه العقود على فكرة بسيطة ظاهريا: يحصل صاحب المنزل على دفعة نقدية فورية اليوم، مقابل منح المستثمرين نسبة من الارتفاع المستقبلي في قيمة المنزل عند بيعه أو إعادة تمويله لاحقا. لكن المشكلة، بحسب خبراء ومؤسسات حماية المستهلك، أن كثيرا من الأميركيين لا يدركون الكلفة الحقيقية لهذه العقود إلا بعد سنوات، عندما يكتشفون أن جزءا ضخما من قيمة منازلهم المستقبلية انتقل فعليا إلى المستثمرين. وترى وول ستريت في هذه العقود فرصة استثمارية استثنائية، لأن السوق العقارية الأميركية أثبتت خلال العقود الماضية قدرتها على تحقيق مكاسب طويلة الأجل، فيما توفر العقود الجديدة عوائد مرتفعة مع مخاطر محدودة نسبيا.
ولهذا السبب، بدأت مؤسسات استثمارية كبرى، مثل شركة بلو أول كابيتال، ومجموعة كارلايل، وباين كابيتال، وفورتريس إنفستمنت غروب، بضخ مليارات الدولارات في هذا القطاع. وأشارت بلومبيرغ إلى أن أكبر أربع شركات عاملة في سوق هذه العقود أصدرت اتفاقيات بقيمة 2.5 مليار دولار خلال العام الماضي وحده، بزيادة بلغت 80% مقارنة بعام 2024، بينما أعلنت شركة "بلو أول كابيتال" عن خطط لضخ 2.5 مليار دولار إضافية في هذا السوق خلال السنوات المقبلة. ولا تتوقف الأرباح عند العقود نفسها، إذ تقوم بنوك الاستثمار بتحويل هذه الاتفاقيات إلى أوراق مالية وسندات تباع للمستثمرين المؤسساتيين، في نموذج يشبه إلى حد كبير عمليات توريق الرهون العقارية التي ساهمت في الأزمة المالية العالمية عام 2008.
لكن هذه المرة لا يجري الرهان فقط على القروض العقارية، بل على الارتفاع المستقبلي لقيمة بيوت الأميركيين نفسها. وتقول الشركات العاملة في القطاع إن هذه المنتجات توفر حلا مهما للأسر التي لا تستطيع الحصول على قروض مصرفية تقليدية أو تحمل أقساط شهرية مرتفعة، خصوصا مع وصول ديون الأسر الأميركية إلى مستويات قياسية. كما يستخدم بعض الأميركيين هذه السيولة لسداد ديون بطاقات الائتمان أو تغطية تكاليف العلاج والتعليم الجامعي أو مواجهة التضخم المتصاعد. وترى منظمات حماية المستهلك أن هذه العقود قد تتحول إلى "فخ مالي طويل الأجل"، خصوصا مع تعقيد بنودها وصعوبة تقدير كلفتها الفعلية مستقبلا.
وفي فبراير/شباط 2025، رفعت المدعية العامة لولاية ماساتشوستس دعوى ضد شركة "هومتاب"، متهمة إياها بتقديم عقود استغلالية تستهدف أصحاب المنازل الضعفاء ماليا. كما حذر مكتب الحماية المالية للمستهلكين الأميركيين من أن هذه المنتجات قد تكون أكثر خطورة مما تبدو عليه، لأن قيمتها النهائية ترتبط بمستقبل أسعار العقارات والتضخم على مدى سنوات طويلة. وقال كين جونسون، أستاذ العقارات في جامعة ميسيسيبي، إن هذه العقود تشبه الطعوم اللامعة المليئة بخطافات مخفية، موضحا أن كثيرا من المستهلكين لا يكتشفون حجم ما باعوه من مستقبلهم المالي إلا عندما يحاولون بيع منازلهم أو إعادة تمويلها.
ورغم تصاعد الانتقادات، لا تزال شركات الاستثمار ترى أن السوق في بدايته فقط، خصوصا في ظل استمرار أزمة السكن وارتفاع الفائدة وتراجع القدرة الشرائية للأسر الأميركية. ويعتقد محللون أن ما يحدث يعكس تحولا أعمق داخل الاقتصاد الأميركي، حيث لم تعد وول ستريت تكتفي بالاستثمار في الأسهم والسندات، بل بدأت تتوسع نحو تسييل الأصول الشخصية للأسر الأميركية نفسها، وتحويل المنازل، التي شكلت لعقود رمزا للحلم الأميركي والاستقرار العائلي، إلى أدوات مالية جديدة تدر الأرباح للمستثمرين العالميين.
كيف تعمل عقود الاستثمار في حقوق ملكية المنازل؟
1- تقييم المنزل
تبدأ العملية بتقييم شركة الاستثمار سعر المنزل الحالي في السوق، لتحديد قيمة التمويل الذي يمكن تقديمه لصاحب العقار.
2- الحصول على سيولة فورية
بعد التقييم، تعرض الشركة على مالك المنزل مبلغا نقديا فوريا قد يصل في بعض الحالات إلى نحو 20% أو 25% من قيمة المنزل، من دون منحه قرضا مصرفيا تقليديا.
3- لا أقساط شهرية
بعكس القروض العقارية المعتادة، لا يطلب من صاحب المنزل دفع أقساط شهرية أو فوائد دورية، وهو ما يجعل هذه العقود جذابة للأشخاص الذين يعانون من ضغوط مالية أو ديون مرتفعة.
4- التنازل عن جزء من الارتفاع المستقبلي
في المقابل، يوافق صاحب المنزل على منح المستثمر حصة من الارتفاع المستقبلي في قيمة المنزل. وكلما ارتفعت أسعار العقارات لاحقا، ارتفعت الأرباح التي يحصل عليها المستثمر.
5- تسوية العقد لاحقا
عند بيع المنزل أو إعادة تمويله أو انتهاء مدة الاتفاق، يحصل المستثمر على حصته المتفق عليها من قيمة العقار، إضافة إلى استرداد المبلغ الذي دفعه في البداية.
أين تكمن الخطورة؟
تكمن المشكلة في أن كثيرا من أصحاب المنازل لا يدركون الكلفة الحقيقية لهذه العقود إلا بعد سنوات، عندما يكتشفون أن المبلغ المطلوب لإنهاء الاتفاق أصبح أكبر بكثير من السيولة التي حصلوا عليها في البداية، بسبب الارتفاع الكبير في أسعار المنازل الأميركية.
مثال توضيحي
ولفهم آلية هذه العقود بصورة أوضح، يمكن تصور الحالة التالية: منزل تبلغ قيمته حاليا 500 ألف دولار، ويحتاج صاحبه إلى سيولة عاجلة لسداد ديون أو تغطية نفقات معيشية، فيتفق مع شركة استثمار على الحصول على 50 ألف دولار نقدا اليوم، مقابل منحها 20% من أي ارتفاع مستقبلي في قيمة المنزل خلال السنوات المقبلة. وإذا ارتفعت قيمة المنزل بعد خمس سنوات إلى 800 ألف دولار، فإن الزيادة الإجمالية في القيمة تبلغ 300 ألف دولار، ما يعني أن المستثمر سيحصل على 20% من هذه الزيادة، أي 60 ألف دولار، إضافة إلى استرداد المبلغ الأصلي، بخلاف المبالغ والشروط الأخرى المرتبطة بالعقد.
وفي مثال آخر، قد يحصل صاحب منزل في كاليفورنيا تبلغ قيمته مليون دولار على سيولة فورية بقيمة 100 ألف دولار مقابل منح المستثمر 25% من الزيادة المستقبلية في سعر المنزل. وإذا ارتفعت قيمة العقار إلى 1.5 مليون دولار بعد عدة سنوات، فإن المستثمر يطالب بحصة من الزيادة البالغة 500 ألف دولار، أي نحو 125 ألف دولار، إضافة إلى استرداد قيمة التمويل الأصلية ورسوم أخرى مرتبطة بالعقد، ما يرفع إجمالي المبلغ المستحق إلى أكثر من 225 ألف دولار مقابل سيولة أولية بلغت 100 ألف فقط.
وهنا يكتشف كثير من أصحاب المنازل أن ما بدا في البداية "سيولة سهلة" تحول فعليا إلى بيع جزء كبير من الثروة المستقبلية للعائلة. وتزداد حساسية هذه العقود في المدن الأميركية التي شهدت قفزات عقارية ضخمة خلال السنوات الأخيرة، مثل ميامي وأوستن وفينيكس ونيويورك، حيث تضاعفت أسعار بعض المنازل بأكثر من 40% و50% منذ جائحة كورونا، ما جعل المستثمرين يحققون أرباحا ضخمة من رهاناتهم على استمرار التضخم العقاري، بينما يتحمل أصحاب المنازل الجزء الأكبر من المخاطر طويلة الأجل، بعدما باعوا جزءا كبيرا من ثروتهم المستقبلية مقابل سيولة مؤقتة استخدمت غالبا لسداد ديون استهلاكية أو مواجهة ضغوط المعيشة اليومية.
AI Chart (bar)

أخبار ذات صلة.
بذور الشيا... 5 فوائد صحية قد لا تعرفها
الشرق الأوسط
منذ 18 دقيقة