عربي
أظهرت دراسة أصدرتها جمعية "تقاطع من أجل الحقوق والحريات"، وهي منظمة غير حكومية، مقرها تونس، اليوم الأربعاء، أن فجوة الأجور بين النساء والرجال تؤثر على قدرة أكثر من 90% من التونسيات على الحصول على سكن لائق، ما يفاقم هشاشتهن النفسية والجسدية، ويؤثر سلبا على مسارهن المهني.
وأبرزت النتائج أن فجوة الأجور بين النساء والرجال لا تقتصر على كونها تفاوتا في الدخل، بل تمتد لتصبح عاملا حاسما في تحديد قدرة النساء على تحمّل تكاليف السكن والوصول إليه، في ظل ارتفاع مستمر في أسعار السكن والخدمات المرتبطة به، كما أوضحت أن ارتفاع تكاليف السكن لا يقتصر على الإيجار أو التملك، بل يشمل أعباء إضافية مثل الخدمات الأساسية والنقل، ما يفرض عبئا أكبر على النساء، ويزيد احتمالات الهشاشة السكنية وعدم الاستقرار.
ونتيجة لذلك، تضطر العديد من النساء إلى القبول بسكن أقل جودة أو إلى مشاركة المسكن بشكل قسري، مع ارتفاع مخاطر التعرض للإخلاء بسبب عدم القدرة على تحمل تكاليف السكن. وتناولت الدراسة كيف تتحول المدن إلى بيئات تعيد إنتاج اللامساواة، خاصة تلك المرتبطة بالنوع الاجتماعي.
وقالت الباحثة بجمعية تقاطع نادرة أوبا إن نسبة مشاركة النساء التونسيات في سوق العمل تبلغ نحو 55.48%، ومع ذلك لا يزلن يتعرضن للتمييز في الأجور الذي يؤثر على قدرتهن على توفير سكن لائق بصفة فردية. وأكدت أوبا في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن 90% من التونسيات العاملات غير قادرات على توفير مسكن دون مساعدة الزوج أو الأسرة بسبب فجوة الأجور، ما يجعلهن مجبرات على السكن في أحياء بعيدة عن العمل أو على هامش المدن.
وتابعت المتحدثة أن "السكن اللائق يتطلب توفير كل المقتضيات القانونية لعقود الإيجار أو التمليك، إضافة إلى القرب من المرافق الخدماتية الأساسية، غير أن هذه الشروط غالبا ما تغيب لدى النساء غير المقتدرات ماديا، اللواتي يجبرن على السكن دون عقود رسمية، في وضعيات هشاشة تجعلهن عرضة للإخلاء دون سند قانوني في العديد من الحالات".
وأشارت الباحثة إلى أن فجوة الأجور الإجمالية بين الجنسين في تونس تبلغ نحو 10.4% لصالح الرجال، مضيفةً أن 13.9% من هذه الفجوة يُعد جزءًا غير مفسَّر إحصائيا ولا يرتبط بمستوى التعليم أو الخبرة، بل يُعزى إلى التمييز القائم على النوع الاجتماعي.
في المقابل، تظهر نتائج الدراسة أن التمييز في الأجور يبدو أكثر وضوحاً في القطاع العام، كما أن النساء ذوات التعليم العالي يعانين من فجوة أجور سلبية ترتبط بنوع الشهادة لا بمستواها.
وفي ما يتعلق بمؤشر أسعار الإسكان والخدمات، قالت نادرة أوبا إن أسعار المساكن سجلت مستويات قياسية خلال العامين الماضيين، ما يجعل النساء أقل قدرة على تحمّل هذه التكاليف. وأضافت "أثبتت الدراسة البحثية التي قامت بها الجمعية أن فجوة الأجور البنيوية تؤدي إلى انخفاض القدرة النسبية للنساء على تحمل تكاليف السكن في تونس إلى نحو 90.6% مقارنة بالرجال".
وتوصي الدراسة بضرورة تبني مقاربة حقوقية متكاملة تربط بشكل مباشر بين العدالة الاقتصادية في سوق العمل والحق في السكن الملائم، عبر معالجة الجذور الهيكلية للأزمة، من خلال تفعيل آليات الرقابة لضمان تكافؤ الأجور والحد من عقود العمل الهشة لدى النساء.
كما تشدد على أهمية إعادة صياغة السياسات السكنية وبرامج الإسكان الاجتماعي والتمويل العقاري، لتصبح أكثر استجابة للفوارق الجندرية في الدخل، مع توفير آليات بديلة للتقييم الائتماني وتخفيف شروط الضمانات العائلية أو العقارية التي تقصي النساء.
وتشمل التوصيات الرئيسية ضرورة تقليص فجوة الأجور، وتصميم سياسات سكنية أكثر عدالة، وتحسين وصول النساء إلى التمويل السكني، وتعزيز الأمن السكني، إلى جانب تطوير بيانات جندرية دقيقة تدعم صنع السياسات المبنية على الأدلة. كما تشدد التوصيات على حماية أمن الحيازة للمستأجرات والمعيلات ضد الإخلاء التعسفي، وربط برامج السكن بشبكات نقل حضري تمنع عزل النساء في أطراف المدن، إلى جانب تطوير قواعد بيانات حكومية مصنفة حسب الجنس لمراقبة نسب الإنفاق والملكية، ومواءمة القوانين المحلية مع الالتزامات الدولية، لضمان تخطيط عمراني منصف وشامل للجميع.

أخبار ذات صلة.
«فلسفتي» لخالد الغنامي
الشرق الأوسط
منذ 9 دقائق