عربي
بين يومي الاثنين والثلاثاء، انتقل خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من لغة المتوجه إلى استئناف الحرب ضد إيران، إلى اللغة المعهودة والمفتوحة على التأويل. هبطت سخونة تهديده بدرجة ملحوظة، في أقل من 24 ساعة. هذا التقلب، مع أنه "بضاعة مألوفة" في التعامل مع هذه الحرب، عزز المخاوف من أن يكون تعبيراً عن تفاقم مأزق الإدارة بعد عودة الرئيس من زيارته إلى الصين، التي يبدو أنها لم تساهم في حلحلة الأزمة بالقدر المطلوب، إلا إذا كانت هناك تفاهمات جرى التوصل إليها، لكن لم يظهر أثرها بعد.
وفي الوقت نفسه، أعطى هذا الوضع دفعة زخم للجدل بين دعاة التركيز على الحل السياسي لوقف الحرب، وبين دعاة المضي بالخيار العسكري وضرورة استكماله حتى النهاية. بدأ التقلب الاثنين، حين قرر الرئيس ترامب من غير إعلان قراره، استئناف الحملة الجوية ضد إيران في اليوم التالي، محذراً بأن "عقارب الساعة تدور"، وأنه لم يتبقَ من الوقت "إلا القليل، بحيث يتحتّم على طهران التحرك باتجاه قبول الحل المعروض قبل فوات الأوان. شاع الاعتقاد في واشنطن بأن عودة الحرب صارت على الأبواب. وذهبت بعض الجهات، ومنها مقرّبة من البيت الأبيض (مثل فوكس نيوز) إلى حدّ القول إن هذا الأسبوع "سيكون حاسماً" في موضوع الحرب، مع الترجيح الضمني للخيار العسكري.
لكن بعد ساعات قليلة، أعلن الرئيس ترامب تراجعه عن استئناف المواجهة، بحجة أن المفاوضات أحرزت "تقدماً نوعياً" ينبغي منحه الفرصة اللازمة لإنضاج طبخته. وتبيّن أن المعلومات عن "التقدم في المفاوضات" كانت معروفة قبل يوم الاثنين، ومع ذلك اتخذ قرار الحرب. كذلك المعروف أن مثل هذا التسويغ تكرر أكثر من مرة خلال فترة وقف النار، من دون أن يكون هناك تقدم فعلي في المفاوضات، بل إن الشائع والمتداول أن المواقف ما زالت على حالها، ولم يتزحزح أي من الجانبين عن مطالبه وشروطه، بمعنى أن الجمود سيّد الميدان، بقدر ما هو سيّد الطاولة.
أمس الثلاثاء، تبدّلت اللهجة. في دردشة ترامب مع المراسلين، غابت لغة التشدد والتهديد المباشر عن ردوده على الأسئلة المتعلقة بإيران، بل أبدى ليونة بخصوص المهلة المتوقع أن يسمع خلالها من طهران بشأن مشروع الحل، بحيث تركها شبه مفتوحة بين "يومين أو ثلاثة... أو لغاية الجمعة وربما السبت"، مكتفياً بالتذكير باحتمال "توجيه ضربة كبيرة إلى إيران" في حال بقيت مصرّة على شروطها، من دون الإسهاب في الحديث عن المفاوضات وتعقيداتها.
نائبه جي دي فانس الذي أدار الثلاثاء الإحاطة الصحافية في البيت الأبيض، نأى هو الآخر عن لغة التهويل، مشدداً على أن الحرب "ليست الخيار المفضل للرئيس ترامب"، وقد أبدى الرغبة في "مواصلة العمل" لإنجاح المفاوضات، على أن تؤدي إلى "تسوية جيدة"، حتى لا يكون "الخيار العسكري هو البديل". وكان من اللافت أنه لم يتوسع في الحديث عن المفاوضات، ولا "التقدم الذي حققته" كما وصفه البيت الأبيض الاثنين. ولفت أيضاً كلامه عمّا سمّاها بصعوبة التعاطي خلال المفاوضات مع القيادة الإيرانية، التي وصفها بأنها "متصدعة"، وبما يزيد من تعقيدات التواصل معها والوقوف على رأيها في القضايا المطروحة للتفاوض، وبما لا يتفق مع الكلام عن حصول تقدم هام في المفاوضات معها.
الصورة ما زالت ضبابية، وربما أكثر مما كانت عليه. مع مرور الوقت، وتراكم التداعيات، وإحكام إيران سيطرتها على مضيق هرمز الذي صار مفتاح الحل والحرب، بدأت الأزمة تبدو مستعصية أكثر فأكثر. ويزيدها استعصاء، إصرار الجانبين على الحل الشامل الذي تتطلب بنوده، خاصة النووي، عدة أشهر من التفاوض للتوصل إلى توافقات بشأنها. وربما لهذا السبب وغيره، ترتفع أصوات الصقور، ولا سيما العسكريين السابقين، التي تدفع نحو العودة إلى الخيار العسكري الذي يثير خشية الكثيرين من رموز "الاستابلشمنت" (مسؤولون ودبلوماسيون سابقون، منهم مثلاً روبرت غيتس وزير الدفاع السابق) الذين يحذرون من مغبة "التورط في حرب جديدة في الشرق الأوسط".
