الوحدة اليمنية بين السردية الوطنية والسرديات المضادة
أهلي
منذ 9 ساعات
مشاركة

يمثّل الثاني والعشرين من مايو 1990 لحظة فارقة لليمنيين، كانت لحظة مفعمة بالامل والتطلع نحو المستقبل بعد عقود طويلة من التمزق والاستقطاب السياسي الحاد والصراع الشطري والتوجس وعدم الثقة بين التيارات السياسية في الشطرين. 22مايو اليمني يعني الوحدة والجمهورية والتعددية السياسية، وكل ما حدث في السنوات الأخيرة من كوارث في حياة اليمنيين كانت في معظمها نتيجة مباشرة للنيل من هذه المبادئ الثلاثة.

هل يمكن أن تكون الذكرى ال36 لتحقيق الوحدة اليمنية محطة للتقييم والقراءة المتأنية للتجربة بعيدا عن الصراعات الآنية، والكيد السياسي والضغائن التي كرستها سنوات الصراع السياسي المرير في جنوب الوطن وشماله؟

تحول 22 مايو من عنوان وطني كبير إلى جملة هامشية يتم تداولها على استحياء لأنها تجلب لصاحبها المتاعب وتصنفه معرقلا للتوافق والاصطفاف الوطني.!

أقل من أربعة عقود من تحقيق الحلم الوطني هي فترة زمنية قصيرة في حياة الأمم والشعوب، وليست كافية للجزم بأننا وصلنا إلى نهاية الطريق في تقييم التجربة، ولا يمكن أن يكون المزاج العام المتقلب في منطقة من مناطق اليمن أو جزء من أجزائه معيارا حقيقيا وثابتا للجزم بأن اليمنيين قد يئسوا من استكمال تحقيق الحلم.

في السنوات القليلة الماضية تحول 22 مايو وخاصة في المناطق التي سيطر عليها المجلس الانتقالي المنحل من عنوان وطني كبير إلى تهمة تستدعي القمع والإقصاء بكل أشكاله المعنوية والمادية، وحتى على مستوى الشرعية تحول 22 مايو إلى جملة هامشية يتم تداولها على استحياء لأنها تجلب لصاحبها المتاعب وتصنفه معرقلا للتوافق والاصطفاف الوطني.!!

مفارقة لم يكن لأكبر المتشائمين أن يتوقع أن نصل إليها، خاصة أن الصف الوطني ما يزال يضم بين جنباته رموزا وطنية وقامات كبيرة من شمال الوطن وجنوبه لا يمكن التشكيك بإيمانها بالوحدة اليمنية وإن اختلف التقييم لأسباب الفشل السياسي الذي بدأت ملامحه في الظهور منذ السنوات الأولى لتحقيق الوحدة.

إن إعادة الاعتبار للثاني والعشرين من مايو يرتبط ارتباطا وثيقا بإعادة الاعتبار للجمهورية وللتعددية السياسية في اليمن، ولا يخفى على كل من يتابع الملف اليمني التخادم المباشر وغير المباشر بين الأطراف التي لديها موقف سلبي من الوحدة والنظام الجمهوري في اليمن.

أدرك المجتمع الدولي ودول الجوار وعلى رأسها المملكة العربية السعودية أن الوحدة اليمنية عامل استقرار لليمن وللمنطقة، ولذلك كانت المواقف الرسمية للمملكة وللقوى الرئيسية في الوطن العربي وفي العالم كلها مع الوحدة اليمنية وتربطها دائما في بياناتها الرسمية باستقرار اليمن وازدهاره وتنميته وسلامة أراضيه.

قدّم تحالف الحوثي وصالح خدمة جليلة للنزعة الانفصالية بعد اجتياحهما لأجزاء كبيرة من الجنوب عام 2014، وبلغت النزعة الانفصالية ذروتها بعد ذلك ، ليس بفعل الإرادة الشعبية الحرة وإنما نتيجة لتمكين المجلس الانتقالي من الأدوات المالية والعسكرية والإعلامية في المحافظات الجنوبية خلال الفترة من 2014 – 2025 . ولايمكن مقارنة ذلك بحرب صيف 1994 التي شاركت فيها أطراف جنوبية وحدوية فاعلة، وكان بالإمكان بناء نموذج وحدوي ناجح بعد الحرب، لولا السياسات الإقصائية المتشددة التي انتهجها نظام حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح بعد 1994.

