عربي
العالم يبكي في الخارج. المطر يجعل الطريقَ يقظاً والأضواء أكثر حدّة. وبينما يمشي الناس تحت قبّعاتهم وبأحذيتهم الجلدية، أكون قد سقطت في الحبّ معك مرّة أخرى. أكون قد تأمّلت طريقي وأنا أمشي مع صبية دافئة يسكن وجهها الفرح وأسواق الورد. وتسكن في صدرها طيور تغني، بيوت مضيئة، أسرة وثيرة، وقيثارة بلا عازف.
أتأمّل هذه الفكرة والوجود بأكمله لا يشغلني عن التفكير بها، لا مواد دراسة القانون المُعقّدة، ولا نظريات الرومان عن القانون. لا يشغلني ذلك عن التفكير بطريقة عيشي، عندما يكون وجه يسكنه الفرح، وأسواق الوردِ، وصدر فيه طيور تغني، أسرة وثيرة، وقيثارة بلا عازف، وقلب مثل قلبك، لا يريدني.
إن كان قلبك لا يريدني، فمن أين سأحصّل شجاعة كافية لأقف أمام الدنيا كأنّني قلب وروح يريدهما أحد؟ إن كانت وردةٌ في قلبك لا تريدني، فكيف سأركض في الحقل من دون أن يدفعني نحو المغادرة سريعاً؟ إن كانت يدك الدافئة لا تريدني، فكيف أصدّق أنّ الشمس لا تحاول إحراقي؟
إن كانت يدك الدافئة لا تريدني فكيف أصدّق أنّ الشمس لا تحاول إحراقي؟
إنْ كنتِ لا تريدينني، فلماذا تظهرين في طريقي عندما أغني عن الحياة والفرح؟
إنْ كنتِ لا تريدينني، فماذا أفعل بالقصائد التي كتبتها، وجَعلَتني أمام الناس شاعراً، عاشقاً؟ وأمام المرايا، وحيداً، عارياً، غارقاً، لا يضيره شيء في هذه الدنيا سوى أنّ يدك لن تلمس وجهه في الحياة قط؟
أن أحبّ امرأةً مثلكِ فكرة عظيمة، لا يمكن تخيّلها في أفضل ما يورده التفاؤل من أحلام، وأرقّ من أجمل حديقةٍ يمكن أن نقف قبالتها، وأعظم من وردةٍ بجانب وردة. يا حبيبتي، إنّ الحزن وحده من جلبني إلى هنا، الحزن وحده من دلّني عليكِ، وأعرف أنّكِ لا تحبين أن أعترف لكِ بذلك، لكن بيتاً دافئاً ورقيقاً، لن يكون قبل أن نضع حجراً قاسياً فوق حجر آخر.
كلّهم أشاروا إلى الحديقة وعادوا إلى بيوتهم بالورد، وأنا أشرت إلى قلبك وعدت بالقبلات. أشاروا إليّ وقالوا إنّ واحدًا يحمل الدنيا، وكنت أحمل مذاق صدرك في فمي. أشيري إلى موضع القبلة، تلك أجمل قصائدي. أعيريني ضحكتك ليفرح الكون، أعيريني دمعتك ليحزن الكون معي.
كلّهم أشاروا إلى الحديقة وعادوا إلى بيوتهم بالورد، وأنا أشرت إلى قلبك وعدت بالقبلات
تمنعني حدود البلدان، المطارات، وجنسيتي، من أن أقبّلكِ كلّ صباح، وعندما تصيرين حزنًا قاتلًا لن يقف أحد أمامك في الطريق إلي.
أسماؤنا لا تعود على حالها من الأحزان، تصير أقرب إلى الهشاشة منها إلى أيّ شيء آخر، أقرب إلى الموانئ المهجورة، ومخازن الذخيرة، أقرب إلى المقابر والغابات، أقرب إلى جمل الوداع وصالات المغادرين، لذا لا تعانقنا المرايا رغم أنّها تعرفنا.
الذين أحببتهم وغادروني، تاركين في قلبي حطامًا واشتعالات، تاركين خلفهم حديقةً مهجورة، رمادية، لا يقصدها فرحٌ ولا لون، أحبّكم، أحبّكم جدًا، رغماً عن خضرة الحديقة التي أتيتم إليها سابقًا، رغماً عن السعادة التي قلّمتم أعضاءها بعناية، رغماً عن وفرة العشب ووضوح الطريق الذي تركتم فيه قدرتكم على التدمير.
أحبّكم، أنا أحبّكم جدًا. فالسماوات في قلبي تكسّرت أضواؤها عند رحيلكم، ولم تنظّفوا خلفكم ذكرياتنا البراقة وقدرتنا الهائلة على إشعال القناديل وزراعة الورد، كأنّ يومًا لم نفترق.
لم يكن لحبّنا بوابة خروج، ولم نكن نحتاج لذلك؛ فالرحلة الطويلة أخذتنا إلى سعادة صريحة، لا تتردّد في إضاءة أحلامنا.
هل تذكرون كم كنا نغسل حديقتنا، نُنظّفها من روث الكلاب وظلال الوشاية؟ لم يكن في وقتنا ما يكفي لنبحث عن باب للمغادرة، لم يكن هناك باب للمغادرة، لذلك شققتم قلبي وخرجتم، مثلما كنا نشاهد الأحزان وهي تغادر.
يؤكل قلبي عندما لا يجد الأطفال ما يُؤكل، ويعود العشاق من لقاءاتهم الأخيرة من دون أن يعرفوا أنها كذلك
لكنني أحبّكم، أحبكّم جدًا، رغم أنّكم لم تتركوا كلمة واحدة يمكن أن أسير فيها عندما أحزن، أو أن أضعها على الجراح التي لا تكشفها أجهزة الطبّ ولا خبرة الطبيب النفسي. كنتم جميلين إلى حدٍّ لم أكن أتوقّع أنّه موجع، أو أنّه قادر بكلّ قسوة أنّ يضرم نارًا في حديقة.
يُؤكل قلبي عندما لا أجد الشمس في الخارج، وألتفت إلى ذكرياتي الحزينة. يؤكل قلبي عندما لا يجد الأطفال ما يُؤكل، ويعود العشاق من لقاءاتهم الأخيرة من دون أن يعرفوا أنها كذلك. يُؤكل قلبي عندما تموت الورود، تجف الحقول وتنمو الحروب. عندما أفرح بكوب الماء والركض في الحديقة، عندما يخفق قلبي أمام الشجر، والجبال البعيدة.
أشياء كثيرة تأكل قلبي، وتجعلني أعيش بقلب غارق وموجوع، وتجعلني أنظر إلى الأشياء الجميلة من حولي كمطارق ثقيلة وصلبة، يمكنها في أيّ لحظة أن تقتلني. لكن قصتك معي غريبة ومُغايرة. وعندما رأيت السحر يخرج من شفتيك مثل عادة يومية، صرت مثل أيّ شيء أحبّه، مُطرقًا، ثقيلاً وصلباً، وكانت تلك المرّة الأولى التي جاءت فيها مطرقة ثقيلة وصلبة، لتصلحني.