على المستوى الإقليمي والدولي، أدرك المجتمع الدولي ودول الجوار وعلى رأسها المملكة العربية السعودية أن الوحدة اليمنية عامل استقرار لليمن وللمنطقة، ولذلك كانت المواقف الرسمية للمملكة وللقوى الرئيسية في الوطن العربي وفي العالم كلها مع الوحدة اليمنية وتربطها دائما في بياناتها الرسمية باستقرار اليمن وازدهاره وتنميته وسلامة أراضيه. وعلى المستوى الداخلي اليمني تترسخ القناعات يوما بعد يوم أن الوحدة لها عمودان محليان لايمكن أن تستمر بدونهما وهما: النظام الجمهوري والتعددية السياسية.

إن البديل للنظام الجمهوري في اليمن هو نموذج الإمامة التي تمثله جماعة الحوثي، والبديل للتعددية السياسية هو نموذج الإقصاء والقمع وتكميم الأفواه الذي قدمه الحوثي والمجلس الانتقالي في مناطق سيطرتهما منذ العام 2014.

ولذلك ليس مستغربا أن الرؤية للماضي والحاضر والمستقبل في اليمن أفرزت فسطاطين كبيرين، الأول يضم كل القوى الوطنية الشرعية والمرخصة قانونيا من المؤتمر والإصلاح والاشتراكي والناصري وكلها تمتلك سردية واحدة عن ما يمثله 26 سبتمبر و14 أكتوبر و 22 مايو لليمنيين، بينما نجد في الضفة المقابلة سردية مختلفة تماما تقدمها جماعتا الحوثي والانتقالي.

السردية الحوثية والانتقالية لتاريخ اليمن القديم والحديث تقف على الضد تماما من السردية التي عرفها اليمنيون وآمنوا بها وهي السردية التي يتبناها المؤتمري والاصلاحي والاشتراكي والناصري والمستقل.

وليس الأمر قاصرا على السردية التاريخية وإنما هي أيضاً مفاصلة في الرؤية نحو مستقبل اليمن وموقعه في محيطه العربي وعلاقاته الدولية.

تقف معظم القوى والمكونات السياسية والمجتمعية اليمنية مع الوحدة والنظام الجمهوري والتعددية ومع علاقات عربية متوازنة وشراكة حقيقة مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية ومواقف ثابتة في دعم القضية الفلسطينية وعدم التطبيع مع الكيان الصهيوني واستقلال القرار الوطني اليمني عن النظام الإيراني، في حين تقدم جماعتا الحوثي والانتقالي مواقف مناقضة تماما لكل ما سبق.

تقف معظم القوى والمكونات السياسية والمجتمعية اليمنية مع الوحدة والنظام الجمهوري والتعددية ومع علاقات عربية متوازنة وشراكة حقيقة مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية ومواقف ثابتة في دعم القضية الفلسطينية وعدم التطبيع مع الكيان الصهيوني واستقلال القرار الوطني اليمني عن النظام الإيراني، في حين تقدم جماعتا الحوثي والانتقالي مواقف مناقضة تماما لكل ما سبق.

هل يمكن أن تكون أجواء الحوار التي تتبناها الحكومة الشرعية اليمنية وبدعم من الأشقاء في السعودية فرصة لشركاء الوطن من جماعة الحوثي والانتقالي لمراجعة الذات، والتخلي عن وهم تمثيل المجتمع عن طريق الاستقواء بالسلاح؟ السلاح يمكن أن يصنع وهما مؤقتا بالسيطرة وامتلاك الأغلبية، لكنه على المدى البعيد يكرس العزلة ويزيد الفجوة بينكم وبين المجتمع، خاصة أنكم تصرون على تقديم مشاريع سياسية تصطدم مع رؤية غالبية اليمنيين لتاريخ اليمن وحاضره ومستقبله.

هل يمكن أن تكون مناسبة 22 مايو فرصة للقوى اليمنية للمصارحة والمكاشفة والحوار الجاد للتوصل إلى اتفاق على ثوابت محددة تضمن استقرار اليمن وخروجه من عنق الزجاجة؟ ثم بعد ذلك ليتنافس الجميع في تقديم برامجهم السياسية ورؤاهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تحت عنوان وطني واحد هو: يمن مزدهر يتسع لجميع أبنائه.

 

The post الوحدة اليمنية بين السردية الوطنية والسرديات المضادة appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية